إعلان

صفر مخازن.. وبداية حياة للمعرفة

محمد صلاح

كتب - محمد صلاح

07:00 م الخميس 07 مايو 2026

حين تتأمل التحركات الأخيرة داخل وزارة الثقافة، لا يمكنك أن تفصل بين ما هو إداري وما هو إنساني. فحين تتحدث الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، عن إعادة صياغة منظومة النشر والتوزيع، وعن الوصول إلى ما تسميه «صفر مخازن»، فإننا لا نكون أمام خطة تشغيلية بقدر ما نكون أمام سؤال كبير: أين يذهب الوعي حين يُحبس في الأدراج؟

المشهد في جوهره ليس تقنيا كما يبدو. هو مشهد يمس قلب المجتمع مباشرة. كتب تراكمت لسنوات داخل مخازن المؤسسات الثقافية، بينما في الخارج هناك أجيال كاملة تبحث عن معنى، عن فكرة، عن جملة واحدة قد تغير مسار حياة. المفارقة هنا مؤلمة: فائض من المعرفة لا يصل، ونقص حاد في التلقي.

إن الفكرة الأعمق في هذا التحرك ليست التخلص من المخزون، بل إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والكتاب والقارئ. فالثقافة ليست رفاهية مؤجلة، ولا نشاطا نخبويا محدودا، بل هي البنية الخفية التي تُبنى عليها المجتمعات دون أن تشعر. حين تضعف الثقافة، يعلو الضجيج، وحين تغيب، تتقدم البدائل الزائفة لتملأ الفراغ.

العدالة الثقافية التي تحدثت عنها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، ليست شعارا نظريا، بل هي اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على الوصول إلى المواطن في أبعد نقطة جغرافية وإنسانية. فهناك قرى لم يدخلها كتاب منذ سنوات، وهناك أطفال لا يعرفون من الأدب سوى ما يصادفونه عابرا، وهناك شباب تشكل وعيهم بالكامل عبر شاشات سريعة لا تمنحهم وقتا للتأمل.

في هذا السياق، تصبح المكتبات المتنقلة أكثر من مجرد فكرة إدارية. إنها محاولة لاستعادة العدالة في توزيع الضوء. سيارة تحمل كتبا قد تبدو تفصيلة صغيرة، لكنها في الواقع تشبه نافذة تُفتح في جدار مغلق منذ زمن. طفل في منطقة نائية قد يلتقط كتابا لأول مرة، فيكتشف أن العالم أكبر من حدود الشارع الذي يعيش فيه، وأوسع من الواقع الذي يراه يوميا.

المشكلة لم تكن يوما في غياب الكتب، بل في غياب الوصول. فالمعرفة موجودة، لكنها لا تصل دائما إلى من يحتاجها. ومن هنا تأتي أهمية إعادة التفكير في منظومة التوزيع، ليس فقط كعملية لوجستية، بل كفعل إنساني في جوهره. الكتاب الذي لا يصل إلى قارئه يشبه رسالة لم تُفتح، أو صوتا لم يُسمع.

وحين نتحدث عن تطوير النشر، لا يمكن تجاهل التحول الرقمي الذي أصبح ضرورة لا خيارا. فالعالم تغير، وطريقة تلقي المعرفة تغيرت أيضا. لم يعد القارئ ينتظر الكتاب على الرف، بل أصبح يبحث عنه في هاتفه، في سماعته، في لحظة عابرة أثناء يوم مزدحم. لذلك فإن تحويل المحتوى الثقافي إلى صيغ متعددة، مثل الكتاب المسموع أو المنصات الرقمية، لم يعد ترفا، بل وسيلة للبقاء.

لكن الأخطر من كل ذلك هو الفجوة بين الجيل الجديد وطريقة تقديم الثقافة. الشباب لا يرفضون القراءة كما يُقال أحيانا، لكنهم يرفضون الجمود. يريدون محتوى سريعا، حيا، قريبا من لغتهم، لا يفرض عليهم وصاية فكرية، بل يفتح أمامهم بابا للحوار. المشكلة ليست في القارئ الجديد، بل في الأدوات القديمة.

وفي قلب هذا المشهد، يبقى الكاتب المصري نفسه جزءا من المعادلة التي تحتاج إلى إنصاف. فهناك مبدعون كثيرون لا يجدون فرصة عادلة للوصول إلى القارئ، ليس بسبب ضعف إنتاجهم، بل بسبب ضعف منظومة التوزيع والتسويق والدعم. الكاتب الذي يكتب في الظل لا يحتاج فقط إلى نشر كتابه، بل إلى منظومة كاملة تعترف بوجوده.

إن الثقافة في النهاية ليست كتبا تُطبع وتُخزن وتُعرض، بل هي حياة تُصنع يوما بعد يوم. وكل تأخير في وصول المعرفة يعني اتساع مساحة الجهل، وكل إهمال في تطوير المنظومة يعني ترك فراغ يُملأ بما هو أقل قيمة.

ما يلفت الانتباه في هذا التحرك هو الإيمان بأن مصر لا تزال تقرأ، رغم كل التحديات. وهذه الجملة في حد ذاتها تحمل قدرا من الأمل لا يمكن تجاهله. فمع كل التحولات الاقتصادية والاجتماعية، لا يزال هناك جمهور حقيقي يبحث عن الكتاب، ويقف في طوابير معرض القاهرة الدولي للكتاب وكأنه يبحث عن شيء أعمق من مجرد شراء.

إنه يبحث عن ذاته

الكتاب في مصر لم يمت، لكنه أحيانا يُحاصر. وحين يُحاصر، لا يفقد قيمته، بل يفقد طريقه إلى القارئ. ومن هنا تأتي أهمية إعادة بناء هذا الطريق، ليس فقط عبر السياسات، بل عبر إعادة اكتشاف معنى الثقافة نفسها.

الثقافة ليست حدثا سنويا، ولا معرضا مؤقتا، بل هي عملية مستمرة من إعادة تشكيل الوعي. وكل مشروع يستهدف تطويرها يجب أن ينطلق من فكرة بسيطة: أن الإنسان هو الهدف الأول والأخير.

ربما يكون حلم «صفر مخازن» حلما إداريا في ظاهره، لكنه في جوهره دعوة إلى عالم مختلف، عالم لا تُترك فيه المعرفة حبيسة الجدران، ولا يُترك فيه القارئ وحيدا أمام عالم سريع وقاسٍ.

في النهاية، ليست القضية في عدد الكتب التي نطبعها، بل في عدد العقول التي نصل إليها. وليس الإنجاز في حجم المخزون الذي نُخرجه، بل في حجم الإنسان الذي نُعيد إليه حقه في الفهم.
فحين تصل الثقافة إلى أبعد نقطة، وحين يجد الطفل كتابه الأول في مكان لم يكن يتوقعه، وحين يصبح الكتاب جزءا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا… عندها فقط يمكن القول إننا بدأنا الطريق الحقيقي.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان