جاء وقت على العراق
جاء وقت في سبعينات القرن العشرين، أعلنت فيه منظمة التربية والعلوم والثقافة، أن معدل الأمية في العراق يقترب من الصفر. هذا ما أعلنته المنظمة الشهيرة باليونسكو من مقرها في العاصمة الفرنسية باريس.
تضع أنت معنى ما أعلنته اليونسكو أمام ما أعلنه منير حداد، المستشار القانوني لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، فلا تصدق أن العراق الذي تكلمت عنه اليونسكو، هو نفسه العراق الذي يتحدث عنه مستشار رئيس الحكومة!
ذلك أن منير حداد يقول في حديثه المنشور، إن ما جرى نهبه من المال العام منذ ٢٠٠٣ إلى اليوم يزيد على تريليوني دولار!.. وكان العالم قد سمع بالتريليون كثروة للمرة الأولى، عندما أعلن إيلون ماسك قبل أسابيع، طرح شركة سبيس إكس في البورصة، فزادت ثروته بمجرد الطرح، وصار أول تريليونير في التاريخ!
وكان المعنى أن ماسك تجاوز مسمى المليونير، ومن بعده تجاوز مسمى الملياردير، وأصبح من طبقة التريليونير.. وبمعنى أدق صار هو التريليونير الوحيد، لأنه لا توجد أصلا طبقة من التريليونيرات، بحيث يمكننا أن نراه واحدا ممن ينتمون لها أو يقعون تحت مظلتها.
وإذا كنا نعرف المليون بأنه رقم واحد وأمامه ستة أصفار، ونعرف المليار بأنه رقم واحد وأمامه تسعة أصفار، فالتريليون رقم واحد وأمامه ١٢ صفرا!
فما المعنى؟.. المعنى أن المال العام الذي تم نهبه في أرض الرافدين منذ ٢٠٠٣، أي منذ دخلت القوات الأمريكية الأراضي العراقية وأسقطت صدام حسين، عبارة عن رقم اثنين وأمامه ١٢ صفرا.. وعندما يقول مستشار رئيس الحكومة إن المال المنهوب يزيد على التريليونين، فهذا معناه أنهم بالكاد أحصوا تريليونين، وأن ما زاد عنهما سوف يتم الإعلان عنه في حينه!
وليس هذا غريبا على أي حال، إذا ما وضعناه في مربع واحد مع ما أعلنه رئيس الحكومة نفسه بعد مجيئه لمنصبه بساعات. فلقد أعلن أن هناك من جاء يعرض عليه ٢٠٠ مليون دولار في مقابل عدم فتح قضايا الفساد في وزارة البترول!
من بعدها أرسل الزيدي حملة أمنية ليلية إلى المنطقة الخضراء في بغداد، وهي المنطقة التي تتمتع بنظام تأمين خاص، وعادت الحملة بعد أن ألقت القبض على ٤٧ من المسؤولين الحاليين والسابقين، وجميعهم متهمون في قضايا فساد من العيار الثقيل، وعندما تكلم المستشار حداد عن الفساد الزائد على التريليونين، قال إن الموقوفين في الحملة الأمنية سوف يخضعون لمحاكمة، وأن محاكمتهم ستكون علنية.
كان الله في عون علي الزيدي الذي يريد أن يعيد ثروة العراق إلى أهل العراق، وكان الله في عون أهل العراق الذين يطالعون ما يقال عن حجم الفساد في بلدهم، فلا يملكون إلا أن يرفعوا أيديهم إلى السماء بعد أن خذلتهم الأرض.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع