لا تردد لا تأجيل

د. جمال عبد الجواد

لا تردد لا تأجيل

د. جمال عبد الجواد
06:55 م الجمعة 03 أبريل 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

قبل بدء حظر الكورونا، وقبل أن يصبح البقاء في البيت "واجب الوقت"، قبل كل هذا كان الكثير من الناس والأشياء يردون على خاطري، كانت نفسي تتشوق لرؤية أقارب وأصدقاء، وكنت أحن لزيارة أماكن، بعضها عشت فيه ولي فيه ذكريات كثيرة، وبعضها الآخر أحببته مما سمعته أو قرأته عنه. كان هذا يحدث كثيرا، لكنني كنت دائما أتعلل بالانشغال وضرورات العمل، وكنت أتقبل كسلي وأعذاري ظنا أنه سيأتي وقت يكون فيه كل هذا ممكنا، وأنني أستطيع أن أفعل هذا في أي وقت أشاء. الآن لدي كل الوقت اللازم لرؤية كل الأصدقاء والأقارب، ولزيارة كل الأماكن، لكني محبوسا في البيت أغلب الوقت، إلا للضرورة، متجنبا الناس، حماية لهم ولنفسي أيضا. فيالها من مفارقة.

المساجد موجودة حولي في كل مكان، وكنت أتطلع للصلاة فيها، وكنت دائما أجد سببا لتأجيل ذلك للصلاة القادمة، وللجمعة التالية. الآن لدي كل الوقت وكل الشوق لكن المساجد مغلقة. ماذا عن البيت الحرام. كم مرة أجلت زيارته بسبب الحر، وانتظارا لتوفير مال يكفي لحج أكثر فخامة وأقل إرهاقا؛ أما اليوم فإن السفر للأراضي المقدسة بات مستحيلا، حتى لو توافر لدي مال الدنيا، فهل سيكون بإمكاني زيارة الكعبة ومسجد الرسول قريبا.

يقولون إن الناس، بعد فوات العمر، لا يندمون على أشياء فعلوها، وإنما يندمون على الأشياء التي لم يفعلوها؛ وها هي كورونا تساوي بيننا، وتفرض علينا جميعا، حتى الشبان منا، حياة كحياة العجائز، فالجميع مجبرون على البقاء في البيت، كما لو كان الزمن قد مر بنا جميعا، ودخلنا في شيخوخة معممة، بما في ذلك الشبان منا، الذين لم يعد لديهم سوى الأيام التي عاشوها بالفعل، أما أيامهم الباقية فلا أحد يعلم متى ستأتي في ظل هذا الوباء المقيت.

المؤكد أن الوباء سينتهي عاجلا أو آجلا، وأننا سنستعيد حياة طبيعية من نوع ما؛ والمهم هو أن تقطع عهدا بأنه عندما يحدث ذلك فإنك لن تتردد ولن تؤجل تنفيذ أي فكرة طيبة ترد على ذهنك. لو مر على خاطرك خالك الذي لم تره منذ سنوات فرتب لزيارته فورا؛ ولو تذكرت صديق الطفولة الذي كان لسنوات قرينك الحميم وموضع سرك، فابحث عنه حتى تجده، وابحثوا معا عن باقي أصدقاء الطفولة، واستمتعوا بجلسة إحياء الذكريات، فالذكريات هي أغلى ما يبقى لنا في النهاية. هل تذكر المقهى في الحي الشعبي الذي كنت تجلس عليه مع أصدقاء خرجوا توا من أيام المراهقة، وقبل أن يستغرق كل منكم العمل وتكوين الأسرة والسعي وراء الرزق في الخليج، ليترك بعدها الحي الشعبي، وينتقل للعيش في بيت جميل اشتراه في الضاحية الجميلة البعيدة. لو طافت بذاكرتك صورة مقهى الأيام الخالية، فابحث عنه، فربما كان مازال موجودا، وعندما تنتهي الجائحة، اذهب لزيارته، واشرب الشاي هناك جالسا على أحد كراسيه المحطمة، وأمامك واحدة من موائده المعدنية العالية ذات الأرجل الرفيعة؛ ولا تنسى وأنت في الطريق إلى هناك أن تقرأ الفاتحة في مقام الولي الصالح الذي غبت كثيرا عن زيارته، فلعله يفتقدك كما تفتقده.

إعلان

إعلان