نهاية نهاية التاريخ في إيران والعراق ولبنان

طارق أبو العينين

نهاية نهاية التاريخ في إيران والعراق ولبنان

طارق أبو العينين
09:00 م الأحد 24 نوفمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران، ذهب الخطاب التحليلي العربي والعالمي باتجاه ربط تلك الاحتجاجات باحتجاجات العراق ولبنان ومن ثم اختزال مآلاتها في تراجع حجم النفوذ الإيراني في المنطقة باعتبار إيران دولة متنفذة في كل من العراق ولبنان بفعل البنية الطائفية للنظام السياسي والاجتماعي في كلا البلدين، ومن ثم فإن إسقاط حكومتي العراق ولبنان، في ظل تنفذ المكون الشيعي الذى تحركه إيران داخل النخبة السياسية في البلدين - سوف يشكل في نهاية الأمر ضربة قاصمة للنظام الإيراني.

إلا أن بواعث تلك الاحتجاجات، في اعتقادي، تجعلها لا ترتبط بشكل جنيني بطبيعة الدور الإيراني وحجم نفوذه في المنطقة فحسب؛ لأن تراجع هذا الدور والنفوذ سيكون أحد تداعياتها وليس جميعها؛ لأن تلك الاحتجاجات ترتبط بحالة السخط الشعبي تجاه الطبقة السياسية بكامل مكوناتها الطائفية في العراق ولبنان نتيجة تردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلدين؛ وهو تردٍ أدى إلى انكشاف النظام الإيراني نفسه في الداخل قبل الخارج بفعل غضبة الإيرانيين أيضًا على نخبتهم السياسية وهو غضب شعبي حركته نفس البواعث التي حركته في لبنان والعراق؛ بما يعنى أن التداعيات السياسية الدولية والإقليمية للاحتجاجات في إيران ولبنان والعراق المتعلقة بتراجع المد الشيعي وتقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ستكون مجرد نتاج للغضب الشعبي الداخلي في تلك البلدان، الذي نجم عن فشل نخبها السياسية في تلبيه مطالب الجماهير على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

وهو ما يعنى، ببساطة، أن الخطاب التحليلي العربي والعالمي تجاه تلك الاحتجاجات يجب أن يُغير تلك الفرضيات والأطر الأساسية التي هيمنت عليه لعقود، وجعلته ومن خلفة نخب السياسية هنا وفى الغرب يضخمان من حجم دور ونفوذ النظم العقائدية المؤدلجة كالنظام الإيراني في محيطها الإقليمي مع تجاهل وتهميش المطالب الاقتصادية والاجتماعية التي باتت تمثل عصب السياسة الحقيقي، والتي يشكل تجاهلها كذلك أزمة عميقة يمكنها أن تشرخ شرعية نظام عقائدي مؤدلج متنفذ إقليمياً كالنظام الإيراني داخل بلادة وفى مواجهة جماهيره.

فالتصور السياسي القائم على اعتبار البواعث الأيديولوجية وحدها هي المحرك الأساسي والوحيد للاحتجاجات الشعبية، وأن تحييد الإيديولوجيات السياسية ووضعها جانباً يمكن أن يهدئ من موجات الفوران الشعبي والجماهيري - أصبح تصورًا قديمًا يرتطم بالواقع الجديد الذى خلقته تلك الاحتجاجات الشعبية في البلدان الثلاثة ومن قبلها احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا، وهو تصور طرحة المفكر السياسي الياباني/ الأمريكي فرانسيس فوكوياما؛ باعتباره الفرضية المؤسسة لمقولته الشهيرة والمثيرة للجدل (نهاية التاريخ) فقد افترض فوكوياما بأن تقلص وكمون الجدل الأيديولوجي، بعد انهيار الشيوعية، سوف يؤدى بالضرورة إلى إحجام جماهيري عن فكرة الاحتجاج تعبيراً عن الغضب؛ لأن كل أشكال النضال التي تستثير الجسارة سوف تختفي من العالم بكل أسف لتحل محلها حسابات اقتصادية وتقنية هدفها تلبية متطلبات مجموعة من المستهلكين المتحذلقين، بحسب وصف فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير».

وهنا أخفق فوكوياما مرتين؛ لأنه افترض أولاً أن كل الحكومات التي ستتجه صوب التحول الرأسمالي سوف تتمكن بالتبعية من تلبيه كل مطالب شعوبها اقتصاديًا واجتماعيًا، ولأنه افترض ثانيًا أن المنطق الاحتجاجي لدى الجماهير مرتبط بأيديولوجيا ملهمة تُحركه، فإذا سقطت أو خفت تأثيرها سوف تنتهي كل أشكال الاحتجاج الشعبي.

ولذلك يمكن القول، في النهاية، إن هذا النمط الاحتجاجي الجديد في إيران ولبنان والعراق ومن قبله في فرنسا هو بمثابة نهاية لمقولة نهاية التاريخ؛ فلا النظم الرأسمالية العتيدة كالنظام الفرنسي نجحت في تلبية مطالب شعوبها، ولا تطلّب الاحتجاج الشعبي بالضرورة أيديولوجيا تلهمه، وتؤطره، وتحركه، كما حدث في لبنان والعراق وإيران التي وضعت الاحتجاجات فيها نظاماً أيديولوجيًا، كالنظام الإيراني في موقف بالغ الحرج داخليًا وخارجيًا وهو ما يؤكد أن هذا النمط الجديد من الاحتجاجات يمكن اعتباره منتجًا سياسيًا ومجتمعيًا كونيًا عابرًا للتصورات الأيديولوجية والإقليمية الضيقة، ومن ثم فإنه يمكن أن يُشكل هاجسًا لكافة النظم السياسية؛ إذ إنه لا يفرق بين نظم سياسية طائفية مهلهلة كحالة العراق ولبنان ونظم أيديولوجية هوياتية مغلقة، كالنظام الإيراني ونظم سياسية ليبرالية منفتحة وعريقة، كالنظام الفرنسي، ومن ثم فلا يمكن التعامل معه نهائيا، وفقاً لتلك لأطر والفرضيات التقليدية التي حكمت الخطاب السياسي والتحليلي لعقود.

إعلان

إعلان