إعلان

وللخيانة أيضًا.. وجوه كثيرة

عبير جمال

كتب - عبير جمال

10:11 م الإثنين 12 أكتوبر 2026

«أنا عمري ما كنت أتخيل إن في وجع بالشكل ده، وعمري ما كنت أتخيل إن تبقى أنت السبب فيه. أنت دست عليّا ودست على سنين عمري معاك».

بهذه الكلمات الموجعة، اختصرت الفنانة منى زكي، في أحد مشاهد مسلسل «طالع نازل» الذي يعرض الآن على منصة شاهد، مأساة لا تخص بطلة العمل وحدها، وإنما تعبّر عن وجع نساء كثيرات اكتشفن يومًا أن الرجل الذي كان يمثل لهن الأمان، هو نفسه من تسبب في أقسى أوجاعهن.

لم تكن مجرد كلمات عتاب بين زوجة وزوجها، بل صرخة امرأة لم تكن تتخيل أن هناك ألمًا بهذا الحجم، والأقسى أنها لم تكن تتخيل أن يأتيها هذا الألم من أقرب الناس إليها.

«وعمري ما كنت أتخيل إن تبقى أنت السبب فيه».

هنا تحديدًا تكمن المأساة، فليس أصعب ما في الخذلان أن نتألم، وإنما أن يأتي الألم ممن كنا نظن أنهم آخر من يمكن أن يؤذونا. أن يتحول السند إلى سبب للانكسار، وأن يصبح الإنسان الذي كنا نلجأ إليه هربًا من قسوة الحياة، هو نفسه من يدفعنا إلى مواجهة أقسى صدماتها.

أن تكتشف المرأة فجأة أن الرجل الذي منحته ثقتها، وشاركته عمرها وأحلامها وتفاصيل أيامها، كان يخفي عنها حياة أخرى، وأن ما اعتبرته أمانًا طوال سنوات لم يكن يحميها من الخديعة.

فالخيانة ليست دائمًا علاقة محرمة، ولا تقتصر وجوهها على الصورة التقليدية التي اعتدنا اختزالها في وجود طرف ثالث. قد تكون كذبة ممتدة، أو أمانة مهدرة، أو ثقة استُبيحت، أو سنوات من العشرة اكتشف أحد طرفيها أنه لم يكن يعرف الحقيقة كاملة.

والأكثر قسوة أن إخفاء حياة زوجية أخرى لسنوات لا يحتاج إلى كذبة واحدة، بل إلى سلسلة من المراوغات والأسرار وأنصاف الحقائق. كذبة تفتح الباب لأخرى، وتبرير يستدعي تبريرًا جديدًا، حتى يتحول الخداع إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية.

فكيف يستطيع رجل أن ينظر في عيني زوجته كل يوم، ويبادلها الحديث والضحكات والوعود، بينما يخفي عنها حقيقة قادرة على زلزلة حياتها بالكامل؟

وكيف يستقبل حبها واهتمامها وثقتها، بينما يتركها تعيش مطمئنة إلى صورة ناقصة من الحقيقة؟

وهنا تستعيد عبارة نورا معناها الأكثر قسوة: «أنت دست عليّا ودست على سنين عمري معاك».

فالأمر لم يعد مجرد قرار اتخذه الزوج بالارتباط بأخرى، وإنما إحساس جارح بأن تاريخًا كاملًا من الحب والمساندة والتضحيات قد جرى الاستهانة به.

تبدأ المرأة في استرجاع الذكريات، ومراجعة المواقف، واستحضار تفاصيل كانت تمر عليها دون شك. تتساءل عن اللحظة التي بدأ فيها كل هذا، وعن الكلمات التي صدقتها، والوعود التي اطمأنت إليها، وعن السنوات التي كانت تعيشها بكل صدق بينما كانت هناك حقيقة أخرى تُخفى عنها.

وهكذا لا تجرح الخديعة الحاضر وحده، بل تمتد إلى الماضي، فتربك صورة الإنسان عن سنوات عمره، وتتركه في مواجهة أسئلة قد لا يجد لها إجابة.

لكن ربما يكون للخذلان وجه آخر، أشد إيلامًا من اكتشاف الحقيقة نفسها؛ حين تجد المرأة أنها مطالبة بالدفاع حتى عن حقها في الشعور بالألم.

حين تصدمها الخديعة، ويُطلب منها أن تتقبل الأمر الواقع، وأن تكف عن الغضب، وأن تتجاوز سنوات الإخفاء والكذب، لمجرد أن زوجها «من حقه يتجوز».

وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية قسوة، والتي يمكن أن نطلق عليها مجازًا «الخيانة الحلال».

ليس لأن الزواج الثاني في ذاته خيانة، وإنما لأن البعض يتعامل مع مشروعية قراره باعتبارها مبررًا لكل ما صاحبه من خداع وإخفاء واستهانة بمشاعر شريكة حياته.

وكأن امتلاك الحق في اتخاذ قرار ما يمنح صاحبه حصانة من المسؤولية عن الطريقة التي مارس بها هذا الحق، وعن الألم الذي تسبب فيه.

لكن هناك فارقًا كبيرًا بين مشروعية الاختيار، وبين الوسائل التي يسلكها الإنسان للوصول إليه.

فأن يكون للرجل حق في الزواج مرة أخرى، لا يجعل الكذب حقًا، ولا الخداع مباحًا، ولا الاستهانة بالعشرة وبسنوات العمر مشروعة.

والزوجة التي تتألم من الخديعة لا تحتاج إلى من يحدد لها حجم الوجع المسموح به، أو يطالبها بالصمت، بقدر ما تحتاج إلى من يعترف بأن لها هي الأخرى حقًا في الصدق والاحترام والكرامة.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية مسلسل «طالع نازل»، الذي نجح، رغم أنه لم يُعرض منه سوى حلقتين، في طرح قضية إنسانية شديدة الحساسية، لا من زاوية الزواج الثاني وحده، وإنما من زاوية ما يتركه اكتشاف الخداع من ندوب نفسية قد يصعب التئامها.

أما إذا تحدثنا عن الفنانة منى زكي، فإن أداءها أقل ما يوصف به أنه أداء استثنائي تفوقت فيه على نفسها، واستطاعت أن تنقل ألم كل زوجة عاشت هذه التجربة القاسية بصدق جعل المشاهد لا يكتفي بالتعاطف مع الشخصية، بل يكاد يشعر بوجعها. لم تكن تؤدي مجرد دور زوجة مصدومة، وإنما منحت صوتًا لنساء كثيرات ربما عجزن عن التعبير عن عمق ما تعرضن له من خذلان. استطاعت بنظراتها وصمتها وارتجاف صوتها ومحاولاتها للتماسك أن تجسد ذلك الصراع القاسي بين امرأة تريد أن تصدق ما تسمعه، وقلب يرفض استيعاب الحقيقة.

وتُحسب لصنّاع العمل جرأتهم في الاقتراب من هذه المنطقة الإنسانية الشائكة، وفي تقديم معالجة درامية تجعلنا نرى ما وراء واقعة الخيانة، ونتأمل آثارها في النفس والعلاقات والذاكرة. ورغم أن الحكم على التجربة الدرامية كاملة لا يزال مبكرًا، فإن بدايتها استطاعت أن تفتح بابًا مهمًا للنقاش، وأن تمنح مساحة لألم اعتاد كثيرون اختزاله في عبارة: «من حقه يتجوز».

لكن حقيقة الأمر أن القضية لم تكن يومًا مجرد حق في الزواج، بل كانت ولا تزال سؤالًا عن الصدق والأمانة، وعن الثقة التي لا ينبغي أن تصبح ضحية للرغبات الشخصية.

فليست كل زوجة موجوعة ترفض أن يختار زوجها حياة أخرى، لكن من حقها أن ترفض أن تتحول سنوات عمرها معه إلى حكاية كانت آخر من يعرف حقيقتها.

وفي النهاية، قد يملك الإنسان حق أن يبدأ حكاية أخرى، لكنه لا يملك حق إهدار صدق من عاش معه الحكاية الأولى.

فالخيانة ليست دائمًا أن يدخل شخص ثالث بين اثنين؛ أحيانًا تبدأ يوم يخرج الصدق من بينهما.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان