إعلان

الأعياد الوطنية وقرار ترحيل الإجازات

د. إيمان رجب

كتب - د. إيمان رجب

07:00 م الخميس 15 أكتوبر 2026

تعد الأعياد القومية أحد مظاهر الهوية الوطنية لأي دولة، ولذا تحظى هذه الأعياد باهتمام كبير بدءًا من اعتبارها إجازة رسمية وانتهاءً بتخطيط الاحتفال بها تخليدًا للذكرى الوطنية التي تعبر عنها من خلال مراسم خاصة لرفع العلم الوطني أو فتح أبواب المتاحف بالمجان أمام الشعب أو تنظيم الحفلات التراثية والفنية وغيرها.

والطبيعة المقدسة لهذه الأعياد نجدها في دول كثيرة في العالم تهتم بتعزيز هويتها الوطنية، ومنها على سبيل المثال الولايات المتحدة التي تحتفل بيوم 4 يوليو من كل عام بمراسم خاصة ويتم منح هذا اليوم إجازة رسمية، وكذلك الأمر بالنسبة لإيطاليا التي لديها عيد التحرر من ألمانيا النازية في 25 أبريل ويوم الجمهورية الإيطالية في 2 يونيو، بخلاف قائمة طويلة من العطلات الرسمية، كما نجدها في السعودية التي تحتفل باليوم الوطني في 23 سبتمبر وبيوم التأسيس في 22 فبراير من كل عام.

وتمتاز مصر بوجود هذا التقليد منذ عقود طويلة، وتضم الأيام الوطنية في التاريخ المعاصر للدولة المصرية العيد القومي للدولة وهو يوم 23 يوليو، وعيد القوات المسلحة هو يوم 6 أكتوبر من كل عام، وعيد الشرطة 25 يناير من كل عام، وعيد تحرير سيناء 25 أبريل، وعيد 30 يونيو من كل عام، وذلك بخلاف الأعياد الدينية والعطلات الرسمية الأخرى.

وأتذكر جيدًا كيف أن الإجازة الخاصة بهذه الأعياد كانت في كل مرة فرصة ينتهزها أبي وأمي ليحكوا لنا حكايات عن هذه الأيام التي عاشوها وشاركوا في صنعها وكتابة تاريخها ضمن الصفحات المشرقة لتاريخنا العظيم، فضلًا عن بث التليفزيون خصيصًا في هذا اليوم كثيرًا من الأفلام والمسلسلات تخليدًا للبطولات العظيمة وللتضحيات الكبيرة وتذكيرًا للأجيال الجديدة بها، كما كانت هذه الإجازات فرصة لزيارة المتاحف الوطنية التي تحكي تاريخ هذه الأعياد بلغة مختلفة عن لغة السينما.

والملاحظ أنه منذ أن بدأ تنفيذ قرار ترحيل تنفيذ الإجازات الرسمية لنهاية الأسبوع منذ 2020 شمل هذا القرار الأعياد الوطنية والتي تخلد ذكرى أحداث تاريخية أصبحت جزءًا مهمًا من الذاكرة الجمعية للشعب المصري ومظهرًا من مظاهر هويته الوطنية، فالعيد الوطني للدولة المصرية هو 23 يوليو 1952، والذي يعبر عن يوم إعلان ثورة الضباط الأحرار على النظام الملكي وإعلان قيام النظام الجمهوري في مصر.

أما عيد القوات المسلحة فهو يوم إعلان الحرب على إسرائيل في 6 أكتوبر 1973 لاستعادة سيناء التي احتلتها منذ حرب 1967، وهو الذي نحتفل به هذا العام طوال شهر أكتوبر، وعيد الشرطة هو 25 يناير، والذي يخلد ذكرى صمود رجال الشرطة البواسل في مواجهة الاحتلال البريطاني في 25 يناير 1952 في الإسماعيلية، وأضيف لهذا الحدث التاريخي المهم ثورة 25 يناير 2011، فأصبحنا في هذا اليوم نحتفل بذكرى المناسبتين معًا.

ويخلد عيد تحرير سيناء ذكرى جلاء آخر جندي إسرائيلي من أرض سيناء المصرية في 25 أبريل 1982 وعودتها للسيادة المصرية بموجب معاهد السلام الموقعة في 1979، واكتمل تحرير سيناء بالكامل بعودة طابا للسيادة المصرية في 19 مارس 1988.

بينما يخلد يوم 30 يونيو ذكرى ثورة الشعب المصري ضد حكومة جماعة الإخوان الإرهابية في 30 يونيو 2013، وتأييد القوات المسلحة للشعب في ثورته ضد حكم الإخوان حفاظًا على مؤسسات الدولة وعلى الهوية الوطنية المصرية.

ويلاحظ من خلال تجربة شمول قرار الترحيل لهذه الأعياد طوال السنوات الست السابقة تراجع أهمية هذه الأيام في وعي الفئات الشبابية الصغيرة التي تمثل اليوم أكثر من نصف الشعب، سواء جيل زد أو جيل ألفا، وضعف قدرة فئة كبيرة منهم على تذكر هذه الأيام وأهميتها في التاريخ المصري، وفي أحيان كثيرة لا يتم تذكر اليوم بشكل صحيح على نحو يعكس انفصالًا بينهم وبين تاريخ الدولة.

حيث يترتب من الناحية العملية على ترحيل أيام الأعياد الوطنية عدم إحداث ما ينفذ من فعاليات رسمية أو شعبية احتفالًا بأي منها التأثير المطلوب في مشاعر الانتماء للدولة لدى الشباب خاصة أو تخليد المواقف التاريخية العظيمة التي تعبر عنها تلك الأعياد، فضلًا عن محدودية ما ينفذ في بعض هذه الأعياد بسبب قرار الترحيل، وبالتالي يكون هناك ضعف في جهود تذكير الأجيال الجديدة بما قدمته الأجيال الأكبر من تضحيات في سبيل نصرة مصر والحفاظ على استقلالها وسلامة أراضيها.

من المهم أن تقوم رئاسة مجلس الوزراء بمراجعة قرار ترحيل تنفيذ الإجازات الرسمية واستثناء هذه الأعياد الوطنية منه على وجه الخصوص استكمالًا لجهود حماية الهوية الوطنية للدولة وتخليد تاريخها العظيم بين الأجيال.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع