• بلال البدور.. شغف التوثيق، والعلاقات المصرية الإماراتية

    د. أمــل الجمل

    بلال البدور.. شغف التوثيق، والعلاقات المصرية الإماراتية

    د. أمل الجمل
    09:00 م الإثنين 28 أكتوبر 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    قبل أسبوعين، قدمت كاتبة هذه السطور محاضرة بعنوان "المسافة بين السرد الروائي والسينمائي" بالنادي الثقافي العربي بالشارقة وذلك في إطار الاحتفاء بأحد كتبها التي صدرت هناك بعنوان: "القتلة بين هيمنجواي وتاركوفسكي"، ثم حضرت عدة ندوات أخرى كان أبرزها جلسة قرائية نظمتها ندوة الثقافة والعلوم في دبي لكتاب "الفريج.. ذكريات من الزمن الجميل".

    شجعني لحضور الندوة أن الكتاب وَثَّقه الشاعر والكاتب الإماراتي إبراهيم محمد بو ملحة الذي قرأت له ذات يوم قطعة أدبية شاعرية، منسوجة بعواطف جياشة إزاء مصر ودورها بعنوان: "ذكريات عن الأزهر.. من طالب أزهري من الإمارات"، ومنها مثلاً:

    "وصل خير الأزهر وعطاؤه إلى كثير من البلدان والشعوب كالإندونيسيين والصينيين والماليزيين والفلبينيين وإلى شعوب القارة الإفريقية، وقبلهم إلى الشعوب العربية، فقد فتحت مصر قلبها ويديها وقدمت الكثير لأبناء العروبة والمسلمين، وأهم ما قدمه الأزهر الشريف من خدمات جليلة في مجال العلم والمعرفة الشرعيين، حتى بلغت أعداد من احتضنهم الأزهر ودرّسهم الملايين، ولا ينكر ذلك إلا جاحد وناكر للجميل والمعروف؛ إذ ليس هناك مؤسسة شبيهة قامت بمثل دور الأزهر على مدى طويل من الزمن".

    كلمات المستشار بو ملحة أعادت إليَّ تجربة سعادة بلال ربيع البدور، فهو أحد عشاق مصر، درس في الأزهر، وعمل في السلك الدبلوماسي، وفي الثقافة والإعلام وقطاع الشباب والرياضة، وأحد المؤسسين لندوة الثقافة والعلوم والمساندين لها ولدورها الذي حققته في الساحة الثقافية والعلمية، على مدار عشرين عاماً، من خلال احتضانها للفعاليات الثقافية والفنية بمختلف فروعها، وتنظيمها لندوات ومحاضرات ومعارض ثقافية وفنية.

    قبل موعد الندوة بنحو الساعتين التقيت سعادة بلال البدور وبدأت حواري من المرحلة الجامعية بمصر، والمسؤولية التي يتحملها مَنْ يدرس خارج بلده، فاستعاد الذكريات، حول الدَرَاسة، ومنطقة الجَمَالِيَّة، والأتوبيس رقم ٦٦ الذاهب إلى الدَرَاسَة، فقد كان من طلاب الأزهر عام ١٩٧١.

    تحدث، كذلك، عن التحاقه بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر حين كانت تزخر بالأعلام والرجال المحترمين عام ١٩٧١، بما لديهم من مخزون معرفي وثقافي هائل، لذلك يصف البدور مصر بأنها:

    "لا تُعتبر فقط جامعة الدول العربية، لكنها جزء من الأمم المتحدة، فهناك طلاب من كافة الدول.. كذلك إنشاؤها لمدينة البعوث الإسلامية للطلبة من أفريقيا وآسيا.. هذا التنوع منحنا فرصة للتواصل والتعرف على ثقافات مختلفة.."، ثم يستطرد: "من حسن حظي أنني بالمرحلة الثانوية تعلمت على أيدي مدرسين مصريين من الأزهر، وفي علوم أخرى، إضافة إلى مدير المعهد الديني - كان مواطنا إماراتيا - يدربنا على إعمال العقل والتفكير، وهذا أفادني في المرحلة الجامعية وجعلني قريباً من بعض الدكاترة" .

    إشكالية اللغة

    التحق البدور بشعبة اللغة العربية في الأزهر. كان الوحيد بالقسم، بينما جميع زملائه الإماراتيين - باستثناء اثنين بقسم التاريخ - التحقوا بكلية الشريعة والقانون. الوحدة جعلته يُفكر أن ينضم للأكثرية، لكنه تلقى النصيحة بالبقاء، لأنه سيكون الوحيد المتخرج في قسم اللغة العربية.

    صدقت النصيحة، وسرعان ما تحولت اللغة عنده إلى شغف وممارسة، "فاللغة ليست مجرد حلقة وصل بينك وبين الآخر. إنها حياة، وتاريخ الأمم"، هكذا يوضح البدور بأن عشقه للغة أخذ يتزايد عندما بدأ التنازل عنها بمجتمعاتنا العربية.. فالطلاب والأجيال الحديثة تُهمل العربية، "فاللغة بأي مجتمع هي لغة الحياة اليومية للناس، ومجتمعاتنا الخليجية كان لها خصوصية، كانت تستقبل العمالة بأعداد كبيرة، بينما أعداد سكانها المحليين محدودة، فالعمالة لها لغتها، لغة الشارع، فعندما يذهب المواطن إلى البقال من جنسية مختلفة، سيتحدث البقال بلغته، أو سيتحدث بلغة وسيطة، وكذلك الخباز، وغيرهما من أصحاب المهن المختلفة.

    ثم، ظهرت "عقدة الخواجة"، فإذا كنت تريد أن يلتحق ابنك بوظيفة ممتازة فعليك أن تُعلمه اللغة الإنجليزية. كل الوظائف التي يُعلَن عنها تشترط الإجادة التامة للإنجليزية، فابتعد الناس عن لغتهم، وفي مجتمع الإمارات أصبح الأمر أشد؛ لأن الجالية الأجنبية به تزيد على ٢١٠ جنسيات، وكل جالية لديها قدر عدد كبير من أبنائها؛ ليتحدثوا لغتهم. للأسف، المواطنون بدلا من تعليمهم اللغة العربية أصبحوا إما أن يتحدثوا بلغة تلك الجاليات الأجنبية أو باللغة الوسيطة".

    للصدفة دور مهم في التاريخ المهني لسعادة بلال البدور، لكنه وظفها لصالحه، وأخذ بالأسباب وتهيئة النفس، فعقب التخرج كان مرشحاً لوظيفة شاغرة بمديرية الشؤون الإسلامية في الإمارات، وهي إدارة تفتيش المساجد، ورغم أن كثيرين كان يحلمون بها، لكنه رفضها.

    كان البديل أن يلتحق بالتدريس أو مجال الإعلام. لكن أحد الأصدقاء نصحه: " لو انخرطت في الوظيفة ستضيع وتضيع عمرك، فلماذا لا تعمل في وزارة الخارجية؟"، فتقدم البدور وتم اختياره وتعيينه سكرتيراً ثالثاً بوزارة الخارجية، بقسم الشؤون العربية عام ١٩٧٥، وفي يونيو ١٩٧٦ صدر قرار بنقله إلى القاهرة، ففرح بفرصة العودة لمنابع الدراسة وظل هناك ثلاث سنوات، حيث عمل ملحقا ثقافيا، فانتقل للشؤون السياسية، مساعدًا للمندوب الدائم بجامعة الدول العربية.

    هنا، تبدأ مرحلة بناء جديدة؛ لأنه "أصبح قريبا من مطبخ اتخاذ القرار، فكل شيء يمر خلال اللجان، كل القرارات والمراسلات، ومخططات واقتراحات الأنظمة، فكان ممثل الإمارات في اللجنة الدائمة، واللجان الفرعية، واجتماعات القمة، والاجتماعات الدائمة، وعندما نُقلت الجامعة العربية إلى تونس انتقل معها ليُواصل مهامه، مشيرًا للتغيرات التي أصابت تونس -عقب ذلك - فحولتها من مدينة هادئة وديعة إلى حياة الصخب.

    وفاة الوالد وتحول مهني

    سألته: هل عملك الدبلوماسي سفيرًا في المملكة الأردنية الهاشمية كان تتويجًا وتكريمًا لمسيرتك المهنية؟ فتحدث عن وفاة والده، وقراره ترك عمله بالخارجية في أبوظبي، رافضًا كل محاولات الإقناع والإغراء بالبقاء؛ ليبحث عن وظيفة أخرى بجوار بيت الأسرة في دبي التي كانت تحتاجه في ذلك الوقت، قادته الصدفة لأن يُرشح للعمل بالمجلس الأعلى للشباب والرياضة، وظل فيه من عام ١٩٨٢ حتى ٢٠٠٤، حيث تدرج في المناصب التي اختتمها بإدارة الثقافة الإعلام، قبل تَوَلِي منصب وكيل مساعد الثقافة والفنون عام ٢٠٠٤ وحتى ٢٠١٤.

    عندما قرر البدور أن يتقاعد بعد أربعين سنة في الوظيفة؛ ليتفرغ للكتابة والسفر والاستمتاع بالحياة، ففي رأيه "الأفضل أن يخرج الموظف من مكتبه إلى المطارات ليطوف العالم، أفضل من أن يخرج إلى سرير المستشفى". لكن حينها، تم ترشيحه ليكون سفير الإمارات بالأردن، طوال عامين، أما الآن فيعيش مرحلة التقاعد، ويسافر كل ثلاثة أو أربعة أشهر مع مجموعة من زملائه ليطوف بدول العالم.

    أسأله: لك عدد من الكتب تُوثق كثيرًا من الأمور بالإمارات، ولعلاقاتها بدول أخرى، فهل تعمل على كتاب في أدب الرحلات؟ ينفي ذلك، مؤكداً أنه، ربما، يكتب حول أحد المظاهر أو الخواطر أثناء سفره، لكن ما يشغله هو إكمال مشاريع كتبه التوثيقية، ومنها كتاب يُوثقه حاليًا عن جذور العلاقات الثقافية بين الإمارات ومصر، التي تعود إلى عشرينيات القرن الماضي، عندما كان أبناء الإمارات يراسلون صحيفتي المنار والفتح ويكتبون لها بعض المساهمات، كما أن أول خريج من الأزهر من أبناء الإمارات كان في العام الدراسي ١٩٢٩/ ١٩٣٠.

    يقترب حواري من نهايته مع بلال ربيع البدور فأُعبر عن دهشتي لتوقف أحد أهم الإصدارات في الوطن العربي وهي مجلة دبي الثقافية، فيشير إلى مجلة المنتدى التي سبقتها، مُضيفاً "المفترض أن الثقافة ترتكز على أبناء البيئة، لما نتأمل مجلة دبي الثقافية لن نجد قلم الكاتب الإماراتي وأبناء دولة الإمارات حاضرًا بها. بينما، هناك جنسيات عديدة تسهم فيها. إذًا، كانت تلك خلطة من الصعب أن تعبر عن أبناء الإمارات. صحيح هناك تعبير عن أبناء الوطن العربي، وهناك مجلة العربي نموذجاً فهي الأخرى لم تقم على أبناء الكويت، وإنما قامت على أبناء الوطن العربي، عندما كان المواطن العربي متعطشًا للثقافة، فيجب أن تُخرِجني المجلة للآخر، ولا تكون إعادة تصدير.

    أسأله: إذا لم تكن مجلة دبي الثقافية تعبر عن أبناء الإمارات، فلماذا لم تكن هناك محاولة لإعادتها إلى الصواب، وبحث سبل التعبير عن ذلك بدلاً من إيقافها تمامًا، خصوصًا أن المجلات الثقافية المهمة قليلة ونادرة في الوطن العربي، فيجيبني البدور: "ربما، ربما تعود دبي الثقافية في ثوب آخر. المهم أنه يجب ألا يُنظر إليها كمصدر إيراد، ولكن كمصدر إثراء للثقافة". وعندما أسأله عما يود إضافته في ختام حوارنا يقول:

    "نحن، لا نستغني عن الثقافة المصرية التي كانت الغزو المحبب يوم كانت الدول الغربية تغزو الدول العربية للاستيلاء عليها. كان غزو مصر لنا هو غزو الإعمار والتنوير، وستبقى مصر دائمًا هذه المنارة التي نعود إليها كلما خفت صوت هذه الأمة".

    __صورتي--مع-البدور--1_

    إعلان

    إعلان

    إعلان