من رباط الدم إلى منصة الإعدام
تثير الجرائم التي يقتل فيها الأبناء آباءهم أو أمهاتهم صدمة تختلف عن صدمة جرائم القتل الأخرى؛ لأن الجاني فيها ليس غريبًا اقتحم المنزل، بل فردًا نشأ داخله، وتلقى فيه الرعاية، وحمل ذكرياته واسمه وتفاصيل حياته، لذلك لا تمر هذه الجرائم باعتبارها اعتداءً على شخص واحد فقط، وإنما تبدو انهيارًا للعلاقة التي يُفترض أن تقوم على الرحمة والوفاء والحماية؛ فاليد التي امتدت إليها يد الأب أو الأم بالرعاية تصبح هي اليد التي تنهي حياتهما، ويتحول المنزل، بما يحمله من ذكريات وألفة، إلى مكان وقعت فيه أقسى صور الغدر.
ولم تبدأ هذه الظاهرة مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يصنعها جيل بعينه؛ فسجلات المحاكم في دول وثقافات مختلفة تحمل وقائع قتل فيها أبناء وبنات أحد الوالدين أو كليهما، واختلفت العقوبات فيها بين الإعدام والسجن المؤبد وعقود طويلة من الحبس، بحسب قانون كل دولة وملابسات كل جريمة، كما اختلفت الأسباب الظاهرة؛ فبعض الجرائم ارتبط بعلاقة عاطفية رفضتها الأسرة، وبعضها نشأ عن الطمع في المال أو الميراث، وبعضها جاء نتيجة خوف من افتضاح أكاذيب متراكمة، بينما ارتبطت وقائع أخرى بالانتقام من قسوة أسرية أو باضطرابات نفسية شديدة.
في مصر، صدر حكم بالإعدام على فتاة أُدينت بقتل والدتها بالاشتراك مع قاصر، بعدما تحول اعتراض الأم على سلوك ابنتها وعلاقتها العاطفية إلى صراع انتهى بجريمة داخل منزل الأسرة. صدر الحكم عام 2023، وأيدته محكمة النقض في مايو 2025، ثم نُفذ بعد استنفاد الإجراءات القانونية، ولا تكمن دلالة هذه الواقعة في تفاصيل تنفيذ الجريمة، بل في المسافة التي قطعتها العلاقة بين الأم وابنتها؛ فقد تحولت الأم في وعي ابنتها من شخص يمكن الاختلاف معه أو الابتعاد عنه إلى عقبة يجب التخلص منها.
وفي وقائع مصرية أخرى، ظهرت صور مختلفة للجريمة نفسها؛ فقد صدرت أحكام بالإعدام على أبناء أو بنات اشتركوا مع شركاء عاطفيين في قتل آبائهم بسبب الاعتراض على الزواج أو بسبب خلافات عائلية ومالية، وفي بعض هذه القضايا، لم يكن الشريك العاطفي مجرد شخص محبوب، بل أصبح محرضًا ومشاركًا في التخطيط والتنفيذ، بينما وفرت الابنة المعلومات أو وسيلة الاستدراج أو ساعدت في إخفاء الجثمان، وتكشف هذه الوقائع أن العلاقة العاطفية لا تتحول وحدها إلى جريمة، وإنما تصبح خطرة حين تقوم على العزل والسيطرة وإقناع أحد الطرفين بأن إثبات الحب يتطلب مواجهة الأسرة أو التخلص ممن يعترض الطريق.
وخارج مصر، نجد نماذج تكشف دوافع أخرى؛ ففي بريطانيا، قتلت امرأة والديها عام 2019، ثم أخفت جثمانيهما داخل المنزل، وظلت تعيش في المكان نفسه نحو أربع سنوات، بينما كانت تخدع الأقارب والجهات الرسمية، وتدعي أن والديها مريضان أو مسافران، وخلال تلك المدة استولت على أموالهما وأنفقتها، قبل أن تُكتشف الجريمة ويصدر عليها حكم بالسجن المؤبد، مع عدم جواز النظر في الإفراج عنها قبل مرور 36 عامًا، ولم تكن الجريمة هنا نوبة غضب عابرة، بل مشروعًا طويلًا من الكذب والتخطيط والاحتيال، بدأ بالديون والاستيلاء على المال وانتهى بقتل الشخصين اللذين كانا قادرين على كشف الحقيقة.
وفي كندا، رتبت شابة هجومًا على منزل أسرتها بعد سنوات من خداع والديها بشأن دراستها وحياتها، وفي ظل رفضهما علاقتها العاطفية، أسفر الهجوم عن مقتل الأم وإصابة الأب إصابة بالغة، وثبت أن الابنة رتبت، عبر آخرين، لاستهداف والديها، وقد شهدت القضية تطورات قضائية لاحقة بشأن الوصف القانوني لبعض الاتهامات، لكن ثبوت التخطيط للهجوم والشروع في قتل الأب ظل قائمًا، وتظهر هذه القضية كيف يمكن للكذب المستمر أن يتحول إلى سجن نفسي؛ فكلما اتسعت القصة الزائفة، أصبح الاعتراف بها أصعب، وقد يبدأ صاحبها في تصور أن المشكلة ليست في أفعاله، بل في الأشخاص الذين يستطيعون فضحه.
ولا تتشابه هذه الوقائع في التفاصيل، ولا يصح جمع مرتكبيها تحت تفسير نفسي واحد، لكن القاسم المشترك بينها أن الأب أو الأم يتحولان في عقل الابن من شخصين تجمعه بهما رابطة إنسانية عميقة إلى مجرد "عقبة". وهذه النقلة هي أخطر ما ينبغي التوقف أمامه؛ فالقتل لا يبدأ عادة بشراء أداة أو إعداد خطة، وإنما يبدأ حين يفقد الإنسان قدرته على رؤية الآخر بوصفه إنسانًا، وعندما تصبح الأم مجرد رقيبة تمنع الحرية، أو يصبح الأب مجرد خزينة ينتظر الابن أموالها، أو يتحول الوالدان إلى شاهدين على سر يخشى افتضاحه، تبدأ عملية نزع صفاتهما الإنسانية، عندها لا يعود التفكير منصبًا على حل الخلاف، بل على إزالة صاحبه، وكأن اختفاء الإنسان سيؤدي تلقائيًا إلى اختفاء المشكلة.
وقد تسهم بعض التغطيات الإعلامية في تسطيح هذه الجرائم عندما تختصرها في عبارات مثل: "قتلت أمها من أجل حبيبها" أو "تخلص من أبيه للحصول على الميراث". تبدو هذه العبارات جذابة صحفيًا، لكنها لا تفسر كيف تحولت العلاقة العاطفية إلى تبعية نفسية عزلت الجاني عن أسرته، أو كيف بدأت الأزمة المالية بسرقة صغيرة أو ديون متراكمة ثم اتسعت حتى أصبح التخلص ممن قد يكشف الحقيقة حلًا في نظره، كما أنها لا تشرح كيف تجاوز الجاني حاجز الخوف والشفقة، وتمكن من إيذاء أقرب الناس إليه. وقد تبدأ السيطرة العاطفية بعبارات تبدو رومانسية، مثل: "لا أحد يفهمك غيري"، ثم تتحول إلى اختبارات للولاء تدفع إلى الكذب أو السرقة أو الهروب أو مواجهة الأسرة. وفي جرائم أخرى، يكون المال هو الدافع الخفي، فتتراكم الأكاذيب حتى يرى الجاني أن إخفاء الجريمة أسهل من الاعتراف بها. ومع ذلك، فإن فهم هذه الدوافع لا يعني تبرير الجريمة؛ فالقسوة الأسرية أو الضغط أو الشعور بالظلم لا يمنح أحدًا حق القتل، وتبقى المسؤولية على من فكر وخطط واختار ونفذ ما دام مدركًا لأفعاله.
ويضع الدين الإسلامي ميزانًا واضحًا في هذه المسألة؛ فقد قرن القرآن الإحسان إلى الوالدين بعبادة الله، ونهى الابن حتى عن قول "أف" لهما، فقال تعالى: "فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا". ومع ذلك، لم يجعل الإسلام البر طاعة عمياء، فقال تعالى: "وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا"؛ فالابن يستطيع أن يرفض الظلم والمعصية، لكنه لا يحول الرفض إلى إهانة أو انتقام.
ويقدم نبي الله إبراهيم، عليه السلام، نموذجًا واضحًا في التعامل مع الأب القاسي؛ فقد هدده أبوه بالرجم والطرد بسبب رفضه عبادة الأصنام، ومع ذلك أجابه بقوله: "سلام عليك"، ثم اعتزله وابتعد عنه. لم يتنازل إبراهيم عن الحق، ولم يبق مستسلمًا للتهديد، لكنه لم يرد الإساءة بمثلها، ويقدم هذا الموقف درسًا مهمًا: يستطيع الإنسان أن يحمي نفسه من والده، وأن يرفض ظلمه، وأن يبتعد عنه إذا خاف على نفسه، من دون أن يتحول إلى نسخة أخرى من قسوته.
ويظهر المعنى نفسه في قصة سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، حين ضغطت عليه أمه ليترك الإسلام، وامتنعت عن الطعام في محاولة لإجباره، فلم يستجب لطلبها، لكنه لم يهجرها أو يعتد عليها، بل ثبت على موقفه مع حفظ حقها. كما سألت أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنها، النبي صلى الله عليه وسلم عن أمها التي كانت على غير الإسلام، فأمرها بصلتها وقال: "نعم، صلي أمك". فإذا كان اختلاف العقيدة لا يسقط حق الأم في الصلة والإحسان، فلا يمكن أن يصبح خلاف على الزواج أو المال أو الدراسة مبررًا لإهانتها أو الاعتداء عليها.
ولا ينبغي أن يوجه الخطاب الديني إلى الأبناء وحدهم؛ فالآباء مسؤولون أيضًا عن الرحمة والعدل، ولا يجوز استخدام نصوص البر لإجبار الأبناء على تحمل العنف أو المعصية، كما أن من يتعرض لخطر حقيقي يحق له طلب الحماية والابتعاد الآمن؛ فالبر لا يعني الاستسلام للأذى، وحماية النفس لا تعني الانتقام. وليست كل الخلافات الأسرية مقدمة لجريمة، لكن بعض العلامات تستوجب الانتباه، مثل التهديد بالقتل، أو البحث عن وسائل الإيذاء، أو التغير الحاد في السلوك، أو التعلق بشخص يحرض على الأسرة. وعند ظهورها يجب تقدير الخطر، وإبعاد أدوات الإيذاء، والاستعانة بمختصين أو بالجهات الرسمية عند الحاجة؛ فالمنزل يفقد أمانه تدريجيًا حين يحل الخوف محل الحوار، والعنف محل التربية. وعندما تصل القضية إلى المحكمة يكون القانون قد قال كلمته، لكن يبقى السؤال: كم فرصة ضاعت للتدخل قبل أن يتحول رباط الدم إلى منصة للإعدام؟
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع