"الضيف".. رسائل عكسية تماماً

د. أمل الجمل

"الضيف".. رسائل عكسية تماماً

د. أمل الجمل
09:00 م الأحد 20 يناير 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

 

أخطر ما في "الضيف" لمؤلفه الكاتب الصحفي وأحد مذيعي برامج "التوك شو" إبراهيم عيسى ومخرجه هادي الباجوري- أنه في مستواه الثاني من المعاني والأفكار يطرح عدة نتائج من المثير للدهشة حقاً أن تصدر عن كاتب ومثقف يُصنف على أنه ليبرالي مستنير.

أولها؛ أن التربية في بيت علماني ليبرالي هي تجربة فاشلة؛ فالأب الذي يُصَّدر أفكاراً يُحاول أن يُصلح بها المجتمع ويقاوم بها الفكر المتشدد، يُثبت الفيلم عدم جدواها في عقر داره، إذ لم ينجح في إقناع ابنته، رمز المستقبل، ورمز الجيل القادم. مما يقودنا لنتيجة مفزعة، مما يجعلنا نتساءل: وما هو البديل إذن في مواجهة التشدد والتربية الدينية؟! فإذ كانت الحرية والديمقراطية تقود لنفس الطريق، فهل لدينا خيار ثالث؟! ومعنى ذلك أن الأسرة ودورها التربوي ليسا فاعلين، ولا يُعَوَل عليهما، فهل هذا صحيح؟!

تبرير ساذج، لا درامي

صحيح أن الحرية مسؤولية، وأن البعض يهرب منها، لكن مثل هؤلاء يكون لهم مبررات سيكولوجية قوية، طبعا إن لم يكونوا من العبيد الذين يخشون الحرية. فالمؤلف هنا يلجأ لتبرير ساذج لسلوك الابنة فيجعلها تقول: "الحرية مسؤولية وأنها تعبت منها، وأنها تُريد لأحد آخر أن يتحملها عنها".

هنا، نتساءل: ما الذي يجعل فتاة جريئة جداً وُلدت، وتربت في بيت مغمور بالحب والتسامح، والحرية، والقراءات المتعددة، تلك الفتاة هي ابنة وحيدة علاقتها بوالدها مثالية. الأب ينفذ لها كل طلباتها، يُعاملها مثل برنسيسة، وكأنها ند وشريك له في أفكاره، ثم فجأة تخرج علينا لتقول: إنها ستتحجب، وليست بحاجة لقراءة أفكار والدها، وإنها لم تقرأ كتبه أصلاً.

صحيح، طبعاً، أن عددا من أبناء الكتاب لا يقرأون لآبائهم، لكنهم يعيشون هذه الأفكار في البيت، وصحيح أن الأولاد قد يخرجون ليسلكوا طريقاً معاكساً للآباء، لكن ذلك لا يقع بمثل تلك السطحية، فدائمًا هناك مبررات ودوافع سيكولوجية تقود الأبناء لتلك القرارات.

أما فيلم "الضيف"، فاختفي منه الجانب السيكولوجي لفريدة، وتم تقديمها بشكل ساذج، واقتصر وجودها فعلياً لتكون هي الثغرة الجميلة والآمنة التي ينفذ من خلالها الضيف الإرهابي إلى داخل البيت، فنحن لم نرَ أي محاولات تقنعنا لماذا فجأة تحولت هذه الفتاة الجريئة التي تحرك والدها إلى قطعة وديعة تميل برقبتها على إحدى كتفيها لتُمثل الخضوع والخنوع غير المبررين في أكثر صورة افتعالاً وركاكة.

هل حقاً .. العنف هو الحل؟!

الأمر الثاني أنه يتبني منطق الجماعات الإرهابية من دون أن يدري. ألم يقل بالدليل العملي، ومن خلال الفعل الذي يحدث أمامنا على الشاشة أنه لا جدوى من النقاش، ولا الحوار، وأن الحل هو العنف، بل في المسدس، والقتل؟

حتي لو ألبس ذلك الحل رداء الدفاع عن النفس والعائلة، فلا بد ألا ننسى أنه طوال الساعة ونصف الساعة التي حاول فيها المفكر- البطل- تقديم نماذج من السنة والتاريخ أن يُفتت بها قناعة المشاهدين قبل قناعة هذا الشاب المتطرف المدعو أسامة فلم ينجح، بل على العكس كان يَزيد من حنق الآخر وغضبه، ويُؤجج مشاعره، ويجعله ماضياً في عزمه على تنفيذ مهمته.

هل لنا أن نتساءل: لماذا لم ينجح الدكتور يحيى التيجاني الكاتب والمثقف في تغيير خصمه، أو إقناعه بأي شيء؟!

أعتقد أنه بسبب نرجسيته، لأنه كان طول الوقت يُحاضر من علِ، فرغم تدثره بكل خفة الظل، وادعاء الهدوء، فقد ظل يُحاول أن يثبت للآخر أنه على خطأ، وأن كل الآراء التي يتحصن بها محض افتراء، ومشكوك في صحتها، وكأنه يرغب في أن يهدم له الأرضية الثابتة المستقرة تحت قدميه، ولم يترك له الفرصة للحظات كي يُعمل عقله، كان طوال الوقت في حالة هجومية لتقديم حجج- يتوهم أنه بها- يدحض رأي الآخر، ويزلزل قناعته، وهذا في تقديري لا يقود لمزيد من العناد لأنك لا تجذب الآخر بأسلوب سمح، وإنما تسخر منه وإن بشكل متوارٍ.

المشكلة هنا ناجمة من مؤلف العمل. لأنه ليس كاتب دراما، هو كاتب أيديولوجي، لديه أفكار كثيرة من قراءته الواسعة في الدين، وموقفه منه، فهو يرغب في وضعها في إناء حاوٍ تتم تسميته مرة بالرواية، ومرة أخرى بالفيلم السينمائي، لكن الحقيقة أن لا هذا ينتمي للرواية، ولا ذاك ينتمي للفيلم السينمائي، لأنه أصلاً يفتقد عنصر الصراع الدرامي المتكافئ التلقائي، ويغيب عنه بوضوح القدرة علي رسم شخصيات درامية من لحم ودم تتفاعل في وسط زماني ومكاني، وهي قادرة على أن تكون نفسها، فتتحرك لتعبر عن تكوينها الذاتي والنفسي، من دون تدخل المؤلف، أما هنا في "الضيف" فالجميع مُكرس للتعبير عن الأفكار التي يعتنقها إبراهيم عيسى.

حوار أحادي متطرف

ظاهرياً يبدو أن الفيلم يعتمد على الحوار، لكن الحقيقة أن هذا ليس حواراً، لأنه لا يعتمد علي المناقشة الحقيقية، ولا يمنح الشخوص الأخرى الفرصة لإقامة مناقشة- وإن ادعى ذلك- إنه أقرب للخطابة، آراء أحادية جداً تمثل شخصية يحيى، بمساندة زوجته. أما الخصم فتم التقليل من قدرته على الرد، عمدا أو سهواً، وهو خطأ درامي كبير، لأنه عندما ترسم الخصم ضعيفا غير قادر على التعامل مع البطل بندية، فهذا يُقلل من شأن البطل. فكلما زادت قوة الخصم ارتفعت مكانة البطل وزادت قيمته وتأثيره.

يُمكن اعتبار الدكتور يحيى التيجاني هو الصورة الأخرى من المتشددين الدينيين، برغم كل السخرية والظُروف التي حاول أن يكسو بها المؤلف ملامح الشخصية، ورغم كل الطاقة الأدائية التي غلفها بها الفنان خالد الصاوي الذي يعتبر أحد الممثلين الضالعين في تقديم تنويعات على لحن الشخصية متنقلاً ما بين المزاح، وخفة الظل والشجن الخفي في ركن ما بعيد، والغضب عندما تعتريه المفاجأة، مرات بهدوء وغضب مكتوم، ومرات بانفعال وصوت عالٍ.

رغم ما سبق، ورغم مهارة خالد الصاوي، ودوره الكبير في انتشال الفيلم من السقوط في فخ الملل، لكنه في بعض اللحظات كان غير قادر علي تقديم انفعال مُقنع، ليس لسبب إلا لخطأ في رسم الشخصية، ولمحاولة المخرج إطالة تلك المنطقة المتوترة، بينما كان الممثل في تلك اللحظة قد استنفد كل طاقته الإبداعية وأصبح يُكرر نفسه، وأقصد بذلك في بعض لحظات التهديد بالمسدس.

أما شيرين رضا، فأجادت في المناطق العاطفية الهادئة بشكل لافت، أما لحظات الانفعال والخوف، فقد كانت تكشف قدراتها الضعيفة كممثلة، وهي بحاجة لإعادة الاشتغال على نفسها لتطويرها أدائياً.

هادي وضيوف الشرف

قطعاً البطل الأول هنا ليس الحوار، ولكنه المخرج هادي الباجوري، باختيار كادراته المتنوعة، الثرية بالإضاءة، وقطع الإكسسوار، وملامح الديكور وآثاره في خلفيات الكادر، بشريط الصوت والمؤثرات الصوتية، والمونتاج. كذلك بقدرته وحساسيته في تحريك الممثلين، بمهارته في التقاط ردود فعل وإيماءات وإشارات جسدية كان يُحاول بها ومن خلالها التغطية على مأزق الفيلم الذي يقترب من الساعة ونصف الساعة، ويدور في شقة مغلقة، باستثناء مشهدين خارجيين.

كانت حركات الكاميرا اقتصادية، وبدت للبعض أن هناك لقطات مكررة بنفس تفاصيلها مع إضافة عنصر المطر، وبالطبع هذا مقصود؛ لأن المفروض أننا ما زلنا في نفس المكان والحالة التي لم يتغير بها شيء باستثناء تبدل الطقس، أو سقوط المطر الذي يمكن اعتباره علامة منذرة بما هو قادم من أحداث.

هذا إلى جانب توظيفه كمبرر درامي يُتيح الفرصة أمام هاني- جسده ماجد الكدواني في مشهد بديع على قصره- للدخول إلى البيت في هذا التوقيت، فيمنحنا كمشاهدين- بذكاء فني لافت- فرصة للاستراحة من المباراة الكلامية الدسمة والمشحونة التي قام فيها المؤلف بجمع كل شيء تاريخي ومن كتب التراث- يقدر علي جمعة- ليقذف به في وجه المتلقي ليبُهره، أو ليُخرسه، من دون أن يمنحه الفرصة للتفكير، وإعمال العقل، وشخصياً أعتبر هذه ديموجوجية أكثر منها مناقشة عقلانية تستطيع أن تجذب إليها الناس.

كذلك مشهد محمد ممدوح- بأداء مقنع، وتردد يخلق توتر درامي وإن للحظات، في موقف درامي ظريف يصعب نسيانه رغم قصره- ورغم تعبير محمد ممدوح عن الرأي الرسمي للسلطة والذي بالمناسبة ينفذه في نهاية الفيلم الكاتب المستنير.

هذا يجعلني أستدعي مشهداً من إبداع "أسطى الدراما" وأحد أهم كتاب السيناريو في تاريخ السينما المصرية والعربية الكاتب الكبير لينين الرملي بفيلم "الإرهابي"، ففي أحد أعمق معانيه ودلالته الفكرية التي لم ينطق بها أي ممثل، ولكننا نشعر بها ونفهمها، من مواقف وأفعال وتصرفات وإيماءات جسديه تلتقطها الكاميرا أمامنا: نشعر أن الإرهابي إذا توفر له مجتمع ليبرالي صحي، قائم على الحرية والعدل والمساواة، قائم على مساعدة المحتاج، ومعالجة المريض، وتوفير الأمن للخائف، والاعتذار لمن أخطأنا في حقه، لو تواجد في هذ المجتمع الكاتب الشجاع صاحب الأفكار الجريئة البعيد عن الانفصام والازدواجية أو المتاجرة بأفكاره، هنا فقط - مع النقاش الهادئ والإنساني- يُمكن إقناع الإرهابي بفكر هذا المجتمع، ويمكن تغيير الإرهابي، واستعادة إنسانيته، وفي هذه الحالة فقط لن يخون الأمانة، وسيحاول أن يدفع حياته ثمناً لحماية هذا المجتمع. فأين أفكار وخطابة إبراهيم عيسى من كل هذا العمق عند لينين الرملي؟!

إعلان

إعلان

إعلان