• تحية لـ"محمد أفندي رفعنا العلم" !

    محمد حسن الألفي

    تحية لـ"محمد أفندي رفعنا العلم" !

    محمد حسن الألفي
    09:00 م الثلاثاء 02 يوليه 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    لا يزال صوت الفنان الراحل الضاحك المعلم محمد رضا، محبوب الجماهير، وقتها، يدوّى في الذاكرة بعد كل هذه العقود، منذ عبرت قواتنا قناة السويس المانع المائي الأخطر، وحطمت النقاط الحصينة لخط حاييم بارليف، رئيس الأركان الإسرائيلي، الذي شيد خطًا باسمه، وُصف بأنه غير قابل للانهيار إلا بقنبلة ذرية !

    وكنا، وقتها، في سنوات الجامعة، والتليفزيون أبيض وأسود، والناس فرحانة ومتهللة بنجاح العبور في ساعاته الأولى، منشرحة وسهرانة في الشوارع المطفأة الأنوار، وعلى النواصي تجمعت الرؤوس تتابع عبر الراديو الترانزستور، أبو قتب، بيانات القتال أولًا بأول.

    الراديو أبو قتب؛ لأن الناس كانوا لا يكتفون بالحجرين الصغيرين لتشغيله ولنفادها بسرعة، فجاءوا بحجرين كبيرين جدا، وربطوهما بأستك في ظهر الراديو، ماركة سانيو، في ذلك الوقت من أكتوبر العام ١٩٧٣.

    صوت محمد رضا كان صوت البلاغ العسكري الشعبي، وكانت الدراما المصرية تترجم أحداث المعركة في مقاطع وتمثيليات لحشد وتعبئة الجماهير واستمرار إعلامها ورفع الروح المعنوية، وكان ذلك كله في إطار خطة إعلام حرب استراتيجية وضعها باقتدار أستاذ الإعلام بلا منازع الدكتور عبد القادر حاتم، وزير الإعلام وقتها .

    محمد أفندي رفع العلم. محمد أفندي رفعنا العلم.. تحولت من جملة درامية عبرت عن بطولة ابن الشرقية محمد محمد العباسي، مواليد ١٩٤٧، وهو يستميت في غرس علم مصر عاليا فوق النقطة الحصينة في القنطرة غرب، بعد إنزاله العلم الإسرائيلي النجس عن أرض مصر الطاهرة، وداسه بالأقدام.
    أقول تحولت من جملة درامية إلى جملة تعبيرية عن شجاعة أي إنسان في اقتحام الصعب. وانتشر المثل وقتها: "تقولش محمد أفندي رفعنا العلم يا أخي"!

    كان العباسي مرابطًا على الجبهة منذ هزيمة يونيو، وكان يتمنى لحظة العبور.
    يروي أنه أبلغ بها ضمن زملائه مساء الجمعة، الخامس من أكتوبر، وتلقوا الأوامر بالإفطار استعدادا للنصر أو الشهادة.
    عرف محمد العباسي الشهير بمحمد أفندي رفعنا العلم أنه في مجموعة العبور الأولى، ومن بعده مجموعة عبور ثانية، وكانت التقديرات رشحت احتمالية استشهاد المجموعتين.
    مع عبور الزورق المطاطي، وصعود الدشمة وقتل الجنود الإسرائيليين، لم يصدق العباسي أنه يعلو الدشمة، ويسيطر عليها مع قائده المقدم ناجي، وأنهما لا يزالان على قيد الحياة، فتبادلا التهاني بنجاح تحرير وتطهير الموقع.
    ويروى العباسي أنه بارك لقائده، دون أن يناديه برتبته من شدة الفرحة، وكذلك بادله القائد مشاعر السعادة الطاغية. ذابت الفوارق، وحلت الفرحة برفع علم مصر .

    هذا علم مصر الذي رفعه جيلي عاليًا سامقًا مهابًا بذلوا فيه الدم، ثم جاءت قبل سبع سنوات شوية عملاء وخونة أحرقوه في ميدان التحرير، فمات من أجله وطنيون رفعوه عاليا في قلب ميدان التحرير ذاته.

    وأمس، الأول من يوليو عام ٢٠١٩، مات الشهيد الحي البطل محمد العباسي، راضيا مرضيا موعودا بثواب الله الذي وعد به عباده وجنده إن غلبوا أو استشهدوا.
    وُورى ثرى مصر ملفوفا في علم الوطن، الذي صانه وعرّض حياته للموت في سبيله، فاحتواه العلم واحتضنته أذرع الوطن.

    إن جيل محمد العباسي يذهب، ونحسب أن من حسن الفطن أن تبادر الجهات المدنية والعسكرية المعنية بتجميع هؤلاء الرجال، وتكريمهم وتسجيل رواياتهم عن البطولة وافتداء الوطن، ليكونوا دروسا حية أمام أجيال غريبة علينا، لم نربها تربية وطنية بل صار هواها الدولار والأتراك والإخوان.

    تحية لمن رفع علم مصر. رفع الله قامتك وأطال رقبتك بين الإبرار والشهداء في جنات النعيم .

    إعلان

    إعلان

    إعلان