ما بعد داعش.. في انتظار تنظيم إرهابي جديد

د. عمار علي حسن

ما بعد داعش.. في انتظار تنظيم إرهابي جديد

د. عمار علي حسن
09:00 م الأربعاء 02 أكتوبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لا يمكن نسيان الهيئة التي كان عليها الدواعش في سوريا وهم يتقدمون ببطء رافعين أيديهم استسلاما، وعلى وجوههم حسرات، وعيونهم كسيرة، وجباههم مغبرة، كأنهم خارجون من كهوف التاريخ. إنها نهاية مذلة لم تكن تخطر لهم على بال في أيام عنجهيتهم وغطرستهم، حين ظنوا أن الأمر قد دان لهم، وأن خلافتهم المزعومة قد قامت ولا سبيل لزوالها.

لقد راهن من صنعوا داعش على أنه سيكون التنظيم الذي يشكل الطور الأكثر توحشا في مسار الإرهابيين، والأعمق توظيفا ودمجا في سياسات إقليمية ودولية، والأوسع طموحا في مشروع المتطرفين أو "الراديكاليين" أو معتنقي "التطرف العنيف"، والأعلى صخبا في العالم بأسره، والأمضى أثرا في تغيير مصائر دول، أو إعادة صياغة مجتمعات بشرية، أو هندسة الجغرافيا بطريقة تختلف عما كان سائدا أيام الحقبة الاستعمارية وما تلاها.

اليوم زال داعش بوصفه "دولة وهمية"، لكنه قد لا يكون الطور النهائي" في حركة الإرهابيين المستندين، زورا وبهتانا إلى الإسلام، إنما هو قابل للرحيل أو العجز، مثلما رحلت وعجزت قبله تنظيمات أخرى، أو تداعت قواها، وفقدت تأثيرها، بعد أن تخلى عنها رعاتها، فشح تمويلها، وقل رجالها، وتغيرت خططها، وتحولت بمرور الوقت إلى مجرد اسم يذكر عرضا في نشرات الأخبار، ويحل كخلفية في بعض التحليلات السياسية، ويدون في كتب التاريخ المعاصر.

لكن انقضاء داعش لا يعني أن ظاهرة "الإرهاب" العالمي في طريقها إلى الانطواء أو الانحسار، فتجربة التاريخ القريب منحتنا معطيات تقول بوضوح إن هناك تنظيما آخر سيحل محل داعش، أو أن داعش سيجدد نفسه، ويعزز قواه، ويجد من الأسباب التي تنفخ في أوصاله، وقد يجد أرضا أخرى غير التي انطلق فيها، يقيم عليها ما يسميها "الخلافة".

ففي سبعينيات القرن العشرين كانت هناك تنظيمات تسمى "جهادية"، موزعة بين دول عدة، لكنها ذات صبغة محلية، واستمرت طيلة الثمانينيات، لكنها لم تلبث أن فارقت محليتها، وساحت في العالم حين تم توظيفها في الصراع الدولي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي المنهار إبان الحرب الباردة، وكان ساحة الصراع هي أفغانستان، التي مثلت البؤرة الأساسية لإرهاب متعولم، استفاد فيما بعد من ثورة الاتصالات، والتهاب النزاعات الإقليمية، والنشاط المفرط الذي حل بتنظيمات محلية متطرفة، تمكنت من إمداد التنظيم العابر للحدود بعناصر جاهزة.

وقد بلغ هذا مدى لم يكن معروفا من قبل مع قيام ما تسمى "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبين" عام 1998، والتي ذاع صيتها تحت لافتة "تنظيم القاعدة"، إذ إن هذا التنظيم الإرهابي الخطير هضم في جوفه العديد من التنظيمات الجهادية الصغيرة والمتناثرة في مختلف الدول الإسلامية، وأعطاها صيغة مختلفة، لا سيما بعد أن وصلت حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان.

لكن تنظيم القاعدة ضعفت قوته، وبهت صيته، مع تحول فروعه لتأييد "داعش" الذي بدا في منتصف طريقه تنظيما قويا، ذا مال وأرض ومقاتلين ودعاية إعلامية مدروسة، واستمر على حاله نحو ثلاث سنوات، مقتطعا جزءا كبيرا من أرض العراق وسوريا، ليقيم عليها ما أطلق عليها "الخلافة الإسلامية"، وهي الشكل السياسي والحيز الجغرافي التاريخي الذي لا يكف المتطرفون والإرهابيون عن محاولة استعادته من قلب القرون البعيدة.

واليوم، ومع هزيمة "داعش" النكراء، يثار تساؤل طبيعي ومتوقع عن مستقبل ظاهرة الإرهاب العالمي، وهو سؤال تتعدى الإجابة عنه ما يتعلق بمآل تنظيم داعش، وما إذا كانت تنظيمات أخرى ستقوم في مكان ما من العالم، وتحوز مثل قوته، أو ما هو أعلى منها، إلى مستقبل الأفكار التي ينهل منها الإرهابيون، والتي تتوالد وتتناسل وتجدد طاقتها الشريرة، وتمنحها ثورة الاتصالات قدرة على الانتشار.

فمن زاوية الفكرة فإن تنظيمات إرهابية متوقعة ستحتفظ بمقولاتها ومفاهيمها الأساسية، وقد تضيف إليها من واقع الظروف التي ستمر بها، مثلما أضاف داعش أفكارا بائسة من قبيل "إدراة التوحش" و"دولة الظل" و"المقاتل الشبح" و"الذئاب المنفردة"، وقبله أضاف القاعدة مفاهيم مثل "العدو القريب" و"العدو البعيد" وتقسيم العالم إلى "فسطاطين" بديلا للمفهوم التاريخي عن "دار الإسلام" و"دار الحرب"، كما أعاد "الجهاد" التقليدي توظيف مفاهيم مثل "التترس" و"رد الصائل" و"جاهلية القرن العشرين"... إلخ.

أما الجانب الحركي فقد يتمثل في جانب منه مساعٍ حثيثة لـ"داعش كي يتحول إلى تنظيمين محليين، واحدٍ في العراق والآخر في سوريا، على غرار ما كان الحال أيام تنظمي "القاعدة في أرض الرافدين" و"القاعدة في بلاد الشام"، واللذين شكلا نواة صلبة لقيام "داعش" نفسه، أو تناثره إلى شظايا إرهابية تقوم بعمليات كر وفر في البلدين. لكن لن تكون هذه الخطوة سهلة، في ظل انكشاف أساليب التنظيم، وتشتت عناصره، وضرب بنيته الأساسية.

وفي جانب آخر قد تحاول تنظيمات ذات طابع داعشي تكرار التجربة على أرض أخرى، مستغلة ضعف قبضة السلطة المركزية، وقيام فوضى واضطراب اجتماعي، في بلد ما، الأمر الذي يخلق فرصة لقيام ما تسميه الحركات الدينية التي تمارس التطرف العنيف "وطن بديل"، أو "دولة ظل"، وهي مسألة مرشحة لها مناطق عدة، وقد رأينا مثلا صارخا لها في التنظيم الإرهابي الذي استولى على جزء من أرض مالي، لولا تدخل الجيش الفرنسي بتفويض أوروبي، للقضاء عليه، أو مطاردته، وإضعاف نفوذه.

أما بالنسبة للعمليات الخاطفة التي يقوم بها التنظيم على أرض غير عربية وإسلامية، مثلما شهدت أوروبا على مدار السنوات القليلة الفائتة، فمن المتوقع أن تستمر مثل هذه العمليات، وقد تجدد وسائلها وأساليبها، وتطال بلدانا أخرى لم تصلها من قبل، لا سيما بعد انضمام غربيين أقحاح إلى صفوف "داعش"، وفي ظل استمرار قدرة التنظيمات الإرهابية على تجنيد عناصر جديدة، وتعزز الاعتماد على ما تسمى "الذئاب المنفردة".

إن ظاهرة الإرهاب العالمي لن تخرج من حيز الوجود والقدرة على الأذى، مع هزيمة داعش وإذلاله، مثلما لم يحدث ذلك بإضعاف القاعدة، فالأسباب التي تصنع الإرهاب لا تزال قائمة، والأدوار التي يؤديها الإرهابيون لصالحهم أو لحساب قوى تستخدمهم لتحقيق مصالحها يمكن أن تستمر. لكن الأمر سيتغير تماما حال اتفاق الدول جميعا على استراتيجية لمحاربة الإرهاب، تشارك في صناعتها، وتخلص لها، وتعمل على تنفيذها دون إبطاء.

إعلان

إعلان

إعلان