"تعرية الحُب".. ومواجهة الموت!
كلهم يناجون..
كلهم ينادون..
على أولئك الذين فقدوهم إلى الأبد؛ الآباء والأمهات الراحلين أو الغائبين، والأزواج، والأطفال، والأصدقاء: «أريدُ أن أراك مرة أخرى». «أريدُ منك أن تحبَّني». «أريدك أن تخبرني بأنك فخورٌ بي». أودُّ أن تعرف أنني أحبك، وكم أنا آسف لأني لم أخبرك بهذا من قبل! ». «أريدك أن تعود إليَّ، فأنا أشعر بالوحدة». «أريدُ الطفولة التي لم أحظَ بها من قبل». «أريدُ أن أكون بصحة جيدة وأن يعود لي شبابي مرةً أخرى. أودُّ أن أكون محبوبًا، وأن يحترمني الناس. أريدُ أن يكون لحياتي معنى ما. أريدُ أن أنجز شيئًا ما. أريدُ أن أكون ذا شأنٍ، وأن أكون مهمًا، وأن يتذكرني الآخرون».
الرغبات والأشواق والآلام، قصة حياتنا باختصار. ثمة معاناة من ألم القدَر، وألم الوجود، تلك الآلام التي لا تفارقنا، والتي لا تتوقف عن الأزيز تحت قشرة الحياة. هي آلامٌ يمكننا استدعاؤها بسهولةٍ تامة. تُذكِّرنا لحظات الرجاء بأن أعمق رغباتنا أمورٌ لا يمكن تحقيقها مهما حصل؛ رغباتنا في إحياء مرحلة الشباب مجددًا، في وضع حدٍّ للشيخوخة. في عودة هؤلاء الذين اختفوا من حياتنا، بالحُب الأبدي، بالشعور بالأمان والأهمية، والتَّوق إلى الخلود.
في كتاب الطبيب النفسي ذائع الصيت إرفين د. يالوم «تعرية الحُب» (منشورات حياة، 2023) الذي ترجمه جوهر عبد المولى، يروي المؤلف قصصًا عن عشرة مرضى لجأوا إلى العلاج. في سياق عملهم، كان هؤلاء المرضى قد عانوا من ألم الوجود، لكن لم يكن هذا هو السبب الذي دفعهم إلى طلب المساعدة. على العكس تمامًا؛ إذ كانوا يعانون من المشكلات الشائعة في الحياة اليومية: الشعور بالوحدة، واحتقار الذات، والعجز الجنسي، والصداع النصفي، وفرط النشاط الجنسي، والسمنة، وارتفاع ضغط الدم، والحزن، والهوس المُضني بالحُب، وتقلُّب المزاج، والاكتئاب. ومع ذلك، بطريقةٍ ما (وتتكشَّف هذه «الطريقة» على نحو مختلف في كل قصة)، تمكَّن العلاج من الكشف عن جذور عميقة لهذه المشكلات اليومية، جذور يعود أصلها إلى الركيزة الأساسية للوجود الإنساني.
«أريد! أريد!»؛ هذا ما سيسمعه القارئ في جميع أنحاء هذه الحكايات. تصرخ واحدةٌ من المريضات: «أريدُ استعادة ابنتي الحبيبة الميتة»؛ بعد أن أهملت ابنيها اللذين ما زالا على قيد الحياة. ويصر آخر: «أريد أن أمارس الجنس مع كل امرأةٍ أراها»؛ حيث كان السرطان الليمفاوي قد غزا جذعه السفلي. يتوسل آخر: «أريد أبي وأمي والطفولة التي لم أحظ بها أبدًا»؛ وهو يتألم بسبب ثلاث رسائل لم يتمكن من حمل نفسه على فتحها. وقالت أخرى: «أريد أن أصبح شابة وأن أبقى كذلك إلى الأبد»؛ لأنها كانت امرأة عجوزًا لن تستطيع التخلي عن حُبها الهوسي لرجلٍ يصغرها بخمسةٍ وثلاثين عامًا.
يعتقد الطبيب النفسي يالوم أن الأشياء البدائية في العلاج النفسي تكمن دائمًا في مثل هذا الألم الوجودي، وليس في المساعي الغريزية المكبوتة أو شظايا الماضي المأساوي التي لم تُدفن بأكملها، كما يزعم البعض في كثير من الأحيان. ويقول:
«خلال علاجي لكلٍّ من هؤلاء المرضى العشرة، كان الافتراض الإكلينيكي الأساسي الذي استندت إليه في أسلوبي العلاجي هو أن القلق الاعتيادي ينشأ من مساعي الفرد للتعامل مع حقائق الحياة القاسية، أو «مسلَّمات» الوجود، سواء أكانت تلك المساعي تحدث في الوعي أم اللا وعي» (ص 11).
يحدد إرفين د. يالوم أربع مسلَّمات ذات صلة بالعلاج النفسي على وجه الخصوص: أولًا، أن الموت أمرٌ محتَّم علينا وعلى أحبابنا. ثانيًا، أن نكون أحرارًا في صياغة حياتنا على هوانا. ثالثًا، وحدتنا المطلقة. وأخيرًا، غياب المعنى أو الهدف الواضح من هذه الحياة (ص 11). مهما بدت هذه المعطيات كئيبة، فإنها تكتنز بذور الحكمة والخلاص. يُظهر الكاتب في هذه القصص العشر عن العلاج النفسي أنه من الممكن مجابهة حقائق الوجود وتسخير قوتها في خدمة التغيير والنمو الشخصي.
من بين حقائق الحياة هذه، يبرز الموت على نحو بديهي كأكثرها وضوحًا وتجليًا؛ فنحن نتعلم في سنٍ مبكرة جدًا -أبكر بكثير مما يعتقد الناس غالبًا- أن الموت آتٍ لا محالة، وأنه لا مفرَّ منه.مع ذلك، على حد تعبير سبينوزا، إن «كل شيء يسعى نحو الاستمرارية في كيانه الخاص». في صميم المرء، ثمة صراع دائم بين الرغبة في الاستمرار في الوجود، والوعي بالموت الحتمي.
من أجل أن نتكيَّف مع واقع الموت، نبرع إلى أقصى الحدود في ابتكار طرق لإنكاره أو الهروب منه. عندما نكون صغارًا، ننكر الموت مستعينين بطمأنات آبائنا وأمهاتنا والأساطير العلمانية والمعتقدات الدينية، ثم نجسده في وقتٍ لاحق من خلال تحويله إلى كيانٍ ما، فنجعله وحشًا أو رجل رمالٍ أو شيطانًا ما. في نهاية المطاف، إذا كان الموت فعلًا كيانًا يطاردنا، فإننا ما زلنا نبحث عن طريقةٍ للتملُّص منه.
ثمة قصص في الكتاب عن الهروب من قلق الموت ومحاولة العقل المستميتة لاحتوائه. ينظر أبطال القصص الأخرى إلى الفعل الجنسي أيضًا على أنه تعويذة تدرأ الزوال والشيخوخة والدنو من الموت؛ والنتيجة هي الانحلال الجنسي القهري لشاب في مواجهة سرطانه القاتل (في قصة «لو كان الاغتصاب قانونيًا... »)، ورجل عجوز يتشبث برسائل صفراء عمرها 30 عامًا من عشيقته الميتة (في قصة «لا تكن لطيفًا»).
يقول الطبيب النفسي الأميركي:
«خلال الأعوام الكثيرة التي تعاملتُ فيها مع مرضى السرطان الذين يواجهون الموت الوشيك، انتبهتُ إلى وجود طريقتين فعالتين وشائعتين لطمأنة المرضى بشأن مخاوفهم عن الموت؛ أو وهمين أو معتقدين يوفران لهم الإحساس بالأمان. الأول هو إيمان الفرد بمكانته الخاصة (specialness)، أما الآخر فهو الإيمان بفكرة المُخلِّص النهائي (ultimate rescuer). صحيحٌ أن هذه أوهامٌ من حيث كونها تمثل «اعتقادات ثابتة خاطئة» (fixed false beliefs)، إلا أنني لا أستخدم مصطلح «الوهم» بالمعنى التحقيري؛ فهذه معتقداتٌ كونية توجد فينا جميعًا -عند مستوى معين من الوعي- وتلعب دورًا مهمًا في الكثير من هذه القصص» (ص 14).
في موضعٍ آخر يصارحنا المؤلف:
«لا أحبّذ علاج المرضى الواقعين في الحُبّ. قد يكون ذلك بسبب الحسد، فأنا أيضًا أتوق إلى الافتتان بأحدهم. أو ربّما لأنّ الحُبّ والعلاج النفسي يتعارضان جذريًّا. ففي الوقت الذي يحارب فيه المعالجُ البارع الظلام ويفتّش عن النور، يُبنى الحُبّ الرومانسي على الغموض وينهار عند التنقيب فيه. أكره أن أكون جلّاد الحُب» (ص 29).
ويرى المؤلف أن «إحدى المفارقات العظيمة في هذه الحياة هي أنّ الوعي بالذات يولِّد القلق. فيأتي فعل الاندماج ليقضي على القلق جذريًّا، من خلال التخلّص من الوعي بالذات. الشخص الذي يقع في الحب ويدخل في حالة اندماج سعيدة لا يتأمّل نفسه لأنّ أناه المُتسائلة الوحيدة (والقلق المصاحب للعزلة) يذوبان في صورة الـ«نحن». وهكذا ينفصل المرء عن قلقه، ولكنّه يفقد نفسه». (ص 23)
يعرف كل معالج أن الخطوة الأولى المحورية في العلاج هي أن يتحمل المريض المسؤولية عن المأزق الذي هو فيه. ما دام المرء يظن أن مشكلاته ناتجة عن قوة أو تأثير خارجي، فلا فائدة من العلاج. عندما يعتقد المرء أن المشكلة تكمن في المحيط الخارجي، لن يرى سببًا يدفعه إلى تغيير نفسه؛ سيقول إن العالم الخارجي (الأصدقاء والوظيفة وشريك الحياة) هو الذي يجب تغييره أو استبداله. لذلك لم يستطع «ديف» (في قصة «لا تكن لطيفًا») المُضي قُدمًا في العلاج، وهو الذي اشتكى بحرقةٍ من أنه كان محبوسًا في سجن الزوجية -على يد زوجةٍ متطفلة متملكةٍ تلعب دور السجان- حتى أدرك أنه كان هو بذاته مسؤولًا عن بناء السجن.
نظرًا لأن المرضى ينزعون إلى مقاومة تحمُّل المسؤولية، فلا بدَّ أن يُطور المعالجون تقنيات تجعل المرضى مدركين لحقيقة أنهم هم الذين يتسببون في المشكلات التي يعانون منها.
يشير يالوم إلى أن علاج «بيتي» (في قصة «السيدة البدينة») يفتقر إلى الفاعلية، ما دامت كانت تعزو وَحدتها إلى ثقافة «كاليفورنيا» الهشة والمقلقلة. لم تتمكن من التفكير في حقيقة أنها كانت هي المسؤولة عن خلق عزلتها الشخصية إلا بعد أن أوضحتُ لها -خلال الساعات التي قضيناها معًا- كيف أن سلوكها الانطوائي والخجول والانعزالي كان يخلق البيئة الانطوائية ذاتها خلال جلسات العلاج. في حين أن تحمُّل المريض للمسؤولية يضعه على طريق التغيير، فإن ذلك لا يساوي التغيير بعينه؛ التغيير هو دائمًا بمنزلة الفريسة التي يجب السعي وراءها، مهما حاول المعالج جذب المريض نحو التبصُّر، وتحمُّل المسؤولية، وتحقيق الذات.
لا تتطلب الحرية منا تحمُّل مسؤولية خيارات حياتنا فحسب، بل تفترض أيضًا أن التغيير يقتضي فعل الإرادة.
يتناول الطبيب النفسي الأميركي في كتابه قصة «ثيلما» التي أخبرته في مستهل مقابلتها الأولى معه أنها كانت في حالة حُبٍّ مأساوية ميؤوس منه. يقول يالوم:
«لم تفاجئني معاناة «ثيلما»؛ فالحُب دائمًا ما يكون ملوثًا بالألم، لكن حُبها كان يفتقد إلى التوازن على نحو مخيف، كان خاليًا من المتعة على الإطلاق، حياتها بأكملها كانت ضربًا من العذاب» (ص 29).
يصاب الطبيب النفسي بالدهشة من هوسها بالحُب؛ ذلك الهوس الذي سيطر عليها لمدة ثماني سنوات دون أي تعزيز خارجي. لقد احتلَ الهوسُ حياتها بالكامل. لا بدَّ أن الهوس كان يستمدُ جزءًا من قوته من الوهن الذي أصاب باقي أركان وجودها؛ شكك د.يالوم في إمكان نشلها من هوسها دون مساعدتها أولًا على إثراء النواحي الأخرى من حياتها.. وقد كان!
«تعرية الحُب» كتابٌ يتحدَّثُ عن معاناتنا جميعًا؛ لأن حياتنا ووجودنا دائمًا ما يرتبط بالموت، وحُبنا يرتبط بالخسارة، وحريتنا ترتبط بالخوف، وازدهارنا يرتبط بالافتراق؛ نحن جميعًا شركاء في هذه المحنة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع