الشهرة والنجومية وقلة القيمة

د. أحمد عمر

الشهرة والنجومية وقلة القيمة

د. أحمد عمر
09:01 م الأحد 25 أغسطس 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

في العقود البعيدة الماضية، كانت الشهرة والنجومية في مصر غاية بعيدة المنال، تأتي بعد حياة من العمل والإجادة والتفوق في ميدان ما، وتخلق للإنسان قيمة معنوية خاصة في سياقه ومجتمعه، كما تهبه منافع مادية، وتجعله شخصية عامة، يُنظر إليها باحترام وتقدير، بحيث يصير قدوة ومثلا أعلى للكثيرين.

صحيح كانت هناك حالات استثنائية لشهرة تأتي من الخروج على القانون والعرف والتقاليد، وعبر ارتكاب سلوكيات وأفعال يرفضها المجتمع، لكنها كانت شهرة ونجومية مذمومة تجلب العار وقلة القيمة على صاحبها وأهله، وتجعله مهما حقق من مكتسبات مادية مستهجنًا ومرفوضًا بشكل أخلاقي واجتماعي.

وهذا يعني أن الشهرة والنجومية كانت فيما مضى، وحتى منتصف سبعينيات القرن الماضي في مصر تُؤسس على امتلاك صاحبهما لمواهب ومهارات حقيقية، يقوم على صقلها وتطويرها دائمًا، ويعمل في ميدانه المهني بصبر وجد واجتهاد، لكي يتقدم وينجح، ويحتل الصدارة، ويصبح ملء السمع والبصر، وموضع محبة وتقدير المجتمع، سواء أكان هذا الشخص فنانًا ومطربًا أم صحفيًا أم أديبًا أم مفكرًا أم سياسيًا أم رجل مال وأعمال.

وهذا يعني أنها كانت- في الأغلب الأعم- شهرة ونجومية مؤسسة على قيم إيجابية كثيرة، وصانعة وملهمة لقيم إيجابية أكثر؛ فلا نجومية حقيقية، دون تكريس حضور قيمة إنسانية ومهنية وأخلاقية وثقافية.

ثم جاءت مع بداية الثمانينيات وحتى لحظتنا الحالية، متغيرات اجتماعية وسياسية وإقليمية ودولية وتكنولوجية، أحدثت ظاهرة في منتهى الخطورة في المجتمع المصري، وجسدت بداية الانحطاط فيه، وهي انعدام معايير واضحة للصعود والترقي المهني والاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي انعدام معايير حقيقية للشهرة والنجومية.

وقد أدت هذه الظاهرة إلى تشكيل طبقة "مخملية رثة" في المجتمع المصري، لا هي طبقة أرستقراطية ولا متوسطة ولا طبقة شعبية؛ بل طبقة جديدة مزجت بين أسوأ ما في الطبقات الثلاث، وصنعت نجاحها ووجودها عبر الفهلوة والمحسوبية والشطارة واللعب بالبيضة والحجر، وابتذال كل قيمة.

وهذه الطبقة صارت تملك الكثير من المال والسلطة، دون أن تملك ثقافة حقيقية؛ ولهذا شرعت هذه الطبقة "المخملية الرثة" بعد ذلك في تأسيس مناطق نفوذها وتجمعها، وصنع ثقافتها الخاصة وفنها، وصنع نجومها ورموزها الذين ابتذلوا بأشخاصهم وسلوكياتهم مفهوم النجومية والشهرة المؤسسة على قيم حقيقية، وجعلوها شهرة مصنوعة بإتقان، ومؤسسة على "الأفورة"، والخروج على السائد والمألوف، والفضائحية وتعرية الذات، ونشر الأسرار الشخصية. بحيث أصبحت الشهرة في حالات كثيرة عند هؤلاء، مُولدة "لقلة القيمة" ومؤسسة عليها.

وهؤلاء "النجوم الظواهر" موجودون اليوم في الإعلام، والصحافة، والسياسة، والفن، والأدب، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى موقع يوتيوب، وهم نجوم زائفون، بلا منجز حقيقي أو قيمة، ووجودهم ونجوميتهم ابتذال لمفهوم النجومية ولكل قيمة حقيقية. كما أنه إهانة لوجه مصر الحضاري، ودليل مرض ثقافي أصاب وعي هذا الوطن وأبناءه.

وهو مرض جعل المحبين لمصر الغيورين عليها من أبنائها وأبناء الدول العربية الشقيقة، يتساءلون في حزن شديد: ما الذي أصاب مصر؟ وهل عقمت عن إنجاب كبار وعظماء في كل مجال كما كانت تفعل في الماضي، ليتصدر مشهدها ويصبح نجومها "سقط المتاع" الذين لا خير فيهم؟

في النهاية، قديمًا قال الفيلسوف والمشرع الروماني الشهير شيشرون: "إن الشهرة هي مديح الغوغاء". وكان يقصد بقوله هذا أنها تقوم عند صاحبها على خداع قطاع عريض من العامة والبسطاء الذين لا يستخدمون عقولهم، ومخاطبة وإشباع أدنى غرائزهم واحتياجاتهم، وليس على مخاطبة عقولهم وإصلاح أحوالهم.

لهذا أظن أن "شيشرون" لو بُعث بيننا، فسوف يُصعق تمامًا، بعد اكتشافه أن الغوغاء صاروا اليوم رموز المجتمع ومشاهيره ونجومه.

إعلان

إعلان