البجعة البيضاء والبجعة السوداء

د. إيمان رجب

البجعة البيضاء والبجعة السوداء

د. إيمان رجب
09:00 م الإثنين 15 أبريل 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

عنوان المقال ليس له علاقة بالبجع الأبيض الذي يعيش في البحيرات والأنهار حول العالم، وإنما هو عن طريقة التفكير في المستقبل .

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في ديسمبر 1991، وهو حدث تاريخي لم أعاصره ولكنني قرأت عنه منذ سنوات الدراسة الأولى، وهناك الكثير ممن يدعون أنهم تنبأوا بانهياره قبل تفككه بسنوات، ولكنني لا أستطيع الحكم على ذلك حيث لم أكن في سن واعية تسمح لي بمعاصرة ذلك الحدث أو تذكر أنني استمعت أو شاهدت أو قرأت لهؤلاء ما له صلة بادعائهم.

ووفق ما هو متعارف عليه في الدراسات المستقبلية، فإن التعامل مع أي تطور على أنه كان سيناريو متوقعًا يجعل منه "بجعة بيضاء"، في حين أن وقوع حدث غير متوقع أو سيناريو مستبعد عادة لا يتم التفكير فيه عند رسم مستقبل منطقة أو ظاهرة ما يجعل منه "بجعة سوداء"، ويمتاز سيناريو البجعة السوداء أنه في حال تحققه فإن له تداعيات كبيرة.

وتعامل البعض مع انهيار الاتحاد السوفيتي على أنه بجعة بيضاء يشابه إلى حد كبير أحداث أخرى شهدناها خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وربما أقربها هو ما مرت به المنطقة العربية منذ ٢٠١١ في إطار موجة الثورات الشعبية التي شهدناها، حيث ادعى كثيرون حينها أنها كانت مسارًا متوقعًا، حيث لم تمثل لهم مفاجأة، ورأوا أنها انتهت بإعلان تنظيم داعش عن دولته في 10 يونيو 2014، وتعثر الحراك في سوريا وتحوله إلى صراع ضد الإرهاب.

ولكن هؤلاء يقللون من أهمية عنصر المفاجأة الذي ميز ثورتي مصر وتونس في 2011، وثورة مصر الثانية في 2013، حيث ارتبط عنصر المفاجأة في الحالة الأولى بالتوقيت وبسرعة انتقال زخم التغيير الثوري من الشارع التونسي للشارع المصري، وأذكر أن كثيرًا من الشعارات التي رفعت في الأيام الأولى لثورة مصر كانت هي ذات شعارات الشارع التونسي، ومنها كلمة "ارحل" التي هي ليست كلمة مصرية دارجة، وإنما رددها شعب التونسي في مظاهراته ضد بن علي. كما ارتبط عنصر المفاجأة في الحالة الثانية بعدم تردد الجيش بالانحياز لمطالب الشعب المصري الذي احتشد في الشوارع والميادين رغم أن كل التفاعلات السابقة على 30 يونيو 2013 كانت تشير لنجاح نظام الإخوان في السيطرة على قرارات الجيش والشرطة معا.

والبجعة السوداء التي نعيشها اليوم تتمثل في أن تداعيات موجة الثورات الشعبية امتدت بعد ثماني سنوات على انطلاق شراراتها الأولى في تونس للجزائر التي ظلت لعقود طويلة مضت في حالة من الكمون والاستقرار، وكذلك للسودان، ولا يخفى على أحد أن تحركات الناس في الميادين في كلتا الدولتين ليطالبوا بالتغيير تمثل نسخًا لتحركات الشعب المصري والتونسي في الميادين والشوارع للمطالبة بالتغيير في 2011، وفي 2013 بالنسبة لمصر أيضًا، كما أن دور الجيش في كلتا الحالتين يترك الكثير من الدروس.

هذه الأمثلة تشير إلى قصور ما لدينا ليس في التنبؤ بالمستقبل ورسم سيناريوهاته، حيث إن هذه مشكلة موجودة في العالم كله، ولكن عدم قدرتنا على التخطيط للتعامل مع البجع الأسود وإدارة التداعيات الناتجة عنه.

إعلان

إعلان