• جوخة الحارثي

    د. جمال عبد الجواد

    جوخة الحارثي

    د. جمال عبد الجواد
    09:00 م الجمعة 24 مايو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    خبر رائع فوز العمانية جوخة الحارثي بجائزة مان بوكر الدولية للرواية عن روايتها "سيدات القمر". الرواية مكتوبة بالعربية، وتمت ترجمتها للإنجليزية ونشرها بعنوان "أجرام سماوية". أشياء كثيرة رائعة يتضمنها هذا الخبر. أول هذه الأشياء الرائعة هو دخول بلد عربي جديد لساحات الإنتاج الأدبي المتميز؛ فبعد سنوات طويلة جاء فيها المتميز من الإنتاج الأدبي من عواصم الثقافة التقليدية في القاهرة والمشرق والمغرب العربيين، ثم انضم الخليج في العقود الأخيرة لمصادر إنتاج الثقافة العربية، وها هي سلطنة عمان تنضم أخيرا للقائمة، فمرحبا بها، ومرحبا بكل إضافة جديدة للثقافة العربية.

    سمع الملايين من البشر حول العالم عن سلطنة عمان لأول مرة في حياتهم خلال اليومين الماضيين، والجميل في الأمر أن ذلك كان بسبب الأخبار المفرحة الأتية من هناك. كتاب واحد جيد يمكن له أن يترك أثرا يزيد عن أثر عشرات من حملات الدعاية والترويج. الكتاب أصيل وصادق، فيما حملات الدعاية تكذب وتتجمل. تحدي الكتاب هو تقديم الحقيقة وشرحها وتفسيرها واستلهامها، فيما حملات الدعاية تستهدف التلاعب بالعقول والقلوب. إطلاق الحرية لخيال المبدعين أعظم أثرا من المحاولة المضنية لهندسة كل الأمور بإحكام.

    ذهبت الجائزة لامرأة عربية مبدعة، لتقتنص للعرب لأول مرة جائزة البوكر الدولية المرموقة. عندما يأتي الأمر لحقوق النساء ومساواتهم، فإن العالم العربي يقف في ذيل قائمة الدول والشعوب. فوز مبدعة عربية بجائزة أدبية مرموقة لا يمثل فقط ارتقاء بشأن الأدب العربي، ولكن أيضا نضالا من أجل حقوق المرأة العربية، ودليلا جديدا على جدارة المرأة في بلادنا بالاحترام والحقوق المتساوية.

    تدور رواية "سيدات القمر" عن الحب والحرية في زمن يتغير فيه المجتمع بسرعة. تعلمت الكثير عن المجتمع العماني من خلال قراءة الرواية؛ ولاحظت بوضوح لا تخطئه عين انحياز الرواية لحق الفرد، خاصة من النساء، في التحرر من القهر. تعترف الرواية بأشواق النساء وتطلعاتهن، وترصد إحباطهن، ومقاومتهن، وتتمنى لهن الحرية، وتفعل كل ذلك دون صدام مدمر مع المجتمع المحافظ وقيمه وهياكله الاجتماعية؛ وكأنها تقول لنا أنه نعم، يمكننا الإصلاح والتقدم دون المخاطرة بهزات اجتماعية وثقافية وأخلاقية كبرى.

    نحن نتحدث عن كاتبة شابة في الأربعين من عمرها، لكن لها إنتاج أدبي غزير، يشمل روايات ثلاثة، وعدد من قصص الأطفال، بالإضافة إلى الدراسات الأكاديمية التي تنشرها باعتبارها أستاذة للأدب العربي في جامعة السلطان قابوس. نحن نتحدث عن امرأة أثبتت نفسها بكل مقياس، فهي أكاديمية ناجحة، ومؤلفة غزيرة، ومدافعة بقلمها عن حق النساء في الحرية، عبر إصلاح اجتماعي وثقافي، وليس عبر الثورة.

    لم يقع تحت بصري أحاديث لجوخة الحارثي تشرح فيها وجهات نظرها في الحياة والمجتمع بخلاف ما تنشره في أعمالها الأدبية، فقط أعرف من صورها المنشورة أن لها نفس المظهر المتحفظ الذي تتسم به أغلب النساء في بلادنا، فالمبدعة العمانية تغطي شعرها مثل أغلبهن. صورة جوخة الحارثي بغطاء الشعر تقول إن الإبداع ليس حكرا على بعض النساء دون غيرهن، فالمرأة - أيا كان المظهر الذي تختاره لنفسها - يمكنها أن تكون عميقة وذكية ومثقفة، وداعية حرية أيضا.

    ذكرتني صورة جوخة الحارثي بتلك الحملة المفتعلة التي يشنها البعض بين الحين والآخر على الحجاب، زاعمين أن تغطية الشعر هي تغطية للعقل أيضا. المساواة بين الحجاب والقهر، هي بالضبط مثلها مثل المساواة بين الحجاب والتقوى، كلاهما يتعلق بالمظهر، وكلاهما يجعل من جسد المرأة ومظهرها ميدانا لمعاركه الإيديولوجية، وكلاهما لا يساعدان مجتمعاتنا على التقدم.

    إعلان

    إعلان

    إعلان