«الكاريكاتير المصري: حكاية فن».. حكاية مصر
أتذكر منذ سنوات صباي أن أول شيء كنت أقرأه في جريدة «أخبار اليوم» لقطة «نصف كلمة» للكاتب المبدع أحمد رجب ورسام الكاريكاتير الفنان مصطفى حسين. لماذا؟ ربما لأنها كانت تعبر عن غضبنا المكبوت، وضيقنا من الظروف السيئة المحيطة بنا، كانت الكلمات قليلة لكنها ذكية، تُفجر السخرية، مكثفة وكاشفة، تنتقد قضايا المجتمع والسياسة، أيضًا كانت مصحوبة بشخصيات كاريكاتيرية مُضحكة مثل «فلاح كفر الهنادوة»، و«عبده مشتاق» وغيرهم.
تلك البهجة - التي كانت تغمرني حين أقرأها وأراها - تُعادل سعادتي عند سماع برنامج «كلمتين وبس» الذي يقدمه فؤاد المهندس في الإذاعة. القدرة على التكثيف تحتاج عبقرية، كيف تختصر وتظل قادرًا على أن تحتفظ بالجوهر، دون زيادة أو نقصان؟ الأمر من دون شك يحتاج فنانًا معجونًا بالموهبة، يحتاج مبدعًا ماهرًا، وقادرًا على التخلص من أناه، تمامًا.
أستعيد التجربتين بمناسبة قراءتي كتاب «الكاريكاتير المصري: حكاية فن» للصحفي والشاعر المصري عيد عبد الحليم. الكتاب يقع في 312 صفحة من القطع المتوسط، صادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة «حكاية مصر». 2025.
تأتي أهمية الكتاب من كونه يوثق لجذور هذا الفن، ويرصد عددًا غير قليل من رواد ومدارس هذا الفن وتطوره وبعض سنوات قوته، مرورًا بجيل اشتبك مع ثورة يناير 2011، ثم اشتبك مجددًا مع الثورة التكنولوجية التي تركت آثارها عليه. الأمر الآخر: أنه أثناء ذلك يمكن للمتأمل قراءة بعض ملامح الصحافة وتطورها، ولكن أيضًا ملامح المجتمع وقضاياه التي شغلت فناني الكاريكاتير، وبعض سمات المسيطرين على تلك الصحافة، لماذا يؤمن البعض بأهمية دور الكاريكاتير فيمنحه مساحة مضاعفة، بينما آخرون يقلصون مساحته ويمارسون الرقابة عليه. وهذا الموضوع لا شك يحتمل جزءًا ثانيًا للكتاب ليضم الشخصيات الأخرى التي لم يسعها الجزء الأول بسبب كبر حجم الكتاب، أو يستفيض مع بعض الشخصيات من الرواد التي اكتفى المؤلف بلقطات مشوقة لها، كما مع رخا، أو حسن حاكم، أو صلاح جاهين، وغيرهم، حتى تكتمل الحكاية.
بدأ فن الكاريكاتير - كما عدد آخر من الفنون - غير مصري، لكنه سرعان ما أصبح مصريًا خالصًا. من هنا يستهل الكاتب مؤلفه، بمقدمة عن نشأة هذا الفن على يد يعقوب صنوع، الأب الشرعي لفن الكاريكاتير المصري، الذي لجأ لفكرة الأقنعة، ومنها شخصية «شيخ البلد» التي كان يرمز بها إلى الخديوي راكعًا، بينما أبدع صنوع شخصية أبو الغلب تقف وجعلها في وضعية الوقوف والتي ترمز للفلاح المصري، بينما شخصية أبو نظارة تقف وبيده العصا. هذا يقول إن: «صفوة السياسيين من البشوات ورجال القصر وحتى الخديوي نفسه لم يسلم من النقد الكاريكاتيري».
إذًا، منذ بدايته كان فن الكاريكاتير ساخرًا، منتقدًا، لاذعًا. كانت أعمال يعقوب صنوع تصنع «حالة من الجدل بحوارات متبادلة بين الشخصيات المرسومة، ويقدم نقدًا للحالة السياسية التي تعيشها مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر».
قبل أن يصبح الكاريكاتير مصريًا ظهرت ثلاثة أسماء أجنبية بعد تجربة يعقوب صنوع، الأول جوان سانتس رجل إيطالي في مجلة «الكشكول»، والفنان التركي رفقي الذي عمل لفترة في دار الهلال وخاصة مجلة المصور، ثم يصف عيد عبد الحليم التجربة الثالثة بأنها «الأعمق، مع الفنان صاروخان من أصل أرمني». لماذا؟ لأن رسوماته بدأت تظهر مع بدايات مجلة روزا اليوسف، ووفق رأي عبد الحليم أنه «كان رسام غلافها وفنانها الأول في تلك الفترة، حيث تميزت رسوم صاروخان بطابعها السياسي، وإن لم يكن له موقف سياسي محدد، إذ كان يرسم وفق سياسة المجلة».
هنا يطرح التساؤل نفسه: وهل يمكن فصل الموقف الإنساني والسياسي للفنان عن موقف المجلة أو الصحيفة؟ هل يمكن أن يعبر الفنان بقوة سياسية دون أن يكون على قناعة بهذه الأفكار والقناعات؟ هناك نصوص وتساؤلات متفرقة بالكتاب - بعضها تحتي - تكاد تتوازى مع ذلك الطرح مع تنوع الإجابات، وأحيانًا تُترك التساؤلات بنصها التحتي مفتوحة الأقواس، بعضها يطرح التساؤل حول حرية الفنان؟ وهل اختلاف الوسيط - الصحيفة أو المجلة - يمكن أن يؤثر على حرية المبدع؟ مثلًا: تجربة الفنان بهجت عثمان يصفها عيد عبد الحليم مؤكدًا على أن تجربة وأعمال بهجت انحازت إلى البسطاء والمهمشين، وقد طاف بكل أشكال الكاريكاتير التي بدأت تظهر على صفحات روزا اليوسف منذ الخمسينيات، أما تجربته في جريدة الأهالي فكانت نموذجًا بارزًا للكاريكاتير المعارض، فمن خلال «حكومة وأهالي» بدأت تجربة بهجت تقترب أكثر من هموم الناس، كما اتخذت بُعدًا أكثر جرأة وجسارة في التعبير، حيث عبر عن رؤيته من خلال الشخوص التي اختارها لتجسيد رؤيته للتحولات السياسية والاجتماعية، عارضًا لأهم القضايا السياسية والاجتماعية.
الحقيقة أن تجربة بهجت عثمان وعدد آخر من الفنانين البارزين من الرواد التي يرصدها مؤلف الكتاب جعلتني أتوقف متأملة الحالة التي خلقتها مجلة روزاليوسف ودورها الطاغي في حماية وتكريس هذا الفن. كنت أتساءل: لماذا روزاليوسف؟ صحيح أن «صباح الخير» أيضًا لعبت دورًا في الستينيات، لكن روزاليوسف كانت أسبق بسنوات، فقد كان ظهورها 26 أكتوبر 1925.
ثم أعثر على إجابة لدهشتي وتساؤلي، إجابة تلغرافية شديدة التكثيف بصفحة 61 على لسان الفنان أحمد عز العرب إذ يقول: «هذه الكوكبة المتميزة والتي لن تتكرر كان لأحمد بهاء الدين ولإحسان عبد القدوس دور في إبرازها، فقد جعل أحمد بهاء الدين - عندما كان رئيسًا لتحرير المجلة - الكاريكاتير في صدارة المشهد الصحفي، وبوّب المجلة على أساسه، فجعل لكل فنان باب وصفحة خاصة يرسم فيها ما يريد».
الجملة السابقة بالطبع تشي بوضوح لماذا كان الكاريكاتير فاعلًا قويًا مميزًا، ويتضامن جزئيًا مع هذا الطرح كلمات الفنان مصطفى كامل بصفحة 83 إذ يقول: «إنه رغم أن الكاريكاتير هو فاكهة الصحافة، لكن في أي جريدة نجد فيها كثيرًا من المحررين، في حين يكون هناك رسام واحد، إنهم يُعدون على أصابع اليد في ظل التعداد المصري الكبير».
إذا كان ما سبق يُقال على الفنانين الرجال، فإذا تطرقنا إلى تاء التأنيث في عالم الكاريكاتير سنجد الوضع أقل تفاؤلًا، فقد اهتم عيد عبد الحليم بإجراء حوارات مع ثلاث فنانات نساء، وهو ذاته أثناء التقديم لدعاء العدل وصفها بأنها إحدى الفنانات القلائل في هذا المجال. لكن، المدهش - في رأيي - أن تجربة دعاء كاشفة لعدة أمور، ومن بينها تماثل شعور الهزيمة عند الفنان مهما اختلف الزمن، ومهما تبدلت الأجيال، فشعور الهزيمة له آثار نفسية قد تزلزل عالم الفنان، وتجعله يعتزل، إن لم يكن صلبًا بالقدر الكافي.
الكتاب يستند إلى حوارات أجراها المؤلف بنفسه، مثلما يستعين باقتباسات من حوارات أجراها آخرون أو تصريحات لهؤلاء الفنانين والكتاب. كذلك مرفق به نماذج من إبداعات هؤلاء الفنانين، وهو أمر مهم للاستمتاع بالقراءة. وختامًا، أعود فأؤكد على أنه يمكننا قراءة كثير من ملامح الفن والمجتمع المصري من خلال كتاب «الكاريكاتير المصري: حكاية فن»، فتحية تقدير للقائمين على هيئة قصور الثقافة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع