• مملكة الموضة.. سلطة الغواية

    مملكة الموضة.. سلطة الغواية

    د. ياسر ثابت
    09:00 م الثلاثاء 01 يناير 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    تتجاوز الموضة حدود الأزياء. إنها المسافة بين ما نرتديه وما نعبّر عنه بالثياب.

    إنها محاولة شطب الإغواء مع استخدام الإمكانات المتاحة، عبر حيل الموضة المجنونة التي لا تلغي الذكاء. البعض يراها مساحة للحرية، والبعض الآخر يجد فيها أسوأ السيناريوهات التي يرسمها العقل الماكر لمصمّمي الأزياء ومنفذيها.

    ربما لهذا تزداد أهمية كتاب «مملكة الموضة زوال متجدد»، تأليف الفيلسوف الفرنسي، جيل ليبوفتسكي، ترجمة الدكتورة دينا مندور، الذي صدر عن المركز القومي للترجمة.
    ففي الكتاب استقراء فكري وفلسفي رصين وممتع للموضة، من حيث كونها نوعـًا من التعبير التراتبي، وتجسيدًا للتنافس بين الطبقات، ومثالًا على جمالية الغواية.
    بل إن ليبوفتسكي يأخذ القارئ في جولة إلى عالم التصميم وحمى الاستهلاك وهيمنة الجديد، ويستوقفك عند لافتات الإعلانات الأنيقة والصادمة، كما يستكشف دور وسائل الإعلام في تعزيز سلطة الغواية.
    ولكن، ما الذي يدفع فيلسوفـًا ذائع الصيت وعالم اجتماع مرموقـًا مثل جيل ليبوفتسكي إلى الحديث والاهتمام بأمر مثل الموضة، يبدو للكثيرين كموضوع ثانوي أو عنصر رفاهية بحت تتمتع به الإنسانية؟!
    ترى دينا مندور أن ليبوفتسكي اشتهر بالحديث عن سلوكيات الإنسان في مجتمع ما بعد الحداثة، سماه مجتمع «الحداثة المفرطة» عبر الاهتمام بموضوعات تجلت في كتبه السابقة، مثل «زمن العدم» (1983)، «مجتمعات الإخفاق» (2006)، «السعادة المفارقة» (2006)، و«تجميل العالم» (2013) وصولًا لآخر كتبه «عن الخفة» (2015).
    يرتحل ليبوفتسكي في تاريخ «مملكة الموضة» عبر أزمان بعيدة، مرورًا بمسيرتها وما شهدته من أنماط، لا ثابت فيها إلا صيحة التغيير شبه اليومي فيما يخص ذلك العالم البراق، بكل من فيه من تفاصيل صغيرة تصنع الفوارق، وتضفي مسحة سعادة على القماش والمواد التي كانت محايدة.
    تأتي نقاشات الكتاب المثيرة في محاولات للفهم عبر طرح الكثير من علامات الاستفهام حول الموضة؛ ما بين الوعي الزائف والاغتراب والإغواء وتحويل البشر إلى سلعة متغيرة والهوس بالمظهر، وبين تلك الإمبراطورية التي لم تعد مجرد متعة جمالية، أو ديكور للحياة الجماعية «لكنها حجر الزاوية.. وصلت إلى أوج قوتها، فقد تمكنت من إعادة تشكيل المجتمع كله في صورتها: كانت هامشية، وأصبحت الآن المهيمنة».
    يثير الفيلسوف الفرنسي منذ العنوان الإشكالي تساؤلات بالجملة، حول تلك المملكة التي لا تعرف للاستقرار معنى، ولا تحترم التقاليد بالمرة، إذ تتسم بالزوال المتجدد، وحمى الابتكارات اليومية.. موضة تلوح مع كل شروق شمس تقريبـًا، لتغيب موضة أخرى، إذًا كيف تحتل الظاهرة القصيرة الأجل مكانة في التاريخ؟ وكيف تحركت من الهامش إلى المركز لتسيطر على العقول؟ ولماذا يحدث ذلك في الغرب بشكل خاص؟ وكيف يمكن لعصر هيمنة التقنية والتقدم العالمي أن يكون على حد سواء عصر الموضة اللامعقولة؟
    يستعرض جيل ليبوفتسكي تاريخ الأزياء وإيقاعاته المتلاحقة، منذ قرون، وارتباط الموضة بشكل خاص بانتظام المجتمع، وتشكل ملامح الاستقرار، فكل دولة حرصت على تميزها بزيّ ما، لتختلف عن جيرانها، وفي فترة لاحقة أصبحت هناك منارات للموضة، يستوحي منها الجميع، وتفرض ذوقها الخاص على سواها، تماما كما كانت تصنع طبقة النبلاء وذوي النفوذ؛ من كانوا بمنزلة صورة تسعى طبقات عدة لتقليدها، والسير على منوالها فيما يتعلق بالمظهر، وكذلك سمات البطولة والفروسية.
    لم يتوقف المؤلف عند البعد التاريخي والاجتماعي في دراسته، وإنما انتقل إلى مناطق أكثر إثارة في تاريخ الموضة، مثل نشوء الماركات العالمية، وكيف استطاعت أن تجذب في ركابها، رغم الأثمان الباهظة لأزيائها عددًا متزايدًا من الزبائن والمهتمين بها، ومن ثم مواجهة تلك الماركات لتهديد صناعة الملابس الجاهزة التي انتشرت في جميع أركان العالم بشكل سريع، وكانت تحاكي تصاميم الأزياء الراقية والماركات العالمية مع الاستغناء عن بعض التفاصيل، فيوضح الكاتب كيف تطور هذا الصراع وكيف تم حسمه.
    يحفل كتاب «مملكة الموضة: زوال متجدد» الذي يقع في 290 صفحة بالكثير من «زعزعة المظهر» إلى الماركات المسجلة في متطلبات عدة، وليست الأزياء فحسب، وما يطلق عليه صاحب الكتاب (جيل ليبوفتسكي) الموضة المكتملة، التي تحاول أن تغلف الحياة جميعها، وانتشرت في كل أنحاء العالم، ولم تترك أحدًا، إذ تسعى طبقة ما «دنيا» إلى محاكاة طبقة أرستقراطية أعلى، ما يجعل الأخيرة تحاول البحث عن موضة جديدة تثبت بها تميزها لتستمر الدائرة الحلزونية، على حد وصف مترجمة الكتاب دينا مندور في المقدمة.
    يقول المؤلف: «لقد دخلنا إلى مرحلة جديدة من عمر المجتمعات الحديثة التي تقوم على الغواية والزوال والتمايز الهامشي، لقد ظهرت الموضة المكتملة كوسيلة داعمة للمجتمعات المتحررة، وناقلة لا تضاهى للأنوار وللديناميكية الحديثة».
    لا ينظر المفكر الفرنسي في تاريخ الأزياء الراقية، والقطع الفخمة الباهظة الثمن، بل يتطرق كذلك إلى كل ما يصلح للارتداء، والرائج الشعبي البسيط، والأزياء العملية التي وحّدت المظهر، وصارت أكثر تنوعـًا، وحققت نوعـًا من المساواة، وديمقراطية الشكل، كما الحال مثلًا في الملابس الرياضية التي فرضت نمطـًا مغايرًا مريحـًا ومنطلقـًا، وخاليـًا من عقد فساتين السهرة البراقة.
    كتاب «مملكة الموضة زوال متجدد» يتحدى نهر التقاليد ويكشف الصراع الأزلي بين نفوذ الأسلاف ونفوذ الحداثة.

    إعلان

    إعلان

    إعلان