محمد علي.. في الوثائق العثمانية
تعد الوثائق والمصادر الأرشيفية مصدرًا مهمًا وأساسيًا للمعلومات التي ترتكز عليها الدراسات الحديثة والبحوث العلمية المختلفة؛ فهي تمثل المصادر الأولى في كتابة تاريخ الدولة العثمانية الحديث عامة، وتاريخ الولايات التي كانت خاضعة لها، ومنها ولاية مصر خاصة.
ويعد الأرشيف العثماني، وأرشيف رئاسة الوزراء بإستانبول خاصة من أهم الأرشيفات في العالم في مادته الغنية الخاصة بتاريخ بلادنا العربية، وعلى رأسها ولاية مصر، فهو مصدر أصيل من مصادر التاريخ العربي الحديث ينبغي الإفادة منه.
وقد أثبتت الأبحاث الحديثة والمصادر الأصيلة أن ولاية مصر كانت لها مكانة مميزة وموقع مهم لدى الدولة العثمانية؛ حيث كانت مصر ذات مركز إداري وعسكري واقتصادي واستراتيجي مهم للدولة العثمانية في المشرق العربي؛ لذلك كانت مؤسسات الدولة المركزية ترعى شؤون ولاية مصر وتتابع أمورها عن كثب.
وكانت القضايا الخاصة بولاية مصر تناقش داخل الديوان الهمايوني، وتُسجل في دفاتر المهمة العامة حتى عام 1119هـ/1707م، ويمكن من خلال تتبع الأحكام الخاصة بولاية مصر في دفاتر المهمة العامة في الفترة من 1553-1707م معرفة وضع مصر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعسكري، واستخراج مادة تاريخية مهمة يمكن من خلالها كتابة تاريخ مصر في العصر العثماني من جديد. لكن بعد هذا التاريخ (1707م) اختفت الأحكام المتعلقة بولاية مصر أو ندر وجودها في دفاتر المهمة العامة؛ إذ أصبحت تُسجل في دفاتر مستقلة أُطلق عليها فيما بعد «دفاتر مهمة مصر».
وتمثل دفاتر مهمة مصر -التي بلغت 15 دفترًا من عام 1119-1333هـ/1707-1915م مرجعًا وثائقيًا مهمًا يمكن من خلاله إعادة كتابة تاريخ مصر في العصر العثماني بصورة أكثر دقة وإنصاف؛ حيث يندر وجود هذا الكم الهائل من الوثائق في مكان واحد.
ويعد كتاب د. آتيلا جتين «ولاية محمد علي باشا لمصر في ضوء الوثائق العثمانية» (دار إشراقة/دريم بن، 2022) من الكتب المهمة التي تتناول الفترة من 1801-1805م من وجهة نظر عثمانية للأحداث. وهذه الفترة هي فترة صراع واضطراب بين قوات عدة تريد كل واحد منها الاستحواذ على حُكم ولاية مصر بعد أن كانت متفقة في الدفاع عنها ضد الفرنسيين.
يشرح لنا الكتاب بالتفصيل اعتمادًا على الوثائق والمصادر العثمانية (بلغ عدد الوثائق المعتمدة في الكتاب حوالي 170 وثيقة بخلاف دفاتر مهمة مصر) رؤية جديدة عن الصراع بين المماليك والعثمانيين والأرناؤوط على حكم الولاية، ونجاح محمد علي باشا في السيطرة على الوضع لصالحه، وأخيرًا موقف الباب العالي من هذا الصراع وتعيين محمد علي واليًا على مصر عام 1805م.
ينقسم الكتاب إلى توطئة وببليوغرافيا ومدخل وثلاثة أقسام وخاتمة، ويمثل وجهة النظر العثمانية من محمد علي وولاية مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي. المدخل تناول فيه المؤلف وضع ولاية مصر بعد خروج الفرنسيين منها، والصراع بين المماليك والعثمانيين والأرناؤوط على حُكم الولاية. ويشير المؤلف إلى أن الدولة العثمانية ومحمد علي قد أفادا من انشقاقات المماليك؛ إذ لعب النفاق والتنافس فيما بينهم دورًا مهمًا في القضاء عليهم، وفي خضم الصراع على النفوذ -فيما بينهم- كان الغالب منهم يتحد في كثير من الأحيان مع قوات الدولة العثمانية، ويبقى في مصر الوسطى أو السفلى، أما الطرف المغلوب فكان ينسحب إلى الصعيد؛ إلى مصر العليا، وينتظر الفرصة السانحة حتى يعود مرة أخرى، ويتصارع من جديد.
لعب تدخل بعض الدول الأوروبية دورًا كبيرًا في تحريض عصيان المماليك وتأجيجه، الذي ظهر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، وخير مثال على ذلك عصيان بولوت قبان علي بك (علي بك الكبير)؛ حيث كان يريد فصل مصر عن الإدارة العثمانية، وتأسيس دولة مستقلة بدعم من الروس والإنجليز ومساعدتهما، وبعد القضاء على هذا العصيان عام 1773م، ظهرت صراعات جديدة في الولاية بين إبراهيم بك، ومراد بك، وإسماعيل بك، وأحيانًا كانوا يتمردون ضد الدولة المتبوعة، ويقومون بحركات عصيان، فأرسلت الدولة -إزاء هذه الحركات- قبطان البحر الغازي حسن باشا الجزايرلي إلى مصر، فتمكن من تحقيق السكون والأمن لفترة طويلة فيها، لكن إبراهيم بك، ومراد بك؛ كانا يؤديان دورًا مهمًا ضد الولاة العثمانيين المرسلين من مركز الدولة، ولنقل: إن سلطة هذين الاثنين ونفوذهما لم تكن ثابتة طوال الوقت (ص 33).
القسم الأول في الكتاب جاء بعنوان: ولاية خسرو باشا وصراعه مع طاهر باشا، وتناول فيه الصراع بين عساكر الولاية والمماليك، ونجاح محمد علي في السيطرة على الوضع لصالحه، ومقتل طاهر باشا.
أما القسم الثاني فجاء بعنوان: اتحاد الباشي بوزوق مع المماليك، وتناول فيه تعيين علي باشا الطرابلسي، وعلاقته بالمماليك وعساكر الباشي بوزوق، ومقتل علي باشا، ثم النزاع بين الباشي بوزوق والمماليك. وللتوضيح، فإن باشي بوزوق هو الاسم الذي أُطلق على الأفراد المتطوعين، الذين يلتحقون بالجيش عند وقوع حرب، وهؤلاء المتطوعون لا يدخلون مع القوات الأصلية للجيش، وبسبب أنهم يلتحقون بالمشاة أو الفرسان؛ لهم تجهيزات أسلحة منفصلة، ويخضعون تحت إدارة قادة منفصلين عن الجيش الأصلي، ويتم استخدامهم في صورة عساكر معاونة، وقديمًا كانت هذه العساكر تأتي من الولايات إلى إستانبول، وبسبب عدم وجود مكان أو وطن لهم؛ أُطلق عليهم باشي بوزوق.
جاء القسم الثالث بعنوان: العلاقة بين خورشيد باشا ومحمد علي والنزاع بينهما، وتحدث فيه عن علاقات الصداقة بينهما، ثم النزاع على حُكم مصر، وأخيرًا موقف الباب العالي من هذا النزاع وتعيين محمد علي واليًا على مصر. واشتملت خاتمة الكتاب على أهم النتائج التي توصل إليها المؤلف، ومنها أن نجاح مسعى محمد علي لأن يصبح واليًا على مصر جاء نتيجة مشاركته في الصراع بين القوات العسكرية الموجودة في مصر، ثم الإفادة من هذا الصراع، وجاء ذلك من التحريض والإغواء الذي قام به مع الباشي بوزوق ضد الينكجرية (أو الانكشارية)، ثم الينكجرية ضد المماليك، ثم الباشي بوزوق ضد المماليك، وفي النهاية ضرب المماليك بعضهم بعضًا (ص 331). كما أن محمد علي لم يدفع نفسه إلى الأمام أبدًا؛ فقد كان دائمًا يعمل في الصف الثاني، وفي الخلف، وكان يرى أن ذلك هو المناسب لتحقيق آماله، وتحرك بناء على ذلك، وهذا الوضع كان يسمح له بتأدية الدور بسهولة من وراء الستار (ص 233).
يحاول المؤلف في كتابه إثبات أن محمد علي القائد الأرناؤوطي الذي جاء مصر ضمن القوات التي جُمعت من «قولة» لإرسالها إلى مصر لمحاربة الفرنسيين عام 1799م؛ قد نجح بذكائه ودهائه في فهم الوضع في ولاية مصر، وأنه يجب التحكم في عساكر الأرناؤوط والباشي بوزوق (أو الباشبوزوق)؛ للسيطرة على الولاية.
بعد خروج الصدر الأعظم والقبطان باشا من مصر بقي محمد علي قائدًا على هؤلاء العساكر من أجل تحقيق الأمن في الولاية، فشارك في الصراعات التي وقعت في الولاية بين المماليك والعثمانيين، وأفاد -بخبرته وحنكته- من ضعف المماليك، ونجح في استخدام عساكره ضدهم. وكانت سياسته تتمثل في ضرب عناصر الصراع بعضها بعضًا، دون أن يُظهر نفسه في الصورة، ثم التقرب من الشعب الذي ذاق ويلات هذا الصراع، واستمالته إلى جانبه، ومطالبة أهالي مصر والعلماء بكتابة محاضر من أجل طلب تعيينه واليًا على مصر (ص 213).
تمكن محمد علي من عزل خسرو باشا، وطرده من مصر، وعزل خورشيد باشا، وإجبار الباب العالي على تعيينه واليًا على مصر نزولًا على رغبة الشعب. كما بيّن المؤلف ضعف الحكومة العثمانية، وعدم إحاطتها بالوضع في مصر في ذلك الوقت.
المعلومات الواردة في الكتاب تُقدم رؤية جديدة تختلف عن الموجودة في الكتب العربية التي تناولت هذه الفترة، كما تميزت ترجمة د. محمد عبد العاطي محمد بجمال الأسلوب والدقة في نقل النص إلى اللغة العربية. لهذا يعد الكتاب مصدرًا أصيلًا للمؤرخين والباحثين والقراء على حد سواء.
ولعل من أفضل ما قام به المترجم، هو وضعه في نهاية ترجمته قائمة للتعريف ببعض المصطلحات والألقاب الواردة في هذا الكتاب؛ ليسهل الرجوع إليها.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع