"ظلام مُطمئِن".. قصة قصيرة

د. عمار علي حسن

"ظلام مُطمئِن".. قصة قصيرة

د. عمار علي حسن
09:00 م الأربعاء 13 نوفمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

حين أضاءت اللمبة الوحيدة المعلقة في أحد أعمدة الجسر الخالي في تلك الليلة العاصفة حالكة السواد، تمكن من أن يرى كل شيء: ناموس وهاموش يتكاثر عند النور الأصفر. كلب يقعي قاعدة العمود الأسمنتية كي يقضي حاجته. ضفدع يفر قافزًا في الترعة ضحلة الماء. ثعبان يقترب من الكلب في حذر مادًا لسانه نحوه. غبار وقش وورق يدور متخبطًا. خفاش يدور حول العمود المتبلد في ارتفاع وانخفاض. دبور يحاول أن يتفادى الاصطدام بالخفاش الحائر، ثم يغيب في اتجاه الحقول الهائجة. ذئب يمد بوزه من البوص المتكاثف على شاطئ الترعة، كاشفًا عن أنياب حادة. خرقة تهتز بقوة فوق البوص، مرفرفة بين رأس الذئب والساقين الخلفيتين للكلب.

حين خرج من بيته في هذا الليل قاصدًا حقله، قالت له زوجته:

ـ لا تخرج، فاللصوص يملؤون الغيطان حول البلدة.

ولما رأته غير عابئ بكلامها، قالت:

ـ في الشتاء المظلم تكثر العفاريت.

طوح يده في وجهها، وقال:

ـ ما عفريت إلا بني آدم.

ابتسمت وقالت:

ـ اللصوص عفاريت.

كان يعرف أنهم يكمشون وسط أعواد القصب والذرة، ويهجمون من حيث لا يدري الضحية، لكنه كان مطمئنًا إلى أنه ليس معه ما يُسرق سوى ملابسه، وحتى هذه قديمة بالية متسخة، لا تشجع أحدًا على سرقتها. هم سبق وأوقفوه قبل أسابيع قليلة، ثم تركوه ممتنًا لشفقتهم.

تركها غارقة في رجائها، ومد يده إلى باب البيت، ففتحه، وأفلت جسده، ثم أغلقه ومضى، يدوس تراب الشارع، الذي سلمه إلى الجسر الخالي.

أغمض عينيه، ليتفادى رؤية كل ما يجري عند العمود، ويكون بوسعه أن يمضي في طريقه، إلى حيث يريد. تقدم في خطوات مرتعشة، لكن قلبه الذي كان يرتج بعنف دفعه إلى الخلف، فوقف مكانه، ثم استدار، ومضى في الاتجاه المعاكس، مستسلمًا لنور شحيح كانت اللمبة ترميه على جسده فارع الطول والتراب الغاضب، ومطمئنًا إلى أن الظلام الذي يشتد كلما تقهقر سيحجب عنه رؤية ما يدور حول أعمدة الإنارة المطفأة، وسيستر جسده عن عيون اللصوص المتربصين.

إعلان

إعلان