الإعلام المأجور وسموم التضليل العابر للحدود
أصبح العصر الرقمي الحديث، تتسابق الأخبار وتتطاير الشائعات في لمح البصر، لم يعد السلاح الأقوى في الصراعات هو البذخ العسكري أو الدمار المادي فحسب، بل أصبحت الكلمة الموجهة والصورة المزيفة هما الأداة الأخطر.
لقد تحول الإعلام من رسالة سامية تبحث عن الحقيقة وتنوير العقول، إلى أداة حادة تُستخدم لتزييف الوعي وتوجيه الرأي العام وفق أجندات مشبوهة، وهو ما يُعرف بظاهرة "الإعلام المأجور" والتضليل الخارجي الذي انقلب من رسالة الحق إلى تجارة للضمائر، حيث كان الإعلام يُنظر إليه تاريخيًا باعتباره السلطة الرابعة والضمير الحي للأمم؛ يقظًا في وجه الفساد، ومدافعًا عن قضايا الشعوب العادلة، لكن توحش رأس المال وسيطرة المصالح السياسية على المشهد الإعلامي مهّدا الطريق أمام جيل جديد من المنتسبين للمهنة ممن باعوا أقلامهم وشاشاتهم لمن يدفع أكثر.
لم يعد المأجورون الإعلاميون يبحثون عن الخبر الصادق، بل عن الرواية التي تخدم الممول. وتتجلى خطورة هؤلاء في قدرتهم على ارتداء عباءة الموضوعية والحياد، بينما هم في الواقع ليسوا سوى جنود في حرب نفسية ممنهجة تستهدف تفكيك المجتمعات من الداخل، وإصابتها بفقدان الذاكرة الوطنية، والتشكيك في الهوية والثوابت.
لا يقتصر التضليل على المنابر المحلية فحسب، بل تتكفل به شبكات إعلامية خارجية ضخمة وممولة بغزارة، تعتمد على استراتيجيات خبيثة لقلب الحقائق، وتوجيه البوصلة الشعبية نحو أهداف محددة، لفبركة الروايات واجتزاء السياق بغرض إعطاء انطباع مغاير تمامًا للواقع، مما يصنع قناعات خاطئة لدى الجمهور. كما يعتمدون على النفخ في الأزمات الصغيرة وتحويلها إلى كوارث كبرى لزعزعة الثقة في المؤسسات الوطنية، وبث روح اليأس والإحباط، فضلًا عن استخدام الذباب الإلكتروني والكتائب الوهمية عبر منصات التواصل الاجتماعي لإيهام الرأي العام بأن رأيًا معينًا هو السائد.
ولا يقتصر أثر هذا التضليل على التأثير في الوعي الجمعي وخداع الجمهور فحسب، بل يتعداه إلى هدم المناعة الفكرية للمجتمع؛ فعندما يغرق المواطن بفيض جارف من الأكاذيب وأنصاف الحقائق، يفقد القدرة على التمييز بين الغث والسمين، وينتهي به المطاف إلى الشك في كل شيء، أو الأسوأ من ذلك: الاقتناع بالباطل على أنه حق مبين وفقًا للأجندات المنظمة والممنهجة لتؤدي إلى تفتيت الجبهة الداخلية، وخلق صراعات وهمية تشغل الشعوب عن قضاياها المصيرية الحقيقية، وتجعلها لقمة سائغة للمخططات الاستعمارية الحديثة التي تدار عن بُعد دون إطلاق رصاصة واحدة.
وتكمن مواجهة هذه الحرب الإعلامية الشرسة في أنها لا تكون بحجب المعلومات، بل ببناء الوعي النقدي وتعزيز الثقافة الإعلامية لدى الأجيال الجديدة، فلا بد من تحصين العقل العربي ضد سموم التضليل الخارجي، الأمر الذي يتطلب عدم الانسياق وراء الأكاذيب، وأخذ المعلومات من المصادر الرسمية الموثوقة.
ويبقى الوعي هو السد المنيع الأول والأخير، فمهما بلغت قوة التضليل الخارجي ونفوذ الإعلام المأجور، فإن الحقيقة تشبه الشمس، قد تحجب مؤقتًا بغربال الأكاذيب، لكنها حتمًا ستسطع لتكشف زيف المتاجرين بالضمائر والأوطان.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع