منع تصوير الجنازات.. أن نُصوّب في المكان الخطأ
تأصيل ضروري:
دوما كانت اللعبة واحدة، السلطة تسعى للتعتيم بالمنع، والصحافة تكافح لنشر القيمة التي تفيد الجمهور وتريد السلطة إخفاءها، وتضع الضوابط ليكون النشر لصالح المعرفة والجمهور.
كان هذا الدفع محركا رئيسيا من محركات الصحافة. لم تتغير مواقف جناحيه أبدا، الصحافة تكافح للنشر طالما لفائدة الحقيقة والجمهور، والسلطة تضغط للتعتيم لتمرير ما تريده.
فماذا تغير ليتغير الحال اليوم؟!
لا يمكن بأي حال الدفاع عن التجاوزات في تغطية الجنازات، أو التوسع والتمدد الصحفي في تغطية جنازات أقارب فنانين وسياسيين من الدرجة الأولى والثانية والثالثة والعاشرة.
الدفاع عن الانتهاك المهني وانتهاك الخصوصية غير مقبول. لكن لا يمكن أيضا الرضا بقرار عنتري لا يعط للصحافة حقها مثل "القرار الاتفاقي" خلال اجتماع وزير الدولة للإعلام ورؤساء تحرير بعض المواقع الإخبارية بـ"منع تصوير الجنازات والعزاءات لأي مواطن، ومعاقبة أي من منسوبي هذه المواقع يخالف هذا القرار.
هذا قرار مهني، والقرارات المهنية لا تأخذ بطريقة "سد الباب اللي ييجي لك منه الريح". وأحمق ما يمكن أن يفعله ممارسو الصحافة هو منع تغطية الجنازات بالمطلق، بحجة أن هناك تجاوزات حدثت.
ليس المطلوب أن نمنع الصحفي من تصوير الجنازة، وإنما أن نمنعه من تحويل الحزن إلى محتوى رخيص.
الجنازات كمادة صحفية
الجنازة لم تكن يوماً مجرد طقس عائلي مغلق ينتهي بانتهاء مراسم الدفن، بل هي أحيانا حدث إنساني واجتماعي وسياسي بامتياز. وصحفيا، يمكن التمييز بن 3 أنواع مختلفة من الجنازات:
- جنازة شخصية خاصة: وفاة مواطن لا توجد حولها مصلحة عامة واضحة. وهنا الخصوصية هي الأصل.
- جنازة شخصية لشخصية عامة: قد توجد قيمة إخبارية مرتبطة بالشخص أو الحضور أو الحدث العام. وهنا التغطية ممكنة وفق قواعد مهنية.
- جنازة مرتبطة بحدث عام أو قضية عامة: ضحايا حادث جماعي، شهيد، جريمة، كارثة، وفاة شخصية سياسية مؤثرة، حدث تاريخي، مثل الجنازات الجماعية لضحايا حوادث الهجرة غير الشرعية أو ضحايا حوادث الطرق مثل ضحايا حوادث الخطاطبة والسنابسة... وهنا قد تصبح الجنازة نفسها جزءًا من القصة العامة.
هذا التمييز مهم جدًا، لأن القرار الحالي، بحسب المنشور رسميًا، يتحدث عن "المنع التام للتغطية الإعلامية للجنازات والعزاءات لأي مواطن"، ما يهدر قيم صحفية وحق الجمهور في المعرفة.
والمشكلة ليست أن السلطة أصدرت قرارًا بمنع التصوير، وإنما أن مجموعة من المؤسسات الصحفية اتفقت طوعًا على تحويل معالجة التجاوزات المهنية إلى منع شامل.
والتاريخ الصحفي المصري والعالمي مليء بلحظات فارقة لم تُخلّد إلا عبر عدسات الصحفيين في تشييع الجثامين؛ لجنازات زعماء، ومفكرين، وفنانين، ورموز وطنية، شكل وداعُهم الأخير علامة فارقة في الوجدان الجمعي.
مثل صورة جثمان إميت تيل (1955)، فعندما نُشرت صور جثمان الطفل الأسود المقتول بعنصرية في أمريكا بناءً على رغبة والدته بفتح النعش، فأصبحت الصور واحدة من أقوى الوثائق البصرية التي نقلت بشاعة الجريمة إلى جمهور واسع، وأسهمت في حشد الاهتمام بقضية الحقوق المدنية.
وفي جنازة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر (1970)، وثقت الصحافة خروج الملايين في مشهد التشييع الشعبي الهادر، فلم يكن مجرد مأتم. وقدمت التغطية الصحفية المصورة للعالم وثيقة تاريخية تثبت حجم التماسك الوطني والالتفاف حول استقلال البلاد في أحلك اللحظات.
ومن أمثلة الحاضر، لا يمكن أن نفوت جنازة الشهيد أحمد المنسي (2017). حيث تحولت التغطية الميدانية للتشييع الشعبي العارم لجثمان الشهيد ورفاقه إلى سلاح معنوي ضد الإرهاب، ورسخت في الوجدان الجمعي قيمة البطولات الوطنية، وقدمت المادة التوثيقية الأصلية التي استخدمت فيما بعد في أفلام وثائقية ومسلسلات وطنية.
كما أسهمت تغطية جنازة الشهيدة شيرين أبو عاقلة (2022) في فضح الاحتلال الإسرائيلي، ووثقت الكاميرات المباشرة في جنازتها بالقدس اعتداءات الاحتلال على النعش والمشيعين، فصنعت التغطية الصحفية للجنازة "وثيقة إدانة دولية" حاصرت الرواية الرسمية وأثبتت الجريمة أمام المحافل الحقوقية.
إن تحويل الجنازات إلى "منطقة محظورة" صحفياً هو تجريد للصحافة من أداتها الأساسية في توثيق التاريخ، وتقزيم لدور المصور الصحفي الذي يرى بلمسته التوثيقية ما لا تراه الأعين العادية.
الفرق بين الصحافة والتطفل ليس وجود الكاميرا، وإنما القيمة التي جاءت الكاميرا من أجلها
الجنازات كجزء من حق المعرفة
المجتمع له حق أصيل في المعرفة، وتغطية الجنازات والعزاءات للشخصيات العامة تقع في قلب هذا الحق. لكن حق الجمهور في المعرفة لا يساوي حق الصحفي في التصوير، ولا يساوي حق المؤسسة في نشر الصورة.
فيمكن أن يكون الحدث جديرًا بالتغطية، لكن الصورة المحددة قد تكون انتهاكًا للخصوصية. وهذا في الحقيقة يفتح بابًا مهمًا جدًا: القيمة الخبرية لا تمنح الصحفي شيكًا مفتوحًا على الخصوصية. وبالعكس: الخصوصية لا تمنح المؤسسة حق إلغاء القيمة الخبرية للحدث كله.
هذه ثنائية، تعالجها الأخلاقيات الصحفية، والسياسة التحريرية لكل مؤسسة. فلا يجوز انتهاك الخصوصية، ولا يجوز مصادرة حق الجمهور في المعرفة. لذا فإن منع نشر وتصوير الجنازات بحجة الضبط يُعطل وظيفة الصحافة كعين للمجتمع وذاكرة حية للأحداث.
والبديل عن التغطية الصحفية المنظمة لن يكون بالضرورة اختفاء الصور، بل انتقال توثيق الحدث إلى الهواتف الشخصية ومنصات التواصل، حيث تقل المسؤولية التحريرية وتغيب المعايير المهنية التي يفترض أن تحكم التصوير والنشر.
أخلاقيات تصوير الجنازات
المشكلة لم تكن يوماً في "فعل التصوير" بحد ذاته، بل في "غياب الأخلاقيات" والتسابق الرخيص على أرقام المشاهدات (الكليك)، ومطاردة الترند والمنصة. ومعالجة الانتهاكات لا تكون بإلغاء المهنة، بل بتفعيل الضوابط الأخلاقية والمهنية الصارمة، وعلى رأسها:
- احترام الحزن الإنساني: مراعاة حرمة الموت وعدم ملاحقة ذوي المتوفى في لحظات انهيارهم بأسئلة صحفية مقحمة أو كاميرات ملاصقة للوجوه.
- التمييز بين العام والخاص: الاقتصار على التغطية للمشاهد العامة للتشييع دون التطفل على اللحظات العائلية المغلقة أو التربح من الدموع.
- التأهيل والالتزام الميداني: اقتصار التغطية على الصحفيين والمصورين المؤهلين والمقيدين رسمياً والمعدين أخلاقياً للتعامل مع هذا النوع من التغطيات حساسيتها.
- القيمة الصحفية: لا يجوز مد تغطية الجنازة واختزال القيمة الصحفية في ترند طارئ أو تلبية فضول جمهور المنصات، وعلى إدارة تحرير المواقع تحري القيمة الصحفية أولا، وتحديد قيمة الحدث.
إن ضبط هذه الممارسات هو مسؤولية قواعد التحرير والأخلاقيات المهنية (Code of Ethics) ومواثيق الشرف الإعلامية، وتفعيل دور نقابة الصحفيين لتطبيق عقوبات رادعة على "الانتهاك المهني"، لا منع "العمل المهني" برمته.
حق الجمهور في المعرفة لا يساوي حق الصحفي في التصوير، ولا يساوي حق المؤسسة في نشر الصورة.
المنع ليس تنظيما
دوما ما تلجأ السلطات للمنع لقمع الصحافة ومنعها من دورها في نشر الحقيقة، أحيانا لأسباب قومية، وكثيرا لمصلحة الحكومة فقط. لكن الغريب أن يأتي المنع هذه المرة من الوسط الصحفي. فلم يبحث رؤساء التحرير عن التنظيم والضبط، بل أغلقوا الباب كليا وقرروا المنع ومعاقبة من يخالف قرارهم. في تقمص نادر من "الصحافة" لدور السلطة!
الغريب أن هذا القرار الجدلي لم يجد ردا يليق به من نقابة الصحفيين! والخطر أن تستسلم الجماعة الصحفية لهذه السقطة، ويمتد المنع الذاتي ليشمل أمورا جديدة، فتتآكل المساحة الصحفية أكثر، مرة بفعل السلطة وأخرى بفعل اجتماع "رؤساء تحرير ووزير".
اللجوء إلى "المنع الشامل" عند كل أزمة مهنية أو تجاوز فردي هو أسهل الحلول وأكثرها خطورة على مستقبل المهنة. القرارات الفوقية الحظرية تكرّس لمفهوم القمع الصحفي وتُضيّق على حرية الحركة والعمل الميداني. الكيانات والمؤسسات التي تجتمع لتتفق على قرار بالمنع الكامل بدلاً من تنظيم قواعد التغطية وحماية المصورين المهنيين، تُسلّم في الحقيقة بضعف أدواتها التنظيمية وعجزها عن إدارة المشهد.
وكان الأفضل برؤساء التحرير المجتمعين مع وزير الدولة للإعلام، اقتراح بروتوكول تغطية الجنازات بدلًا من المنع التام، ليضع قواعد التغطية، ومنها:
- الجنازات الخاصة: لا تصوير داخل الدوائر العائلية المغلقة دون موافقة.
- الشخصيات العامة: يسمح بالتغطية في المجال العام، مع احترام الخصوصية.
- الأحداث العامة: يسمح بالتصوير عندما تكون للجنازة قيمة إخبارية مستقلة.
- لا تصوير للانهيار الشخصي المقرب لمجرد صناعة المشاهدة.
- لا أسئلة اقتحامية لأفراد الأسرة في لحظة الحزن.
- منع استخدام الصور في عناوين مضللة أو clickbait.
- القرار التحريري يحدد القيمة قبل إرسال المصور. فلا يذهب المصور إلى الجنازة لأن هناك جنازة، وإنما لأن هناك قصة تستحق التغطية.
- مخالفة القواعد تعالج مهنيًا ومؤسسيًا، لا بإلغاء التغطية كلها.
فالمنع ليس حلاً، بل هو اعتراف بالعجز؛ والتصويب الصحيح لا يكون بإغلاق الباب وبتر الذراع، بل بتهذيب الممارسة، وترسيخ أخلاقيات مهنية صارمة تُفرق بين التغطية الصحفية النبيلة وبين التطفل والانتهاك الرخيص. فليس كل ما يحدث في الجنازة صحافة، لكن لا يجوز تحويل تجاوزات بعض التغطيات إلى قاعدة تلغي التغطية المهنية كلها.
المشكلة ليست في الكاميرا.. بل في القواعد التي تحكم استخدامها.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع