ممر طابا - العريش: ملحمة الرمال والحديد.. حين تعيد مصر هندسة خطوط التجارة والقدر
باسم التاريخ والجغرافيا، وحين تتقاطع خطوط القدر مع إرادة الأمة، تتكشف أمامنا الأبعاد الحقيقية لما تشهده أرض مصر، ولا سيما في تلك البقعة العزيزة من شبه جزيرة سيناء؛ تلك البوابة الشرقية التي لم تكن يومًا مجرد مساحة ترابية على خريطة العالم، بل كانت طوال التاريخ درعًا للوطن، وساحة للصراع، وها هي اليوم تقف على عتبة دور استراتيجي جديد يحولها إلى ركيزة كبرى من ركائز البناء والتنمية والعبور نحو المستقبل.
إن الفكرة التي تتداولها الدوائر الاستراتيجية اليوم حول إنشاء «ممر طابا - العريش» ليست مجرد مشروع هندسي يهدف إلى مد خطوط حديدية، ولا هي مجرد خطة عابرة لتنشيط حركة نقل البضائع، بل هي رؤية سياسية واقتصادية واعية تعيد صياغة جغرافية التجارة في قلب الشرق الأوسط والعالم. فحين تمتد سواعد المصريين لتربط بين مياه خليج العقبة الهادئة في طابا وبين أمواج البحر الأبيض المتوسط الصاخبة في العريش عبر طريق حديدي يقارب خمسمائة كيلومتر، فإننا لا نشق صحراء سيناء فحسب، بل نفتح شرايين جديدة للتواصل الإنساني والتجاري بين القارات.
هذا المشروع، الذي يقوم على مفهوم الجسر البري ونقل الحاويات بواسطة القطارات لتفريغها وإعادة شحنها، ليس منافسًا ولا بديلًا لقناتنا العظيمة؛ قناة السويس التي ستظل الأبدية في قلب التجارة العالمية والنبض الأهم الذي لا غنى عنه لعبور السفن الكبرى مباشرة بين البحرين. بل إن ممر طابا - العريش يولد ليكون مكملًا ورافدًا ذكيًا، يستهدف فئات نوعية من الشحن السريع والمرن، ليضع مصر في قلب معادلة النقل متعدد الوسائط بين آسيا وأوروبا، وليمنح حركة التجارة الدولية خيارات إضافية تتطلبها سرعة العصر الحديث.
لكن الأبعاد العميقة لهذا المشروع تتجاوز حدود الأرقام والمسافات وجداول الشحن؛ إنها تكمن في الجوهر السياسي والاستراتيجي للتنمية في سيناء. فالتنمية على هذه الأرض الطاهرة هي الوجه الآخر لحمايتها وصيانة أمنها القومي. وحين يتحول شمال سيناء ووسطها إلى مراكز لوجستية ومحطات شحن ومناطق صناعية، فإن ذلك يعني خلق آلاف فرص العمل، وربط سيناء بالجسد الحي للدولة المصرية، ورفع قيمتها الاقتصادية والجيوسياسية إلى آفاق غير مسبوقة.
وصحيح أن المشروع لا يزال حتى اللحظة في مرحلة الدراسات والتخطيط الاستراتيجي، ولم تُعلن بعد تكاليفه النهائية أو جدوله الزمني للتنفيذ، إلا أن طرحه بذاته يعكس عقلية دولة لا تتوقف عن استشراف الغد، ولا تكتفي بمواجهة تحديات الحاضر. إنها حلقة جديدة تضاف إلى ملحمة البنية التحتية الكبرى التي تنفذها مصر على أرضها، لتثبت مجددًا أنها قادرة على قراءة متغيرات العصر، وأنها تمتلك الشجاعة لتخطيط مستقبلها بأيدي أبنائها، واضعة نصب عينيها دائمًا مكانتها التاريخية وحتمية دورها الريادي.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع