بلاغ إلى رئيس الوزراء: عن "الأمية المهنية" التي تجرف أجيالنا!
عندما يُطرح مصطلح "الأمية" في أدبياتنا السياسية والاجتماعية، يتبادر إلى الأذهان فورًا المعنى التقليدي الشائع: "أمية القراءة والكتابة". وهي ظاهرة ما زالت تتحدى واقعنا بالفعل؛ حيث تشير البيانات الرسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن نسبة الأمية الأبجدية تقارب الـ 16% إلى 17% من إجمالي السكان في مصر، وهي نسبة ترتفع بوضوح بين الإناث، وتشتد حدتها في المناطق الريفية والنائية.
غير أن ما أعنيه هنا، وما أود تسليط الضوء عليه بوضوح ودون مواربة، ليس أمية القراءة والكتابة الأبجدية.. إن ما نقصده هو: "الأمية المهنية".
نقصد بتلك الظاهرة تواجد أعداد غفيرة من الشباب والفتيات، بل ومن خريجي المعاهد والجامعات المصرية، يفتقرون كليًا إلى المهارات والقدرات الفنية والتطبيقية اللازمة للعمل بمهنة أو حرفة محددة.
هؤلاء الشباب لم يتلقوا تعليمًا يكسبهم الخبرة العملية، كما أن المناهج والمعارف التي حصلوا عليها باتت تفصلها مسافات شاسعة عن الاحتياجات الفعلية الميدانية لسوق العمل؛ إنهم ببساطة لا يجيدون قراءة وكتابة "مفردات ومكونات السوق"، ولا يمتلكون ناصية صنعة أو حرفة تجعلهم رقمًا فاعلًا في معادلته.
تأمل معي هذا المشهد التكراري المؤلم: شاب يتخرج في كلية الآداب قسم التاريخ أو الجغرافيا. الطبيعي والمأمول أن يتجه للعمل معلمًا لهذه المادة، لكنه إن أتيحت له الفرصة النادرة للتدريس، سيصطدم فورًا بأنه غير مؤهل تعليميًا أو تربويًا من الناحية الميدانية.
أما إن لم تتاح له تلك الفرصة — وهذا هو الأصل في معظم الأحوال — فإنه يتحول سريعًا من مشروع "مدرس تحت التمرين" إلى: "شخص أمي مهنيًا".
تراه يطرق الأبواب بحثًا عن أي فرصة عمل، وحين يُسأل في المقابلة الشخصية: "ماذا تجيد؟ أو في أي شيء تفهم؟"، تأتي الإجابة الجاهزة المحبطة: "أنا ممكن أشتغل أي حاجة.. ممكن شؤون إدارية، أو علاقات عامة، أو حتى مندوب مشتريات!". إنه يحاول هنا - واهمًا ومخطئًا - تقديم نفسه لوظائف وتخصصات يتصور أنها لا تتطلب خبرات علمية أو مهارات سابقة، متشبثًا بأي قشة تلحقه بركب التوظيف.
بينما يختار فريق آخر الاستسلام الكلي، فيهربون إلى أعمال شاقة تعتمد على الجهد البدني الصرف والبنيان العضلي بدلًا من التأسيس العلمي والمهني؛ كل ذلك بدافع الفرار من عقدة "الأمية المهنية" التي يعانون منها دون أن يدركوا تشخيصها الدقيق.
وهي معاناة مفروضة عليهم رغمًا عن إرادتهم، بعدما وجدوا أنفسهم ضحايا لمنظومة تعليمية وثقافية خاطئة نشؤوا عليها ولا يملكون من أمرها شيئًا.
خذ نموذجًا آخر: شاب ينهي دراسته في كلية الحقوق، وتُغلق أمامه سبل ممارسة المحاماة أو السلك القضائي، فيسقط تلقائيًا في شبك "الأمية المهنية".
يسعى جاهدًا للانخراط في دورات سريعة في اللغات أو علوم الحاسب الآلي، محاولًا حشد تلك الشهادات الأكاديمية الصورية كمسوغات تعيين، يُغطي بها عورات تأهيله، ويسعى بها لمحو أميته المهنية المستحكمة.
وفي المقابل.. تجد الكثير من البنوك والمؤسسات التمويلية الحكومية والخاصة تعلن صباح مساء عن تقديم قروض ميسرة وبفوائد مخفضة لتمويل المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر.
السيولة متوفرة وخزائنهم مليئة بأموال طائلة تنتظر من يستثمرها.. ولكن بسبب هذه "الأمية المهنية" المتفشية، تظل هذه الأموال راكدة مكدسة في الخزائن لا تطالها أي يد؛ لأن هؤلاء الشباب لا يتقنون حرفة، ولا يمتلكون صنعة مارسوها لسنوات واكتسبوا من أسرارها ما يؤهلهم لإدارة مشروع ناجح وإدارته بكفاءة.
إن الحقيقة الشاخصة التي يجب أن نعترف بها هي أن الأمية المهنية تعد من أعتى العقبات والتحديات التي تواجه سوق العمل المصري؛ فهي السبب الرئيسي خلف ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع تنافسية العمالة المصرية في سوق العمل الخليجي والعالمي، ناهيك عن آثارها السلبية المباشرة على الإنتاجية ومخرجات الاقتصاد الوطني برمتها.
ومن هذا المنطلق، ومن واقع المسؤولية الوطنية، فإنني أتوجه بالنداء والدعوة إلى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، لتبني "مبادرة قومية لمحو الأمية المهنية"، تتكاتف فيها مؤسسات الدولة المعنية مع القطاع الخاص وأصحاب الأعمال ومنظمات المجتمع المدني. مبادرة لا تكتفي برفع الشعارات، بل تشخص جذور الأزمة، وتضع الحلول العملية والناجعة لإعادة بناء العامل والموظف المصري وفق متطلبات العصر.
إن الاستمرار في غض الطرف عن تفشي هذه الظاهرة لم يعد رفاهية نحتمل تبعاتها؛ فكل شاب يُترك فريسة لـ"الأمية المهنية" هو طاقة معطلة، وفرصة استثمارية ضائعة، وعبء إضافي على جسد الاقتصاد الوطني. إننا اليوم لا نطرح رفاهية فكرية، ولا نتردد في تشخيص العلة، بل نضع أيدينا على الجرح النازف الذي يحرم سوق العمل من كفاءات حقيقية، ويكبل طاقات أجيال كاملة بحبال العجز والارتباك.
لقد أثبتت مصر عبر تاريخها أنها قادرة على دحر أكبر التحديات عندما تجتمع الإرادة السياسية مع الوعي المجتمعي؛ وكما خضنا معارك البناء وتجاوزنا عقبات عتت، يظل الاستثمار في الإنسان وتأهيله حرفيًا ومهنيًا هو المعركة الأهم والرهان الأبقى.
إن استجابة الحكومة، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، لهذا النداء وإطلاق مبادرة قومية شاملة لـ"محو الأمية المهنية" ليس مجرد قرار إداري أو سياسي؛ بل هي طوق نجاة لمستقبل الملايين من أسر وشباب هذا الوطن، وركيزة أساسية لا غنى عنها لبناء مصر الحديثة والمنافسة.
فهل نبدأ الآن ونملك شجاعة المواجهة والإنقاذ، أم نترك قطار العصر يمر بينما يكتفي شبابنا بالوقوف على رصيف الأماني بلا مهنة ولا سلاح؟ إن الوقت لا ينتظر المترددين!
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع