إعلان

الفتوة".. روايح الزمن الجميل

منى الموجي

الفتوة".. روايح الزمن الجميل

منى الموجي
09:00 م السبت 23 مايو 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

عالم ساحر خفي لم يسعدنا الحظ أن نكون جزءًا منه؛ "مشربية، يشمك، ملاءة لف، شهامة وجدعنة في وجه ظلم واستقواء نبوت"، كلها ملامح لحارة مصرية قديمة، نجح فريق عمل مسلسل "الفتوة" في جعلنا نعيش زمن أبطال حكايتها، التي وقعت أحداثها قبل 170 عامًا.

صراع لا ينتهي بين أهل الشر والخير، وبينهما أناس يلعبون دور الجمهور يتفرجون لا على فيلم أو مسلسل يتابعون أحداثه الخيالية عبر شاشة، ولكن يشاهدون قدرهم، ينتظرون أن يعطيهم الأخيار حقوقهم التي سُلبت منهم، أما إذا كانت الغلبة لأهل الشر فيسيطر عليهم الصمت، وكأن لا حول ولا قوة لهم، فيمتثل المئات منهم لمصير يحدده لهم أفراد عددهم قد لا يتجاوز أصابع اليدين.

كانت "الفتونة" لعبة زمن مضى، السيطرة للذراع والنبوت، ولا مكان لعقل أو قلب فيه، ومن يحاول أن يلجأ لأي منهما، لا يسلم من الغدر والخيانة وربما الموت.

رغم الحوارات والتصريحات التي تؤكد أن قصة الفتوة بعيدة كل البعد عن حكايات "الحرافيش" العشرة التي كتبها "أديب نوبل" نجيب محفوظ، أهم من رصد ملامح الحارة المصرية القديمة، إلا أن المقارنة تنعقد، وفي رأيي أنها في صالح المسلسل، ليس بمعنى أنهم تفوقوا على أديبنا الكبير، ولكن بمعنى أنهم نجحوا في وضع بصمة خاصة بهم، قائمة بذاتها، واعتبر إشارة البعض أن هتاف أهالي الحارة مستنسخ من أعمال نجيب محفوظ، وغيرها من الأمور الشكلية، شيء طبيعي فهذه حقيقة ما كان يحدث وتبديلها ليس بالشيء الذي سيخلق الاختلاف.

في موضوع المقارنة ستجد عجب العجاب، فيما ردده البعض، فهناك من طالب النجوم بمشاهدة الأعمال السينمائية التي تحدثت عن "الفتونة" لا للابتعاد عن سلك نفس طريقة التمثيل ولكن لتقليدها، ولهؤلاء أوجه سؤالًا: كيف تقولون إنكم لا تريدون مقارنة "الفتوة" بأعمال محفوظ، وفي نفس الوقت أنتم من تطالبون أبطاله بتقليد أداء نجوم أعمال أخرى تتناول الموضوع نفسه؟.

أشار ياسر جلال في حواره مع "مصراوي"، إلى حرصه بالفعل على مشاهدة الأعمال التي قدمها كبار النجوم مثل: "نور الشريف، عزت العلايلي، ومحمود ياسين"، عن ذلك العصر؛ لأنهم مدارس ومراجع كان عليه الاطلاع عليها، لكن دون نسخ أو تقليد، عندما سألته والمؤلف هاني سرحان، لماذا لم تستعينا بإحدى حكايات الحرافيش، أكدا أنهما أرادا تقديم حكاية خاصة بهم وذات مذاق مختلف.

أداء معظم الممثلين في الفتوة يستحق بالفعل الإشادة، إذ اجتهد الجميع للوقوف على تفاصيل تلك الحقبة، من شكل وطريقة كلام، وعلى رأسهم الفنان ياسر جلال، الذي يواصل تقديمه للشخصيات الطيبة الشجاعة التي تتسم بالشهامة والجدعنة، وكأنه تعويض عن سنوات طويلة استمر خلالها في تقديم دور الشاب المستهتر والشرير.

ياسر أكد في حواره لـ"مصراوي" أن بعد (ظل الرئيس) الأعمال التي تأتيه ويُرشح فيها للشخصية الرئيسية يكون البطل هو الرجل الذي يحمل مواصفات يحبها رجل الشارع، حتى يتعلق به، مضيفًا "بالنسبة لمسلسل (الفتوة) وجدنا أننا نفتقد منذ فترة الحديث عن العادات والتقاليد والرجل الذي يراعي الأصول والواجب مع أهل منطقته، ويدافع عن الغلبان، أردنا تقديم نموذج مُشرف لرجل مصري ينتمي للحارة المصرية الناس تقتدي به وتقلده".

كان ظهور الفنانين: "رياض الخولي، إنعام سالوسة، وأحمد خليل"، متميزًا، وكذلك طلة الفنانة فريدة سيف النصر المرأة التي ترتدي ملابس الرجال، وينادونها باسم "الحاج أحمد"، فهي "فتوة" حارتها، تستخدم صوتًا مستعارًا، تشبهًا بالرجال، وهو ما لاق بتفاصيل الشخصية، ولكن كنا نحتاج أن نعرف التاريخ الذي دفعها لهذه الحياة.

بطريقة قريبة من فريدة سيف النصر، حاول أحمد صلاح حسني "التطجين"، وكأنها سمة من سمات "الفتونة"، لكنها وسيلة قد نقبلها من امرأة لإخفاء صوتها الأنثوي لكن عندما يلجأ لها رجل، تصبح نقطة ضعف لا قوة.

وممن يستحقون الإشادة "الست ثريا" أو الفنانة غادة طلعت، ليست بوجه جديد، هي ممثلة عرفها الجمهور في أكثر من عمل، بينها "رحيم"، إلى جانب تألقها في عرض "سينما مصر"، تجعلك تشعر بقسمات وجهها وصوتها، أن امرأة لعوبًا خرجت لتوها من حارة مصرية قديمة، كذلك نجحت الفنانة مها نصار كعادتها في لفت أنظار الجمهور لشخصية زينب بحرفية ممثلة متمكنة من أدواتها.

أجادت الفنانة نجلاء بدر هي أيضًا في دور "جميلة" طريدة الجمالية، راقصة الخمارات، التي تعشق من لا يحبها وترفض حب "عزمي أبوشديد" نجل الفتوة، ورسم المؤلف هاني سرحان الشخصية بطريقة أقرب للكمال، فهي إنسانة من لحم ودم، يدفعها رفض من تحب وإيذاؤه النفسي لها، بأن تتحول لشخص آخر، يتعلم كيف يستمتع باللحظة التي يعيشها، حتى لو كان يعلم أنها لن تدوم، كما قالت لحماتها "حسيبة" عايدة رياض.

وهناك أيضًا "عابد" أو الشيخ مبروك المزيف، أحمد خالد صالح، الذي بات قطعة من والده الفنان الراحل خالد صالح، لكنه يجتهد؛ لتكون سيرته طريقته تخصه، كذلك ينبئ أداء ليلى أحمد زاهر، بمستقبل مشرق لفتاة يستحق أن يطلق عليها "ابن الوز عوام"، كان من الممكن أن يكون أداء محمود حفيد الفنان محمود ياسين، ونجل الفنان والمؤلف عمرو محمود ياسين، أفضل من ذلك، ولكن كونها الخطوة الاحترافية الأولى فهي ليست بالسيئة، وكان للوجه الجديد غفران محمد إطلالة استحقت عليها الإشادة في دور سكر التي تحلم بتأسيس باب القبول، وتنسي أنوثتها.

أعيب على المسلسل، وتحديدًا بعض النساء فيه، اهتمامهن بجمالهن على حساب الصورة التي يجب أن تظهر عليها نساء العصر، فلم تتخلين عن الرموش الصناعية، ولا يمكن لنساء ذلك العصر وتلك الطبقة أن تكون أظافرهن أكريليك، وصحيح أن ملابسهن تشبه العصر لكن جعلتنا نشعر كمشاهدين باختناق كونها أضيق مما ينبغي أن تكون عليه.

نقلنا الديكور لأجواء ذلك العصر، شكل "الدكاكين" والنحاس، والأرابيسك، والهندسة المعمارية لحارة الجمالية، أما الموسيقى فأثارت شجننا تجاه ذلك الزمن، تذكرك بالموسيقى التصويرية التي كنا نسمعها في أعمال رمضانية كلاسيكية ما زالت خالدة، تغوص في شرقيتنا، من خلال العود والقانون.

وزادت الإضاءة من حنيننا لذلك العالم بنعومتها، وساعدتنا على الاندماج في أحداثه، بقيادة مخرج يثبت في كل تجربة إخلاصه الشديد؛ لتقديم عمل يُضاف لرصيده قيمة وجمالًا، لا مجرد رقم، إذ نجح في إدارة عناصر العمل المختلفة، بصورة جعلت الجمهور يتمنى لو وجد آلة زمن تنقله لذلك العصر. فإذا حدث ووجدت هذه الآلة فأي شخصية تتمنى أن تكون؟!.

"الفتوة" تأليف هاني سرحان، إخراج حسين المنباوي، بطولة: "ياسر جلال، أحمد صلاح حسني، مي عمر، نجلاء بدر، أحمد خليل، رياض الخولي، إنعام سالوسة، عايدة رياض، مها نصار، غادة طلعت، أحمد خالد صالح، محمود حافظ، ليلى أحمد زاهر، وهنادي مهنى".

إعلان