• الحرائق السياسية في غابات الأمازون

    عبد الهادي محمد عبد الهادي

    الحرائق السياسية في غابات الأمازون

    د. عبد الهادى محمد عبد الهادى
    09:01 م الجمعة 13 سبتمبر 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    تزايد الغضب الدولي خلال الأسابيع الماضية ضد موجة الحرائق المنسقة والمتزايدة في غابات الأمازون البرازيلية، ونشرت مجلة "الرأسمالية – الطبيعة - الاشتراكية" في عددها الصادر يوم 2 سبتمبر 2019 مقالا مطولاً لـ"ميليزا فيجيروا" تحت عنوان "الحرائق السياسية في الأمازون: حقوق الأرض والسيادة لشعوب الغابات التي يمكن أن تنقذنا جميعا".

    والكاتبة أستاذة في الجغرافيا في جامعة "بيركلي" الأمريكية، وصحفية وكاتبة، وعضو نشط في عدد من الحركات الاجتماعية البيئية، وفي ضوء خبرتها الطويلة بالمنطقة التي درستها لعشر سنوات.

    وفي محاولة لفهم ما يحدث قدمت الكاتبة نظرة تاريخية مفصلة للأوضاع هناك، وحاولت تفسير الموجة الأخيرة من الحرائق في سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي. تقول "ميليزا" إن شعور المواطنين ونشطاء البيئة بالقلق من جراء الحرائق ودعوتهم إلى العمل من أجل إنقاذ الأمازون هو أمر رائع، لكن الكثير من الجدل الدائر في وسائل الإعلام ينظر إليه من خلال العدسات المحددة لمفهوم البيئة السائد في الدول الغربية، ويتجاهل جوانب مهمة للغاية، ومن ثم يعوق قدرتنا الجماعية على القيام بتدخلات فعالة.

    بدأت "ميليزا" في كتابة هذا المقال كـ"بوستات" متتالية على حسابها الشخصي في وسائل التواصل الاجتماعي، وأثناء ذلك توصلت إلى أنه يتوجب عليها مواجهة الكثير من سوء الفهم، وتوضيح الكثير من المفاهيم الخاطئة حول الأمازون، والتي تداولتها خطابات النشطاء وانتشرت كفيروس عبر وسائل الإعلام المختلفة، وبعيدا عن غضب النشطاء وضجيج وسائل الإعلام وتناقضاتها والدفاع الهيستيري عن العولمة الرأسمالية وسياسات "بولسونارو"، ترى "ميليزا" أن استقصاء الحقيقة والسعي للوصول إلى القصة الأصلية، هو أفضل ما يخدم القضية.

    بادئ ذي بدء، علينا أن نفند الحجة الأبرز - والأكثر إثارة للجدل - وهي أن السبب الرئيسي في الحرائق هو الطلب الأمريكي المتزايد على استهلاك اللحوم. تعتبر عمليات التصنيع الزراعي وتربية الماشية نشاطا غير مريح، ويلحق الكثير من الأذى بالبيئة والحيوانات، لكن من المهم زيادة إنتاج الأغذية، ومع أنه صحيح أن زيادة الطلب على استهلاك اللحوم في العالم يبدو كأحد العلامات على الطبقة الوسطى المتنامية في الاقتصاديات الناشئة، إلا أن نسبة قليلة جدا من لحوم البقر وفول الصويا البرازيلية تستخدم في الولايات المتحدة الأمريكية، وتبقى الولايات المتحدة، إلى جانب البرازيل، منتجتين رئيسيتين للحوم البقر وفول الصويا، لكن حصة الأسد من صادرات البرازيل من هذه المناطق تذهب إلى الصين والشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي.

    فول الصويا، على وجه الخصوص، هو ما يسمى بـ "المحصول المرن"، وهو مادة خام زراعية - صناعية يتم إنتاجها وفقًا لمواصفات موحدة، ويمكن بيعها للعديد من الأسواق، حيث يدخل في صناعة عدد لا يحصى من المنتجات، من بينها صناعة الأعلاف الحيوانية واللحوم المزيفة والديزل الحيوي والبلاستيك ومقاعد السيارات، ويعني هذا أن المنتجين البرازيليين وشركاؤهم في الشركات عبر الوطنية يمكنهم التحوط من الاضطرابات في أي سوق بمجرد البيع إلى مشتر آخر. ومثال ذلك البروتين النباتي الخش(TVP) ، وهو مصدر رئيسي لبروتين الصويا، ومكون أساسي في العديد من النظم الغذائية النباتية، يعد ملكا حصريا لشركة "آرشر دانيلز ميدلاند"، وهي شركة عبر وطنية استثمرت بكثافة في إنتاج ومعالجة فول الصويا البرازيلي.

    ومع أن خفض استهلاك اللحوم يعد خيارا شخصيًا محترمًا لأسباب أخرى متعددة، فإن مقاطعة "الهامبرجر" باسم الأمازون لن يفعل سوى القليل جدًا، ولن تؤثر في عمل هذه الشركات، لذلك، وفي هذه القضية بالذات، لا يكفي التصويت بشوكة الطعام!

    الاعتقاد الخاطئ الثاني هو أن الأمازون "رئتا الأرض"، وهي بالفعل ليست كذلك؛ لأن مساهمتها الصافية في إنتاج الأكسجين الذي نتنفسه تكاد تقترب من الصفر، حيث تستهلك الغابة كمية الأكسجين التي تنتجها تقريبا، لكن هذا لا يعني أن غابات الأمازون ليس من الأهمية بمكان بالنسبة لأنظمة الكوكب.

    تكمن أهمية الأمازون الحقيقية في دورها كمنظم أولي وموزع للحرارة ودرجة الحرارة على سطح الأرض، وبالتالي، إذا لجأنا لاستخدام الاستعارات، فيمكننا القول بأنها أشبه بـ"ما تحت الأرض"، ورغم عدم جاذبية الاستعارات، إلا أن إزالة الغابات في الأمازون تمثل تهديدا رئيسيا في تغير المناخ، حيث تؤدي زيادة تجزئة الغابات في النهاية إلى جفاف النظام، وتراجع مساحة الغابات يحفز حدوث حلقات تغذية مرتدة من شأنها أن تسرع ظاهرة الاحتباس الحراري.

    هناك ادعاء آخر، يتبناه بشكل خاص مسؤولون حكوميون لتبرير تقاعسهم عن العمل وظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الصحافة التجارية، وهو أن موجة الحرائق الحالية ليست ظاهرة جديدة، وأنها في الواقع "أقل بكثير من المعتاد" لهذا الموسم، أي أنه على الرغم من وجود عدد قياسي من الحرائق هذا العام، فإن هذا لا يعني أن مدى الاحتراق لم يسبق له مثيل. صحيح أن الأرقام تؤكد هذا، لكن هذه الأرقام تخفي حقيقة أكثر قتامة حول ما يحدث. وتوضح الرسوم البيانية لمساحة الغابات التي تمت إزالتها منذ عام 1988 وحتى العام الحالي أنه على الرغم من زيادة معدل حرق الغابات الذي سبب مزيدًا من القلق خاصةً في ظل الظروف السياسية المضطربة، فهو ليس جديدًا ولا غير مسبوق.

    لفهم الآثار الحقيقية للحرائق علينا أن نأخذ بعين الاعتبار مواقع الحرائق، وليس فقط عددها، أو حدودها المكانية. عاشت "ميليزا" في منطقة "سانتاريم" في الفترة 2015-2016، وهي مدينة مزدهرة متوسطة الحجم ومركز رئيسي للشحن تقع عند التقاء نهري "أمازون" و"تاباخوس"، كانت تطبق بحثًا ميدانيًا كجزء من رسالتها للدكتوراه في مجال "الحراجة الزراعية في المناطق المحيطة بالمدن". في ذلك الوقت، كانت حدود مزارع فول الصويا تتجه شمالًا نحو المدينة عبر ولاية بارا، وفي موسم الجفاف، كان دخان الحرائق كثيفا جدا خلال عدة أيام لدرجة ألزمتها البقاء بالمنزل لأوقات طويلة.

    تعد الحرائق وإزالة الغابات عملا موسميًا ثابتا في المنطقة، وعلى مستوى الأسرة، تعد الممارسات التقليدية المتمثلة في الحرق المتحكم فيه لتحسين التربة وإنتاج الفحم، إحدى السمات المميزة للحياة اليومية في الأمازون، لكن زيادة معدل الحرائق يعتبر خروجا عن الاتجاه الذي ساد خلال العقد الماضي، وتشير الأرقام إلى أنه عندما كانت الرقابة الحكومية في أقوى حالاتها، انخفضت معدلات إزالة الغابات بنسبة 75%، لكن ما هو أكثر أهمية من عدد الحرائق، المكان الذي تحدث فيه الحرائق على خريطة البرازيل.

    إن قراءة فاحصة للخرائط، تكشف بوضوح أن التوزيع المكاني للحرائق ليس عرضيا، ولا عشوائيا، وأنه – على ما يبدو - ليس نتيجة لأهواء "بولسونارو" المجنونة، وتظهر الخرائط أن معظم الحرائق الحالية تحدث في الأراضي المملوكة ملكية خاصة، والتي تعتمد على المناطق المخصصة للحفاظ عليها طبقا لما نص عليه في قانون الغابات، فسيفساء شاسعة من أراضي الشعوب الأصلية، والمناطق المحمية، والمحميات الاستخراجية، حيث تعيش مجتمعات الأمازون التقليدية وتحافظ على سبل عيشها من خلال إدارة الغابات.

    الحرائق المشتعلة الآن سياسية، وهي ليست مدفوعة ببساطة من قبل قوى السوق التي تهدف للربح، على الرغم من أنها الهدف النهائي للضغوط الاقتصادية (الركود والتقشف) التي تعرض لها السكان خلال السنوات الخمس الماضية، والتي كثفت من معدل إزالة الغابات والاستغلال وفتح الصراع على الحدود. وهي أيضا تعبيرات وإحدى أدوات القوة في صراعات عرقية وطبقية على الأرض، والموارد استمرت لقرون وشكلت على نحو ما إحدى أهم تضاريس السياسة البرازيلية، وتدور حول الانتقام التاريخي للطبقة الحاكمة الاستعمارية في المناطق الريفية، ضد القبائل الأصلية وغيرهم من "الشعوب الحراجية" و"شعوب الغابات" كصانعي المطاط والمستخلصين الصغار، "الكويلومبولاس - أو العابرين"، وهي لفظة تطلق على أحفاد الأفارقة المستعبدين الذين فروا إلى الغابات قبل قرون وتجرأوا على وقف الاستغلال المتفشي في إحدى أكثر مناطق الكوكب ثراء بالموارد الطبيعية وطالبوا بحقوقهم المشروعة في الحفاظ على الغابات كمشاعات ثمينة من أجل حياتهم ومن أجل العالم.

    جاء "بولسونارو" من أقصى اليمين إلى الرئاسة كممثل لمصالح كبار ملاك الأراضى ومربي الماشية وتجار الأخشاب، وتبنى في حملته الانتخابية خطابا عنصريا يبرر الإبادة الجماعية لشعوب الغابات والمصالح الزراعية التي تمثلها المناطق الريفية والأراضي التي سال لعابهم عليها لعقود، ومنذ اليوم الأول، كون "بولسونارو" شبكة من الوكالات الحكومية والمنظمات غير الحكومية المسؤولة عن حفظ الغابات وإدارتها، ومع الضربة الأخيرة التي وجهها الرئيس إلى الوكالة الفيدرالية للمراقبة والتنفيذ (IBAMA) والتي جردت تماما من سلطتها في وقف إزالة الغابات على أرض الواقع، يكون "بولسونارو" قد وفَّى بوعده لأنصاره وأعطاهم الضوء الأخضر لإطلاق المزيد من الحرائق والدخان لطرد شعوب الغابات الذين يقفون في طريق مشروعاتهم الخاصة.

    لكن أكثر ما يتعرض للخطر في هذه الموجة من الحرائق – والذي يكمن وراء جميع القضايا الأخرى - هو الكفاح الوجودي للشعوب الأصلية والتقليدية من أجل حقوق الأرض والسيادة، وهو الركيزة الاجتماعية والسياسية لحفظ الغابات في أمازونيا.

    يشن "بولسونارو" وزملاؤه، جنبا إلى جنب، مع مؤسسات التمويل الدولية والشركات عبر الوطنية، حرب إبادة جماعية وأيديولوجية ضد شعوب الغابات، وضد نموذجهم القاعدي والأصيل في الديمقراطية التشاركية، والذى يقوم على سياسات اجتماعية- بيئية "أو إيكولوجية" بنوها على مدار الثلاثين عاما الماضية، إن ما ابتكرته هذه الشعوب هو نموذج فريد في المقاومة من أجل البقاء، الجسدي والثقافي، وهم يواصلون الكفاح من أجله، وهو النموذج الذي غير من قواعد السياسة البيئية في الأمازون، ويمكن – إذا أخذنا الوقت الكافي لفهمه - أن يغير من قواعد اللعبة في كوكبنا.

    ومن أجل فهم أعمق للحظة الحالية تلفت الكاتبة النظر إلى كتاب "مصير الغابة" لكل من "سوزانا هيشت" و"ألكسندر كوكبورن"، وهو في نظرها أفضل كتاب (في اللغة الإنجليزية) يعرض لمراحل النضال ضد إزالة الغابات في البرازيل خلال فترة حكم الديكتاتورية العسكرية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وكذلك في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية، كما يعرض للدور القوي لأكثر سكان البرازيل تهميشا في صياغة دستور البلاد لعام 1988، الذي يقنن حقوق الأرض والسيادة للشعوب التقليدية، ويضع الأساس لنظام أكثر تطوراً للمحميات الاجتماعية - الإيكولوجية في العالم.

    يقدم الكتاب بعضًا من التاريخ السياسي والاجتماعي الذي يقف وراء "بيئة العدالة"- أو العدالة البيئية - التي تحمي الغابات وتحافظ عليها وعلى سكانها، باعتبارها المنتج التاريخي والسياسي والثقافي والإيكولوجي لعملية ديمقراطية في التعاون والمشاركة وبناء الدولة من أسفل إلى أعلى.

    تقوم منظومة البيئة الاجتماعية – أو - الإيكولوجيا الاجتماعية - في جوهرها على أخلاقيات وعلم الحفاظ استنادا إلى مصفوفة من النظم الإيكولوجية المأهولة التي يديرها الإنسان، إنها المنتج الحي والمتطور للحركات الاجتماعية والشعوب التقليدية المنظمة في النضال، ومثال مدهش لما يمكن أن يحدث عندما تتوفر القدرة السياسية والاجتماعية لدى الشعوب المهمشة لتقرير المصير، وأن تصبح مشاركًا نشطًا واعيًا في تحديد معاني المصطلحات التي تعيد تشكيل العالم. لقد رأت "ميليزا" هذه العملية الديمقراطية على مستوى القاعدة الشعبية أثناء عملها في اجتماع المجلس الوطني للسكان المستخلصين في عام 2015، حيث جلس الأعضاء في دوائر مع قادة الحركة والأكاديميين والخرائط ومندوبي الوكالات الحكومية لصياغة سياسات استخدام الأراضي وإضفاء الشرعية على طريقتهم في الحياة والخدمات البيئية التي يقدمونها للأرض وللبشر.

    ويصف الكتاب البيئة الاجتماعية الأمازونية بأنها "نوع جديد من السياسة الاجتماعية التي نشأت... من شعب ضائع وغير مرئي... سياسة للمواطنة تسعى لحماية الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والمدهش، حماية الطبيعة نفسها"، كما أنه "ينتشر ويلهم الآخرين في العالم تبني مجموعة متكاملة من السياسات البيئية غير الأوروبية غير الأمريكية في بلدان الجنوب".

    تجبرنا هذه السياسة على إعادة النظر في الكثير مما نعرفه عن "البيئة" في المجتمعات الرأسمالية الصناعية المتقدمة، وأن نعيد النظر في التناقض المزعوم والوهمي بين المجتمع البشري والطبيعة، وفي فرضية "مالتوس" حول "مأساة المشاعات" التي تفترض أن تعظيم استخدام البشر للموارد يؤدي دائمًا إلى تدهور بيئاتهم.

    بالنظر إلى الخيار المشؤوم الذي تواجهه البشرية اليوم - بين تغيير علاقتنا الأساسية مع بيئتنا، أو مواجهة الدمار الكوكبي والانقراض الجماعي - قد يكون التخلص من بعض هذه الأفكار القديمة أمرًا جيدًا للغاية، فغابات الأمازون أكثر بكثير من مجرد مجموع عملياتها البيوفيزيائية وحلقات التغذية الراجعة التي تحدث فيها؛ تزدهر الغابة بسبب، وليس على الرغم من، الناس الذين عاشوا فيها معا لأجيال.

    إن نمط إنتاج الكفاف والمنتجين الصغار الذين كانوا في صميم البحث يجيدون أيضا وبشكل ملحوظ في زراعة الأشجار، ما يعكس حسًا إيكولوجيًا مشتركًا تم توارثه عبر أجيال من أسلافهم الأفارقة والمعارف الفلاحية التقليدية، وتعكس الاستخدامات التقليدية للحرائق المتحكم فيها لتحسين التربة أيضًا تراثا قديما في جميع أنحاء منطقة الأمازون، وخلاصة خبرات الأجداد في زراعة الغابة لآلاف السنين، ومكونا سريا خاصا لكثير من ثروتها الإثنية وإنتاجيتها ومرونته.

    لا يمكن للمرء أن يعرف القصة الكاملة وراء تراجع حرائق الغابات في العقد الماضي دون النظر في دور عمليات إعادة التوطين، وإدارة الأراضي، والعلاقة بين الثقافة المحلية والأراضي التي تعد جزءا لا يتجزأ من سبل العيش في الغابة.

    إن تغيير الحياة وتغير العالم هو رهن بالقدرة على تصور مجموعة جديدة من العلاقات الاجتماعية والمؤسسية مع الطبيعة، وتثمين المعارف الأصلية والتقليدية بطرق لا تقسمها إلى سابقة للحداثة وأخرى ضرورية للاستهلاك، والنظر في نماذج العمل للأنظمة الاجتماعية - البيئية التي تعزز النظم الإيكولوجية ذات الكثافة البشرية بدلاً من تركها للتحلل وعدم الاستقرار، إنها تتيح لنا التمييز بوضوح بين "الطبيعة البشرية" والطبيعة الرأسمالية، ويفتح هذا الفهم عيوننا على طريقة أخرى لرؤية أنفسنا في العالم، ويشير إلى مسارات جديدة يمكن خلالها الانتقال من مشهد رأسمالي إلى مشهد إنثربولوجي إنساني، ومن ثم إلى نقطة أرقى في فهم الطبيعة والمجتمع، حيث نتعلم كيف نأخذ مكاننا الصحيح كنوع من بين الأنواع الأخرى التي تعيش على الأرض، لكن نوعًا من الأنواع الأساسية التي تعمل بوعي جماعي لبناء والحفاظ على الأرض صالحة للحياة للأجيال القادمة من البشرية والأنواع الأخرى من غير البشر.

    هذا التحول في النظر - أو الرؤية التحويلية – لصالح بقاء هذه الشعوب والحركات الاجتماعية التي عبّرت عنها وسنتها - هي ما يتعرّض للخطر في معركة الأمازون ضد "بولسونارو". وتحذر "ميليزا" من أن قصر تركيزنا على سياسة الاستهلاك فقط، باعتبارها مسؤبوليتنا الإيكولوجية الوحيدة، يعزز من فرص استحواذ الاستعمار والشركات والمستثمرين على المعارف والخبرات والغابات التي لا تقدر بثمن وتهدد بمحو الشعوب الأصلية والتقليدية من الوجود، هذه الشعوب التي ناضلت بقوة وضحت من أجل الحفاظ على القلب الحي للغابات التي تخدمنا جميعا.

    نحن مدينون لهم بالكثير، إن معرفتهم ووكالاتهم في حماية الغابات هي بنفس أهمية البيانات التي قدمها علماء المناخ في الفريق الدولي المعني بتغير المناخ التابع للأمم المتحدة، ويمكن للمهتمين ونشطاء البيئة والمناهضين للرأسمالية مساعدة أمازونيا بطريقة أكثر فاعلية من خلال وضع صراعات الشعوب الأصلية والتقليدية في المقدمة، وأن تكون في صميم روايتنا للقصة ونحن نخبر الناس عن الأزمة، هم يطالبون بحماية حقوقهم في الأرض والسيادة من عدوان القوى التي تلحق أضرارا لا حصر لها، ليس بالأشجار فقط، بل بالبشر الذين لا تنفصل حياتهم وسبل عيشهم عن حياة الغابة.

    يمكننا أن نفعل الصواب من خلال السماح لأصواتهم ومطالبهم أن تحتل الأولوية التي يستحقونها ونحن نسعى إلى بناء تضامن دولي عابر الحدود، ومن خلال ممارسة الضغط على أي وكل مؤسسات الحكم والتجارة والمجتمع المدني ذات الصلة، ويجب احترام وإنفاذ القوانين المرسومة المتعلقة بالحقوق غير القابلة للتصرف للشعوب الأصلية في أراضي أجدادهم على النحو المنصوص عليه في دستور عام 1988.

    يمكننا تغيير مسار التدمير في أمازونيا، وفي العالم بأسره، من خلال السماح لشعوب الأمازون بتغييرنا، من خلال الاعتراف بالمساهمات الخاصة التي لا تقدر بثمن لهذه الشعوب والحركات الاجتماعية في ثورة التفكير الاجتماعي - البيئي ونحن نحاول تجاوز الأزمة الاجتماعية والاقتصادية العالمية، علينا أن نتحلى بالتواضع، وأن نحاول فهم الأفكار الاجتماعية البيئية، ووجهات نظر وصراعات الشعوب الأصلية والمستعمرة، وبدلا من أن نقدم أنفسنا لهم كمنقذين، علينا أن نسير معهم وأن ندعم تلك الحركات الاجتماعية وفقا لشروطهم الخاصة.

    ترتكز مبادئ البيئة الاجتماعية – أو - الإيكولوجيا الاجتماعية - على مجموعة من النضالات الأخرى في جميع أنحاء العالم والتي لا تنفصل فيها العدالة الاجتماعية عن حماية البيئة: الحركات من أجل السيادة الغذائية، العدالة المناخية، حماية المياه، الدفاع عن الأراضي المقدسة، استعادة الملكية العامة لبحيرات المياه وأسماك السلمون، الإيكولوجيا الزراعية، وحماية غابات الأمازون وشعوبها، لكننا لن نتمكن من إنقاذ الأمازون أو الأرض دون القتال من أجل الأشخاص الذين جعلوا من النظم الإيكولوجية المتكاملة أمرًا ممكنًا...

    في الغابة: هناك بشر!

    إعلان

    إعلان

    إعلان