إعلان

نداء إلى وزير التعليم العالي.. تزييف تاريخ كلية الآداب لصالح من؟!

محمد لطفي

كتب - محمد لطفي

07:00 م الثلاثاء 14 أبريل 2026

في الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى توثيق تاريخها عبر إنشاء منصات رقمية، وفي عالم تتسابق فيه الأمم على حفظ مكتسباتها، فوجئنا بأن أحد أعرق صروحنا التعليمية -كلية الآداب بجامعة القاهرة- تقوم بمغامرة خطيرة تتمثل في تزييف تاريخ ميلادها. فبدلاً من أن تحتفي بعمرها الحقيقي الذي يبلغ 117 عاما، اختارت إدارة الكلية الاحتفال بمئوية وهمية، وكأنها تحاول اختصار تاريخ عريق بأكثر من 18 عاما كاملا!
التاريخ الثابت والموثق بكل المصادر والمراجع، ومنها كتاب المؤرخ الكبير الدكتور رءوف عباس "جامعة القاهرة.. ماضيها وحاضرها"، يؤكد أن كلية الآداب تأسست عام 1908، وهو العام نفسه الذي شهد ميلاد الجامعة (الأهلية سابقا) التي تحولت لاحقا إلى جامعة القاهرة. لقد كانت كلية الآداب نواة الجامعة المصرية الأم، وجزءا لا يتجزأ من حلم النهضة الذي راوده رواد التنوير أمثال محمد عبده ومصطفى كامل وسعد زغلول.
المؤسف أن تاريخ إنشاء الكلية الآن وفق معلومات الذكاء الاصطناعي، صار يعود إلى 11 مارس 1925، وهو التاريخ الذي صدر فيه مرسوم بقانون إنشاء الجامعة الحكومية. وهذا خلط كبير بين تاريخ ميلاد الكيان المؤسسي الجامعي وتاريخ ميلاد الكلية ذاتها التي سبقته بأكثر من عقد ونصف، بينما الموقع الرسمي للكلية وجامعة القاهرة يؤكد أن تاريخ الإنشاء عام 1908، ولكن حدث لهذا التاريخ ما يشبه الإزاحة بفعل احتفال المئوية المزعومة.
ما حدث ليس مجرد خطأ إداري بسيط، بل هو محاولة خطيرة لتزييف الوعي الجمعي؛ فعندما تتبنى مؤسسة عريقة رواية مغلوطة، وتضخها عبر منصاتها الرسمية، فإنها تمنح الشرعية للزيف، وتجعل من السهل على الذكاء الاصطناعي ومنصات البحث العالمية تداول هذه المعلومة الخاطئة كحقيقة.
بل إن الأمر يتجاوز الضرر المحلي إلى إضعاف موقف مصر التنافسي إقليميا ودوليا؛ فكلية الآداب بجامعة الجزائر (التي تأسست أيضا عام 1909) تروج لنفسها حاليا بوصفها "أقدم كلية آداب في شمال إفريقيا". ومع التنازل المصري عن تاريخ 1908، يصبح من حق كلية الجزائر أن تتوج نفسها بسهولة كـ "أقدم كلية آداب في إفريقيا والعالم العربي"، متخلصة من المنافس الطبيعي (القاهرة) الذي يسبقها؛ فهل نرضى أن تنتزع منا هذه الريادة التاريخية بهذا الخطأ الإداري؟!
لذا، بات الأمر يتطلب تدخلا عاجلا من السيد وزير التعليم العالي، لتصحيح هذا المسار التاريخي المنحرف؛ خاصة أن الدكتور محمد سامي عبد الصادق رئيس جامعة القاهرة، قامة كبيرة في علم القانون، وقد حققت الجامعة في عهده تقدما لافتا.. والمطلوب ليس مجرد تعديل جملة على موقع إلكتروني، بل إصدار بيان صحفي قوي في كبرى الصحف والمواقع المصرية، يعلن فيه الوزير أن كلية الآداب تأسست عام 1908 وليس 1925.
كما ينبغي أن يصدر كتاب توثيقي ضخم، يضم كافة الوثائق التاريخية التي تؤكد هذا التاريخ، ويكون مرجعا موثقا للباحثين والمؤرخين والأجيال القادمة، يوزع على كل المكتبات والمؤسسات التعليمية، ويتوفر بصيغة رقمية على موقع الوزارة وجامعة القاهرة.
إن مسؤوليتنا تجاه التاريخ ليست أقل من مسؤوليتنا تجاه الحاضر والمستقبل؛ فمن يضلل الأجيال بشأن عمر مؤسساتهم، يسرق منهم جزءا من فخرهم وانتمائهم؛ مصر التي بنت أقدم جامعة في التاريخ الإنساني (الأزهر الشريف)، والتي كانت رائدة التعليم الأهلي في العصر الحديث، تستحق منا وقفة جادة لتصحيح هذا الخطأ الجسيم؛ فالتاريخ أمانة في أعناقنا، يجب أن نسلمها للأجيال القادمة نقية، لم تمسها يد التحريف والتزييف.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان