إعلان

ليس دفاعًا عن المهرجان ولكن عن الحرية

د. جمال عبد الجواد

ليس دفاعًا عن المهرجان ولكن عن الحرية

د. جمال عبد الجواد
09:00 م الخميس 20 فبراير 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

جملة الخمرة والحشيش فتحت باب جهنم على المهرجانات. لكن الحرب على المهرجانات أقدم من ذلك، ومن قبل أن يهدد حسن شاكوش بنت الجيران بشرب الخمرة والحشيش إن هي هجرته. فقد تم منع حفلات بعض مغنيِّ المهرجان من قبل، وتم إيداع حمو بيكو السجن شهرًا بتهمة الغناء بدون ترخيص. فكرة الترخيص بالغناء في حد ذاتها هي فكرة مزعجة، فبمقتضاها أصبح من سلطة عدد لا يتجاوز أصابع اليد من الناس أن يختاروا للمجتمع كله ما الذي يمكن له أن يسمعه. في عموم الناس قصور ونقص معرفة لا يسمح لهم بأن يقرروا لأنفسهم في أحيان كثيرة، فلا يمكن لكثيرين منهم التمييز بين سياسة اقتصادية وأخرى، أو مذهب سياسي وآخر؛ لكن المؤكد أن أكثر الناس بساطة وأقلهم تعليما يعرف بالضبط نوعية الموسيقى التي تفرحه أو تشجيه، أو تلك التي يتراقص عند سماعها؛ وهذه هي الموسيقى التي يقرر سماعها باختياره وإرادته، فلماذا يريد البعض حشر أنفسهم بين الفرد ومزاجه الموسيقي، ومصادرة إرادة الناس وحقهم في الاختيار.

لا أعرف بالضبط متى ولدت بدعة تولي نقابة الموسيقيين الترخيص بالغناء عندنا، لكن العجيب أن النقابات التي تدافع عن الحرية في بلاد الدنيا تتحول في بلادنا إلى أداة تقييد. كان للإذاعة المصرية منذ تأسيسها عام 1934 لجان استماع تجيز المطربين والملحنين؛ لكن هذه اللجان لم تكن تمنح تصريحًا بالغناء أو تمنع هذا التصريح، فقد كانت فقط تختار من لهم حق بث أغانيهم في الإذاعة، ومن حكم في ماله ما ظلم.

المصري المعاصر بات محرومًا من حرية الاستماع للغناء التي تمتع أجداده بها، عندما كانت المغنية تشجع حبيبها على تدليعها فوق السرير، وتطلب منه أن يرخي الستارة حتى لا تجرحهم أعين الجيران البصاصين، أو عندما غنى شيخ المبدعين سيد درويش للحشاشين. غنت نعيمة المصرية "هات الإزازة ولاعبني"، و"خد البزة واسكت"، وغنت أيضا "يا بلح زغلول" للزعيم سعد بعد نفيه. غنى درويش في عز ثورة 1919، وغنت العوالم بينما كان الإمام محمد عبده ينير الطريق للمصريين، وعندما كان أحمد لطفي السيد باشا يجمع الأموال لبناء الجامعة، ومصطفى كامل يهتف "بلادي بلادي لكي حبي وفؤادي"؛ فلم يمنع الغناء الخليع ازدهار الوطنية ونهضة المجتمع.

التعارض المفتعل بين الغناء الهابط والوطنية والجدية هي معادلة في ذهن أصحابها من هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم قيمين على الذوق العام. أكثر ما يلفت نظري في هذه المعركة هو شبهة تعارض المصالح، التي توحي بأن بعض الفنانين يشعرون بالغيرة من نجاح فنانين آخرين، فراحوا يطلقون عليهم الألقاب، ويسلطون عليهم السلطات، بزعم الدفاع عن الذوق العام، فاجتنبوا مواطن الشبهات.

غير المهرجان طقوس الاحتفالات في مصر، عندما أتاح للناس موسيقى يرقصون عليها. في عهد ما قبل المهرجان كانت الراقصة الشرقية ترقص وحدها، ويتفرج عليها المعازيم، بينما قد يتجرأ أحد الشبان؛ ليصاحبها الرقص بخلاعة مسموح بها في الأفراح. رقص المهرجان أقل خلاعة من الرقص الشرقي، لهذا استهوى مزاج المصريين المحافظ، وهو رقص جماعي يشارك فيه الكل، وهذا ما أزعج حراس الذوق العام الذين يكرهون أن يرقص كل من هب ودب.

لست بحاجة إلى إطلاق نبوءة حول مصير قرارات المنع إياها، وأثرها على الذوق العام، وما إذا كانت ستؤدي إلى القضاء على المهرجان، أم أنها ستسهم في الترويج له؛ فنتيجة هذه القرارات واضحة على السوشيال ميديا. دعوا الناس تغني وترقص، وافتحوا النوافذ لكل ألوان الفنون. قد تكون هناك كلمة خارجة هنا وأخرى هناك، فيكفي التنبيه الرقابي والعقاب المناسب المتدرج، أما المنع والسجن فأمور أربأ بفنانين أن يرتكبوها ضد أي أحد، حتى لو كان من مدعيِّ الفن.

إعلان