إعلان

دراما رمضان 2026.. استعادة الوعي الغائب قبل أن يتحول الإسفاف إلى هوية

مصطفى صلاح

دراما رمضان 2026.. استعادة الوعي الغائب قبل أن يتحول الإسفاف إلى هوية

مصطفى صلاح
07:00 م الخميس 08 يناير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

ليست الدراما الرمضانية حدثًا فنيًا عابرًا، بل ظاهرة اجتماعية كاملة الأثر، تشبه في حضورها نهرًا موسميًا يتسلل إلى كل بيت، ويترك رواسبه في العقول قبل القلوب. ومن هنا، فإن دراما رمضان 2026 لا تُقاس فقط بما تحققه من نسب مشاهدة، بل بما تزرعه من وعي، أو بما تخلّفه من تآكل في الذوق العام. فالفن، حين يفقد بوصلته، لا يصبح محايدًا، بل يتحول – دون قصد أحيانًا – إلى شريك في صناعة الفوضى القيمية.

المعضلة الأساسية التي تواجه الدراما اليوم ليست في تناول العنف أو القبح الاجتماعي، فهذه عناصر موجودة في الواقع، ولا يجوز إنكارها، بل في الطريقة التي يُقدَّم بها هذا الواقع. هناك فارق جوهري بين دراما تكشف الخلل لتفهمه وتدينه، ودراما تروّج له تحت لافتة “الجرأة” و”الواقعية”. حين تصبح الألفاظ البذيئة لغة أساسية، والبلطجة نموذجًا للقوة، والعنف وسيلة للصعود، نكون أمام فن لا يشرح المجتمع، بل يختصره في أسوأ صوره، ويعيد إنتاجها بلا مساءلة.

في هذا السياق، تبرز تجربة أسامة أنور عكاشة بوصفها مدرسة فكرية قبل أن تكون أرشيفًا دراميًا. فالأعمال الكبرى مثل ليالي الحلمية والراية البيضا وزيزينيا، على اختلاف عصورها وموضوعاتها، كانت مشروعًا واحدًا متكاملًا: قراءة المجتمع المصري في لحظات تحوله، لا عبر الضجيج، بل عبر التحليل العميق. هنا لم تكن الدراما مشغولة بإبهار اللحظة، بل ببناء الذاكرة.

في هذه الأعمال مجتمعة، نرى كيف يمكن للدراما أن تتعامل مع الصراع دون أن تسقط في الابتذال. الصراع كان اجتماعيًا وتاريخيًا وأخلاقيًا، لا استعراضًا عضليًا ولا سباقًا في الألفاظ. الشخصيات لم تكن ملائكية، لكنها لم تكن كاريكاتورية. الشر لم يُقدَّم كبطولة، بل كاختلال، له جذوره ونتائجه. المال حين صعد بلا ثقافة، أحدث خرابًا. والسلطة حين انفصلت عن القيم، أفسدت البشر قبل المؤسسات. والتحولات السياسية حين داهمت الناس، أعادت تشكيل أحلامهم وخيباتهم.

اللغة في هذه التجربة لم تكن ترفًا شكليًا، بل جزءًا من الرؤية. كانت لغة تحترم البيئة دون أن تستسلم لها، وتعكس الشارع دون أن تنحدر إليه. وهنا تكمن القيمة الحقيقية: أن تُخاطب الناس بلغتهم النفسية والفكرية، لا بأدنى مستويات التعبير. لقد فهم عكاشة أن الكلمة، في الدراما، ليست أداة نقل فقط، بل أداة تشكيل، وأن التهاون فيها يعني التهاون في الوعي ذاته.

دراما رمضان 2026، إذا أرادت أن تكون جديرة بلحظتها التاريخية، فعليها أن تستوعب هذا الدرس. نحن نعيش زمنًا شديد الحساسية، تتداخل فيه الضغوط الاقتصادية مع التغيرات الثقافية، ويتراجع فيه منسوب الثقة لصالح منطق الصدام. وفي مثل هذا المناخ، تصبح الدراما إما مساحة لالتقاط الأنفاس وإعادة الفهم، أو وقودًا إضافيًا للارتباك العام.

الدراما الهادفة لا تعني دراما مُعلِّمة أو واعظة، بل دراما تعرف ما تريد أن تقوله، ولماذا تقوله، ولمن. لها هدف واضح: إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه كائنًا مركبًا، لا مجرد أداة عنف أو ضحية دائمة. لها رؤية: أن المجتمع لا يُبنى بالصراخ، بل بالفهم، ولا يُصلح بتطبيع القبح، بل بكشف أسبابه.

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدراما هو ادعاء تمثيل الواقع دون وعي نقدي. فالواقع ليس كتلة صماء، بل شبكة من العلاقات، والتناقضات، والسياقات. ومن يختزل الواقع في الشتائم والبلطجة، لا يقدمه كما هو، بل كما يريد أن يبيعه. وهنا يتحول الفن من مرآة إلى سلعة، ومن رسالة إلى ضجيج.

دراما رمضان 2026 مدعوة لأن تختار: إما أن تكون استمرارًا لحالة الاستسهال، أو بداية لاستعادة الدور التنويري للدراما المصرية. الرهان الحقيقي ليس على موسم، بل على الذاكرة الطويلة. فالأعمال التي تعيش هي التي تمتلك رؤية، لا تلك التي تصنع ضجة مؤقتة.

لقد أثبتت تجربة الدراما الجادة أن الجمهور لا يهرب من العمق، بل يملّ من الاستخفاف. وأن احترام العقل ليس خسارة، بل استثمار طويل الأمد. وإذا كانت الدراما أحد أعمدة القوة الناعمة، فإن تفريغها من المعنى يعني إضعاف المجتمع من الداخل.

دراما رمضان 2026 ليست امتحانًا للفنانين فقط، بل اختبارًا للوعي الجمعي: هل نريد فنًا يشرحنا لأنفسنا، أم مجرد صخب ينسينا ما نحن فيه؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال، يتحدد مستقبل الدراما، ومعها مستقبل الذوق العام.

إعلان

إعلان