• لميس الحديدي تكتب: الجامعة

    لميس الحديدي

    لميس الحديدي تكتب: الجامعة

    لميس الحديدي
    11:54 ص الإثنين 11 فبراير 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    والجامعة بالنسبة لي هي الجامعة الأمريكية بالقاهرة (مبنى التحرير)، فهناك قضيت أحلى سنوات العمر، وبين جدرانها الناطقة بالحياة تشكل وعيي وإدراكي وتفتحت براعم أحلامي.. وفيها خرجت بأعز الأصدقاء، تتغير الدنيا ولا يتغيرون. جامعتي تحتفل هذه الأيام بمرور مائة عام على إنشائها صرحًا تعليميًا وثقافيًا قدم لمصر والشرق الأوسط -دون مبالغة- أهم وأقدر شبابها وفاعليها وفي هذه الاحتفالات تتكالب الذكريات وتستحضر الصور ويطل السؤال: هل تبعثرت أحلامنا أم أننا ما زلنا قابضين عليها؟

    كانت الجامعة بالنسبة لنا (جيل أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات) هي مبنى التحرير فما بين مبنى إيوارت ومكتب الرئيس ومنطقة الملاعب والجريك كامبس ومبنى المكتبة في محمد محمود، كانت حياتنا.. لم تكن الجامعة بالنسبة لنا مجرد مكانٍ للدراسة بل كانت بلا مبالغة تجربة حياة.. أتجول في نفس الأماكن بعد قرابة ثلاثين عامًا، أستعيد الذكريات والوجوه، فالتاريخ تحفظه الأماكن ولا تتخلى عنه.

    هنا دخلت لأول مرة خائفة من العالم الجديد وتعرفت على أولى وأعز صديقاتي "نيفين"، هنا غنى لنا هشام عباس أغنيات أحمد فؤاد نجم التي سمعناها لأول مرة (هشام كان طالبًا بقسم الهندسة)، هنا قص علينا صديقنا مصطفى أبوجمرة قصائده، هنا قاد أحمد سعيد (النائب في مجلس النواب حاليًا وكان رئيسًا لاتحاد الطلبة) أول اعتصاماتنا رفضًا للموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية، وهنا عاش البعض منا أجمل قصص الحب، منها ما استمر ومنها ما تلاشى بفعل الزمن.

    لم تكن الجامعة الأمريكية مقصدي الأول، فقد كان نجاحي في الثانوية العامة بمجموع مرتفع (93% لأشغل الترتيب رقم 23 من أوائل الجمهورية) يؤهلني لدراسة الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، فأبناء العائلة جميعهم هناك وحلم المدرج الكبير والحياة الجامعية والأساتذة العظام كان مرتبطًا دومًا بجامعة القاهرة. لكن والدي- وكان أستاذًا للأدب الحديث بالجامعات المصرية والعربية- كان له رأي آخر! جلسنا على مائدة الغذاء التي كان موعدها اليومي مقدسًا في أسرتنا، وكان الجدل دائرًا حول الجامعة، لكنه أنهى الجدل وقال لي بصوته الأجش الصارم: "ح تدخلي الجامعة الأمريكية، ولو قلتِ لأ ح نرجع نسافر تاني".. كان تهديد والدي واضحًا، فقد عشنا سنواتٍ أسس فيها أقسام الأدب العربي في جامعات ليبيا والكويت، ورغم سعادتنا بتلك السنوات إلا أنه كان يعرف جيدًا بل ويغرس فينا عشق الوطن، وحلم العودة والحياة بين الأهل والأصدقاء. وكان قرار والدي بالعودة إلى مصر وعدم تجديد إعارته بالكويت (رغم المبالغ الطائلة التي خسرها) قرارًا حاسمًا هدفه أن تحصل ابنته الكبرى على الثانوية العامة المصرية وتلتحق بالجامعة الأمريكية. لم أعرف قيمة قرار والدي- والذي أبكاني كثيرًا حينها وأشعرني بالقهر- إلا بعد إدراكي بقيمة ما قدمته الجامعة لحياتي. رحمك الله يا أبى.

    نعم كانت الجامعة تجربة حياة.. فالفتاة الصغيرة ذات السبعة عشر عاما والتي تخرجت في مدرسة بنات تجريبية (كلية البنات بالزمالك) عليها أن تخرج من قوقعتها المحافظة وتواجه حياة أخرى لم تعرفها من قبل. وأذكر جيدًا كيف بدأ والدي (الرجل الريفي الصارم المحافظ) في تقبل صداقاتي الجديدة ليس من البنات كما اعتاد ولكن من الأولاد والذين أصبحوا وحتى الآن أصدقاء الطريق الطويل، فقد كانت ثقته بي تحملني مزيدًا من المسؤولية.. لكنني أذكر أيضا وحتى اليوم قائمة الممنوعات: فقد كان ممنوعًا عليّ مثلاً حضور سينما يوم الخميس بالجامعة، كما أن رحلات البيات كانت ممنوعة حتى السنة الثالثة ويجب أن تكون بمشاركة إحدى الأمهات.

    لا أذكر أن جيلنا كان يعرف حينها الفروق الطبقية.. فجميعنا تقريبًا ننتمي لنفس الطبقة أظن أنها كانت متوسطة أو متوسطة عليا. فوالدي أستاذ بالجامعة، وآخر والده طبيب، وهذا والده مهندس، وأخرى والدها ضابط وحتى من كان ابن وزير أو رئيس وزراء.. كنا جميعا نشعر أننا أبناء نفس المجتمع، تتشابه بيوتنا وأهالينا، بل كنا لا نخجل من التقدم لطلب المساعدة المالية من الجامعة لمحاولة خفض المصاريف إما عن طريق التقدم العلمي أو بعمل أحد الآباء في الجامعة (كانت المصروفات لا تتعدى 3-5 آلاف جنيه في الفصل الدراسي)، وكان المحظوظ منا من يملك سيارة قديمة، نستغله جميعًا يوم الإجازة. ولم أكن أنا من هؤلاء، فقد كنت إما أذهب للجامعة مع أبي- الذي كان يدرس في الجامعة حينها- أو بالتاكسي الذي دمر مصروفي تمامًا. وكانت الانتعاشة المالية تأتيني إما من الأربعة عشر جنيهًا التي كنت أتقاضاها شهريًا كإحدى أوائل الثانوية العامة في العام الأول، أو من مرتبي من جريدة القافلة لاحقًا وكان 60 جنيهًا...مبلغ ضخم جدًا.

    غيرت الجامعة الأمريكية طريقة تفكيرنا أو تفكيري أنا على الأقل، فلم تكن الدراسة حفظا وتلقينا وامتحانا في نهاية العام، لكنها كانت تعتمد على الفكر النقدي، البحث، المكتبة، كتابة الأوراق البحثية بأنواعها والمناقشة ثم تأتى الاختبارات أحد مصادر التقييم. وكان التحدي أمامي كبيرًا، أولا المناهج كاملة بالإنجليزية، ثانيا وهو الأصعب طريقة الدراسة، فنحن ننتقل من دراسة الحفظ والتلقين إلى دراسة التفكير والمناقشة وتكوين الرأي. ولا أنسى فضل أساتذة كثر شكلوا عقلي وطريقة تفكيري أذكر منهم: جلال الدين الحمامصي، وسونيا دبوس، وعبدالله شليفر في الصحافة، وتيم سوليفان، ود.مصطفى كامل السيد في السياسة، ود.مديحة الصفتي ود.سعدالدين إبراهيم في علم الاجتماع، وغيرهم كثر علموني كيف أفكر وأناقش ولا أقبل المسلمات وكيف أستطيع أن أقول لا. جميعهم وآخرون لهم فضل علي فقد مكنوني أن أحصل على درجة البكالوريوس بأعلى مراتب الشرف بل وأن أحصل على كأس رئيس الجامعة كأولى الخريجين من جميع الأقسام (مناصفة مع زميلتي جيلان شندي).

    لم تكن الجامعة مجرد فصول دراسية.. فهناك تفتحت مواهبنا من الغناء، والشعر، والتمثيل، والصحافة، والسياسة.. وهناك مارست أولى تجاربي الصحفية في جريدة القافلة التي أصبحت رئيسًا لتحريرها فيما بعد. ولا يمكن أن أنسى واحدًا من أهم التحقيقات الصحفية التي أجريتها. حيث كانت القافلة واتحاد الطلبة حينها يمثلان قوى طلابية لا يستهان بها، وكنا نصر أن نشارك في صنع قرارات الجامعة، وألا تكون حكرًا على إدارتها.

    كان أحد تلك القرارات زيادة المصروفات الدراسية، وكان من بين المبررات نظام تأمين جديد للمكتبة لمنع سرقة الكتب كلف الجامعة مبلغًا كبيرًا. اكتشف أحد زملائنا ثغرة أمنية في النظام تسمح بسرقة الكتب، وحاول رئيس اتحاد الطلبة حينها أحمد بكري (رجل الأعمال ورئيس مجلس إدارة مجموعة أوليمبيك لاحقا) أن يلتقى رئيس الجامعة د.بدرسون لاطلاعه على الأمر وبالتالي مناقشته في زيادة المصروفات.. إلا أن بدرسون رفض اللقاء. جاءني أحمد بكرى وقررنا معًا أن نحقق بالصورة والصحافة عملية سرقة للمكتبة وننشرها لبيان فشل النظام الأمني.. وبالفعل نشرنا على صفحات القافلة بالصور عملية سرقة مئات الكتب التي أرسلها رئيس اتحاد الطلبة إلى رئيس الجامعة في صندوق مع تحياته. فوجئت إدارة الجامعة بالتحقيق منشورًا وسارع رئيس الجامعة لإغلاق المكتبة لإعادة النظر في النظام الأمني ولقاء رئيس الاتحاد الذي رفض مرارًا لقاءه سابقًا. بين الصحافة الحقيقية واتحاد الطلبة.. كانت لنا جولات.

    ذكريات الجامعة كثيرة تحتاج لصفحات.. لكن اللحظة الأعظم تبقى حين أنشدنا جميعًا "نحن أبناء الجامعة الأمريكية للأبد" بينما نلقي بقبعاتنا السوداء عاليًا.. تخترق السماء كما هي أحلامنا.. ونعتلي مسرح إيوارت، الذي شدت من فوقه أم كلثوم في الثلاثينيات وإيديث بياف في الأربعينيات واعتلاه عظماء مثل هيلين كيللير، وكوفي عنان، ومحمد حسنين هيكل وغيرهم. تبقى تلك اللحظة خالدة في مخيلة كل طالب تخرج في هذا الصرح العظيم، فقد كانت تختصر جهده وترسم أحلامه لعالم جديد. اكتشفت فقط خلال الاحتفال بمئوية الجامعة أنني لم أنتبه لجملة مكتوبة في قاعة إيوارت ترجمتها: "دع المعرفة تسري أكثر فأكثر.. لكن المزيد من التواضع يجب أن يبقى".

    المعرفة هي الأساس، العقل والتفكير هما مفتاح بناء الأمم بسواعد شبابها: شباب يفكر، يناقش، ينقد ويختلف ولا نعاقبه على الاختلاف. هكذا علمتنا الجامعة الأمريكية: أن نكون مختلفين.

    ***

    Lameesh1@gmail.com

    إعلان

    إعلان

    إعلان