إعلان

الحروب البيئية بين الواقع والخيال

د. غادة موسى

كتب - د. غادة موسى

07:00 م السبت 04 يوليو 2026

في ظل التغيرات المناخية المتسارعة والضغوط الديموغرافية المتزايدة، لم يعد الأمن القومي للدول مقتصرا على الحدود الجغرافية أو الترسانات العسكرية التقليدية. لقد برز إلى السطح مفهوم "الحروب البيئية" (Environmental Wars)، وهو نمط من الصراعات التي تُثار وتُدار حول الموارد الطبيعية، حيث تصبح البيئة في آن واحد سببا للنزاع، ووسيلة للحرب، وضحية لها.

لم تعد الحروب البيئية شبحا أو خيالا، بل صارت واقعا من خلال الصراعات التي تندلع نتيجة التنافس على الموارد المحدودة أو التدهور البيئي الشديد. ولا تنشأ هذه الحروب من العدم، بل هي نتاج لتقاطع عدة عوامل، أبرزها شح المياه، وتدهور التربة الزراعية، ونضوب مصادر الطاقة، وتزايد حدة الكوارث المناخية. فعندما تصبح الموارد الأساسية للبقاء نادرة، يتقلص الفضاء السياسي للدبلوماسية، وتصبح الحرب خيارا يائسا أو استراتيجيا لضمان الأمن القومي.

وتتسم الحروب البيئية بخصائص فريدة. فهي غالبا ما تكون طويلة الأمد، يصعب حسمها عسكريا، وتتسم بـ"التعقيد المركب"، حيث تختلط الهوية العرقية بالضغط الاقتصادي البيئي. وتتخذ الحروب البيئية أشكالا متنوعة، فقد تكون حروبا مباشرة بين دول على أحواض أنهار مشتركة، أو نزاعات داخلية بين قبائل ومجتمعات محلية بسبب الجفاف والتصحر. أما الفاعلون في هذه الحروب، فقد تجاوزوا إطار الدول؛ إذ يدخل في المعادلة الشركات العابرة للقارات التي تتسابق للسيطرة على الأراضي الخصبة أو المعادن، بالإضافة إلى الحركات الانفصالية، والمجتمعات المحلية التي تقاتل من أجل "العدالة البيئية".

إن تاريخ الصراعات البشرية حافل بأمثلة لم تكن فيها البيئة مجرد "مسرح للعمليات"، بل كانت سببا مباشرا للنزاع، أو أداة استراتيجية لتحقيق النصر، أو ضحية مدمرة. يمكن تصنيف هذه الأمثلة إلى نزاعات تاريخية قديمة وأخرى معاصرة.

ومن الأمثلة التاريخية الصارخة التي كانت البيئة سببا وسلاحا نزاعات بلاد الرافدين (حوالي 2500 قبل الميلاد): حيث يُعتبر النزاع بين مدينتي "لجش" و"أوما" السومريتين أقدم النزاعات المسجلة حول الموارد المائية. فقد قام ملك "لجش" بقطع قنوات الري عن أراضي مدينة "أوما" كأداة ضغط عسكري واقتصادي، مما أدى إلى حروب طويلة للسيطرة على الأراضي الخصبة والمياه.

كما استخدمت الجيوش البيئة كسلاح لتحطيم روح العدو وقدرته على الصمود عبر التاريخ. ففي القرن التاسع عشر والعشرين، طبقت جيوش دولية (مثل القوات الأمريكية في الحرب الأهلية، أو الجيش الروسي ضد نابليون) سياسة "الأرض المحروقة"؛ حيث يتم تدمير المحاصيل، وحرق الغابات، وتسميم الآبار، لحرمان الخصم من أي مورد للبقاء.

كما نشبت حروبا مباشرة من أجل الاستحواذ على الموارد في العصر الحديث، ومن أبرزها النزاع في دارفور (السودان)، حيث يُنظر إلى الصراع في دارفور كأحد أوضح الأمثلة المعاصرة على "الحرب البيئية". فقد أدى الجفاف وتدهور الأراضي (التصحر) إلى تقلص مساحة المراعي المتاحة، مما دفع القبائل الرعوية إلى النزوح جنوبا، حيث اصطدموا بالمزارعين المستقرين على الأراضي القليلة الخصبة المتبقية، وهو نزاع تغذى على الضغط البيئي وتطور إلى حرب أهلية دامية.

وفي خضم تلك الحروب تجد دول العالم الثالث نفسها في قلب العاصفة، حيث تعد دول العالم الثالث الأكثر عرضة للحروب البيئية؛ وذلك لعدة أسباب بنيوية، كالاعتماد المباشر لاقتصادياتها على الموارد الطبيعية (الزراعة، والرعي، والصيد)، وضعف البنية التحتية والقدرة التكنولوجية أو المالية للتكيف مع التغير المناخي. كما ساهمت الحدود الاستعمارية والخرائط السياسية التي وضعتها القوى الاستعمارية دون مراعاة للتوزيع الجغرافي للموارد في اندلاع العديد من النزاعات البيئية حول الأنهار العابرة للحدود.

وتشير التوقعات العلمية والسياسية إلى أن الحروب البيئية ستكون أحد أكبر تحديات القرن الحادي والعشرين. فمع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية، ستتحول المناطق التي كانت صالحة للعيش إلى مناطق طاردة للسكان، مما يعيد رسم خريطة الصراعات الدولية. إن "مضايق المياه" (مثل حوض النيل) والنزاعات حول المناطق القطبية الغنية بالمعادن قد تكون هي الميادين الأولى لهذه الحروب في المستقبل القريب.

وعلى الرغم من كون الحروب البيئية حتمية وقدرية وواقعية بقدر ما هي نتيجة لغياب التعاون الدولي الفعال، فيتطلب مواجهة هذا الخطر انتقالا جذريا نحو "الدبلوماسية البيئية"، حيث يتم التعامل مع الموارد الطبيعية كحق إنساني مشترك، وليس كأداة للسيطرة أو الغلبة السياسية. فإذا لم تنجح البشرية في إدارة مواردها بالتشارك، فإن الطبيعة ذاتها ستفرض قوانينها القاسية، التي لن تفرق بين قوي وضعيف!

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان