"العربية السعيدة" في رحلة برترام توماس..

د.هشام عطية عبدالمقصود

"العربية السعيدة" في رحلة برترام توماس..

د. هشام عطية عبد المقصود
09:00 م الجمعة 16 أغسطس 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

قام برترام توماس برحلته التي بدأت عام 1927 ليجوب مستكشفا منطقة الربع الخالي في الجزيرة العربية مرتديا ثيابا بدوية وممتطيا جملا، وبرترام توماس وفق تقديم دكتور صبري محمد حسن مترجم كتاب "العربية السعيدة: عبور الربع الخالي في الجزيرة العربية"، والصادر عن الهيئة العامة للكتاب عام 2018، هو أحد من تولوا مناصب سياسية مهمة في المنطقة ممثلا للمندوب البريطاني وتعبيرا سياسيا عن الحضور البريطاني في المنطقة إبان تلك الفترة، ويفسر المستكشف أسباب الرحلة بأن "الأماكن في العالم راحت تسلم أسرارها للفضول الإنساني وإنها فرصة غريبة أن يبقى الربع الخالي بمثابة الأرض الأخيرة التي لم يعرف البشر أي شيء عنها إلي يومنا هذا".

ويبدأ رحلته التي يقطع فيها قرابة 600 ميل على ظهر جمل وبصحبته أدلة من البدو "وكنت أرتدي ثيابا بدوية ولا أتكلم سوي اللهجة المحلية وعشت حياتي كما لو كنت واحدا من هؤلاء البشر وتحاشيت الدخان والكحول كي أحظي بسمعة طيبة في مسألة الالتزام".

ومن المقاطع أيضا التي تضمنها الكتاب في ترجمته الضافية وهوامشه الشارحة ما يوضح كيف اجتذب ثقة القبائل والأدلة، وحيث يحكي برترام توماس طريقة تعامله مع شيوخ القبائل "كان يجلس بجانبي شيخ من شيوخ الجبل، راح يضفي على الحوار والحديث طابع الإشراق. لماذا أنتم رجال كبار على هذا النحو ونحن أصغر منكم كما ترى، قلت: ربما كان ذلك راجعا إلى تربيتنا وهوائنا، قال: لكن الله عليم إننا أصغر حجما من أجدادنا لعلك تلقي نظرة على مقابرهم في خور الريري لقد كانوا أصحاب أجسام ضخمة، قلت له: الله أعلم، أليست هذه رحمة من الله؟ وهنا أشرت بيدي إلى كرة خيالية من كرات القدم، سألني: كيف تكون هذه رحمة من الله؟ أجبته: صعب في أيامنا هذه إيجاد التغذية والغذاء اللازم للبطون من هذا القبيل لو بقينا على هذا الحجم لكنا بحاجة إلى جوال من الأرز في كل وجبة من الوجبات.. سرت بين الجالسين ضحكة مكتومة".

ويسرد ما يعتبره خصائص لبعض الرجال الذين رافقوه في رحلته ليستدل بها وفق منطقه ورؤيته لطبيعة ما لبعض من عملوا معه والتقاهم لا يقوم بتعميمها ولكنه يرصدها كحال ويقدمها للقراء، فهو يحث أحد الأدلة علي مرافقته في رحلة صيد فيطلب الدليل مقابلا هو خمسون طلقة من الذخيرة: "يا علي سوف أعطيك ثلاثة دولارات أما الذخيرة فلن أعطيك إياها أنت تريدها لهدف شرير، سألني: قل لي كيف يعيش الإنسان؟، أفلح الأرض أو اشتغل بصيد السمك، نظر إلي نظرة شك وارتياب ثم قال: هذا ليس هو العمل الذي يقوم به رجل، إذًا ما هو في رأيك العمل الذي يقوم به الرجل؟ عمل الرجل هو البندقية والجنبية (الخنجر)، ما رأيك في السفن والبنادق التي لدينا هل حصلنا عليها من دون عمل؟ رد علي مقتضبا إنها النقود، يا علي لو عاش كل منا علي بندقيته وجنبيته فمن أين لنا بالطعام؟ نحن مدينون بما نأكله للزراع وصيادي السمك، تقول صيد السمك! هذا مستحيل تقول فلاحة الأرض! نعم سوف أطلب من السلطان إعطائي قطعة من الأرض ثم أجيء بعد ذلك بعبد من العبيد يزرعها نيابة عني".

ويقدم توثيقا لحالة سكان الجبال من حيث أنماط المعيشة والعادات والثقافات "وتسود هنا الممارسات العربية الخاصة بالتعدد والطلاق المُيسر ومع ذلك يندر على البدوي أن تكون له أكثر من زوجة أو اثنتين في أغلب الأحيان، ومع ذلك فإن البدوي يود أن تكون لديه جعبة مليئة بالأبناء؛ لأن ذلك يعد نعمة من نعم الله تعالى"، ثم يضيف" مسألة الطلاق سهلة للغاية عند الرجل ليس عليه من شيء سوي الإعراب عن سأمه لزوجته وملله منها وأن يقول ما يعبر عن ذلك بالصيغة المعتادة وهنا يتعين على الزوجة العودة إلى منزل والدها ومعها هدية الافتراق والتي تقدر بقرابة نصف بقرة أي قرابة خمسة دولارات، الطلاق من جانب الزوجة سهل أيضا على الرغم من أنه أكثر كلفة إذ يتعين على الزوجة أن تعيد إلى زوجها ثمن الزواج وقد يصل إلى عشر بقرات.. وعندما يحاول رجل الزواج بثانية فإنه مثلما درج عليه الناس هنا يحاول استرضاء الزوجة الأولى بهدية تعادل ثمن زواج العروس الجديدة ومن هنا تكسب النساء ثروات كبيرة، واقع الأمر أن استقلال ملكية الرجل عن المرأة أمر محترم هنا".

ويحكي عن سلوك إنساني يرصده ويقدمه نبيلا ومبررا تماما في طباع أدلة البدو المرافقين يرصد به سمتا وطبيعة إنسانية يمد نطاقها عن آخره ليحمل طابعا كونيا" المرافقون لي كانوا يصلون دوما بهمة ونشاط.. هؤلاء البدو يدعون الله صباحا وظهرا وليلا، يزاد على ذلك أن الجوع والعطش ليسا شبحين بعيدين، معرفتهم بهذه الأخطار زرع في هؤلاء البدو كما هو الحال في جنودنا وبحارتنا في الماضي خليطا من الاستسلام لكل ما هو خارق للطبيعة والوثوق به وهذا بحد ذاته يعد أمرا طفوليا في بساطته هذه البساطة في الواقع تعد قاعدة من قواعد الحياة هي موقف عقلاني يسير في خط متواز تماما للمفاهيم والأعراف السارية والمقبولة في الغرب".

إعلان

إعلان

إعلان