إعلان

"عاصفة باب المندب".. الأبعاد الجيوسياسية للحظر الحوثي على الملاحة السعودية

محمد جمعة

كتب - محمد جمعة

07:00 م الأحد 26 يوليو 2026

شهدت جغرافيا الصراع في الشرق الأوسط تطورًا نوعيًا خطيرًا بعد إعلان جماعة الحوثي (20 يوليو 2026) دخول معادلة الحصار في البحر الأحمر مرحلة جديدة عبر فرض حظر ملاحي شامل على جميع السفن التجارية والناقلات المتجهة أو المرتبطة بالمملكة العربية السعودية.

يتجاوز هذا الإجراء النطاق المحلي للأزمة اليمنية ليمس بشكل مباشر أمن الطاقة العالمي، وحرية الملاحة الدولية، لأن تزامن إغلاق مضيق هرمز مع التهديد الحوثي بإغلاق مضيق باب المندب، يضع سلاسل إمداد الطاقة العالمية تحت حصار مزدوج عظيم التأثير، كما يضع الطموحات الاقتصادية لدول إقليمية كبيرة أمام اختبار جيوسياسي غير مسبوق.

****

لم يعد التهديد مجرد تحذيرات سياسية، بل تترجمه البيانات الصادرة عن المؤسسات الأكثر موثوقية لرصد حركة السفن الدولية، مثل (لويدز ليست إنتليجنس - Lloyd's List Intelligence)، إلى أرقام تعكس أزمة هيكلية عميقة في البحر الأحمر، الذي يمر عبره عادةً ما بين 12% إلى 15% من إجمالي التجارة العالمية.

تسجل معدلات العبور حاليًا أدنى مستوياتها منذ عقد، حيث انخفضت حركة عبور سفن الحاويات عبر قناة السويس وباب المندب بنحو 60% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة. وأدى اضطرار السفن إلى الالتفاف حول "رأس الرجاء الصالح" إلى إضافة 14 يومًا إلى زمن الرحلة، رافعًا تكلفة العبور للناقلة الواحدة بما يتجاوز 5 ملايين دولار كأجور شحن إضافية. ولم تتوقف الخسائر عند حدود فترات التأخير، بل قفزت رسوم التأمين على مخاطر الحرب بنسبة تتراوح بين 25% إلى 40% فوق المستويات المعتادة نتيجة التصعيد الأخير، مما أضاف عبئًا ماليًا مباشرًا يتراوح بين 800 إلى 1,500 دولار لكل حاوية شحن. وإذا قمنا بضرب نسبة الزيادة التي ذكرتها في الحاوية الواحدة في سعة ناقلة عملاقة واحدة (20 ألف حاوية)، تتضح ضخامة المشكلة الاقتصادية، حيث تواجه الناقلة العملاقة زيادة في كلفة التأمين ومخاطر الحرب تتراوح بين 16 مليونًا إلى 30 مليون دولار للرحلة الواحدة فقط!!

****

هذا الرقم الفلكي في تكاليف التأمين، على النحو السابق، لم يعد مجرد كلفة لوجستية عابرة، بل تحول إلى أداة ضغط اقتصادي قاسية ترفع أسعار السلع الأساسية، وتلتهم هوامش الربح للمشاريع الاستثمارية الممتدة على طول الساحل الغربي للمملكة. وفي السياق ذاته، يفرض الحظر الحوثي تحديات مباشرة على استراتيجية الطاقة البديلة، حيث عملت الرياض لسنوات على تأمين "خط أنابيب شرق-غرب" لنقل النفط إلى ميناء ينبع كبديل آمن في حال إغلاق مضيق هرمز. وبما أن الحظر الحوثي يستهدف تحويل ينبع إلى هدف معلن، فهذا يجرّد المملكة من مرونتها الاستراتيجية في تصدير الطاقة بعيدًا عن الخليج العربي.

****

لا يمكن فصل هذا الحظر عن محددات النفوذ الإيراني، حيث تجد جماعة الحوثي في توظيف الموقع الجيوسياسي لليمن ورقة نفوذ تتخطى بها حدود البلاد لخدمة حسابات الردع الإيرانية. فيما تتحرك طهران في هذا الملف عبر استراتيجية "التصعيد من أجل التهدئة"، مستخدمة أذرعها الإقليمية للتحكم في صنبور التوتر بالبحر الأحمر لرفع الكلفة الاقتصادية على واشنطن وحلفائها، بغية تحصيل مكاسب سياسية في مفاوضات أوسع. وتمنح الهجمات الحوثية طهران ميزة "النفي المقبول"، فبينما توفر الاستخبارات الإيرانية والخبراء على الأرض بيانات الرصد والتوجيه للمسيرات والصواريخ، تظل طهران قادرة على المناورة دبلوماسيًا والادعاء بأن القرار يمني محلي بحت.

بالمقابل، يبدو أن الصبر الاستراتيجي السعودي يقترب من النفاد، مدفوعًا بالرغبة في حماية المشاريع القومية الكبرى واستضافة أحداث عالمية (مثل إكسبو 2030 وكأس العالم 2034)، وهو ما يجعل خيار المواجهة أو "الردع الخشن" مطروحًا بقوة لإنهاء التهديد المستدام على حدودها ومصالحها الاقتصادية.

****

باختصار، تُظهر القراءة التحليلية للمشهد أن الصراع في البحر الأحمر تحول من أزمة ممر ملاحي إلى حرب استنزاف اقتصادية متبادلة. وتواجه السعودية اليوم معضلة حقيقية تقتضي حماية سيادتها ومنافذها البحرية بكل الوسائل، بما فيها العسكرية، وفي الوقت ذاته، تجنب الانجرار إلى صراع مفتوح ومستدام يستنزف الموارد الاقتصادية المخصصة للتحول التنموي الداخلي. إنها معادلة معقدة بين الميدان العسكري وأرقام الاقتصاد، ستحدد نتائجها ملامح الخارطة الجيوسياسية للمنطقة لسنوات قادمة.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان