إعلان

جدلية التعليم وسوق العمل – حوار مُستعِر

د. غادة موسى

كتب - د. غادة موسى

08:53 م السبت 11 أبريل 2026

ترتبط جدلية التعليم وسوق العمل بمنظومة القيم التي توجه العقل المصري. فالقيم لا تولد بين عشية وضحاها، وإنما هي منظومات عقلية ونفسية حية تنشأ عبر العصور وتتكون من عناصر متعددة. وتبرز أهمية القيم في دورها في إعطاء منطق لكل شيء وفي تشكيل السلوك الاجتماعي والسياسي.

وللمجتمع المصري قيم تشكلت عبر التاريخ والعصور، وتأثرت وأثرت في المجتمع المصري والمجتمعات العربية والعالمية. ومن أهم تلك القيم قيم العلم والمعرفة. وهي قيم تتجاوز في أهميتها فعل التعلم ذاته. بل هي الموجه الرئيسي لمنظومة التعليم بأسرها.
كما تبرز أهمية قيم العلم والمعرفة في دورها في تكوين أخلاق الفرد وبناء فرد عقلاني يستطيع أن يفكر. ففروع المعرفة المختلفة – وبصفة خاصة المعارف المرتبطة بالعلوم الإنسانية كالفلسفة والقانون والسياسة والاجتماع – من شأنها تهذيب النفس البشرية وترسيخ أفكار الحرية والمسئولية والتماسك المجتمعي والمناصرة والمنفعة العامة. كما أنها تمكن الفرد من فهم العالم والتفاعل مع التحولات التاريخية. فهي قيم قادرة على استحضار البعد الإنساني الكوني.
وعلى الرغم من أهمية قيم العلم والمعرفة في بناء وتشكيل المنظومة الأخلاقية للفرد، ما زال هناك من المفكرين والمسئولين من يريد – ليس فقط – اجتزاء العلوم الإنسانية التي تسهم في بناء وتشكيل تلك القيم عن التفكير العلمي عن منظومة العلم، بل التقليل والتحقير من شأنها باعتبارها لا تساهم في التنمية أو تحقيق النمو الاقتصادي.
أي أنه تم اختزال الفضيلة المعرفية في دورها في توليد الدخل وتحقيق الأرباح!
إن ما سبق يعكس خللا أصاب المجتمع في إدراك حدود المعرفة والعلم. ويفسر لماذا تفشل المدرسة والجامعة في تكوين عقل نقدي.
إن أقصى ما يستطيع التعليم العلمي أن يبنيه هو الحداثة المادية المتشيئة كالتكنولوجيا والمهارات التقنية. ولا أحد يستطيع إنكار أهميتها وفائدتها في العصر الراهن. ولكن تحديث أي مجتمع لا تبنيه العلوم الطبيعية وحدها، بل الحداثة القيمية تبنيها العلوم الإنسانية، وفي مقدمتها الفلسفة. فالفلسفة والتكنولوجيا ليست تخصصات أكاديمية فحسب، بل هي تمرين على التفكير الحر والإبداعي.
إن تأكيد بعض المسئولين وصانعي السياسات في مصر بأن العصر الحالي هو عصر التكنولوجيا فقط يمثل كما يرى المتخصصون "شكلا من الاستقالة العقلية"، واختيار التقوقع في مادة أو علم بذاته دون غيره، مثلما نفصل في السنوات النهائية بين "طالب أدبي" و"طالب علمي". فنخلق جيلاً قاصراً يخشى من الاقتراب من علوم وموضوعات بعينها، ويخاف على حد تعبير أحد أساتذة الفلاسفة العرب من "المغامرة العقلية" لتوهمه بأن العلوم منبتة الصلة عن بعضها البعض.
إن المعرفة هي التي تبني العقول. والعقول هي التي تحقق التنمية – أياً كانت مجالاتها – ومن ثم هي التي تشكل وتبني سوق العمل بمكوناته. فسوق العمل ليس فقط شركة أو بنكاً أو معملاً. سوق العمل هو أيضاً مكتبة وسينما ومسرح ومعامل بحثية لدراسة المجتمع. بل إن المثير للدهشة أن المسرح ومعامل دراسة المجتمع تستفيد من التقدم التكنولوجي.
فالمعرفة هي التي تخلق الوظيفة، ولا يجب أن تتحكم الوظيفة في المعرفة!

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان