• مولد نجمة ومذبحة بيترلو.. وماذا بعد بفينيسيا؟!

    مولد نجمة ومذبحة بيترلو.. وماذا بعد بفينيسيا؟!

    أمل الجمل
    07:00 م الأحد 02 سبتمبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    رغم وجود عدد لافت من أسماء المخرجين الكبار الذين نجح مهرجان فينيسيا في اجتذابهم للاحتفال بعرض إبداعهم في دورته الخامسة والسبعين من ٢٩ أغسطس- ٨ سبتمبر الجاري، والتي جعلت الكثيرين يتوقعون أن تكون دورة استثنائية بجميع المقاييس- فلم يصل حتى الآن أي من الأفلام إلى مستوى التحف الفنية.

    ربما الاستثناء أن فيلمين فقط نجحا في اقتناص إعجاب وتصفيق حماسي من الصحفيين والنقاد؛ الأول فيلم المخرج اليوناني يورجوس لانثيموس المعنون بـالمُفضلة The Favourite، وفيلم الأخوين جويل وإيثان كوين أنشودة باستر سكروجز The Ballad of Buster Scruggs. ونوعاً فيلم ليس رواية Non- Fiction للمخرج أوليفييه أسايس.

    الأعمال السابقة التي سنخصص مقالات لها جعلت القاعة - التي يبلغ عدد مقاعدها نحو ١٤٠٠- تضج بالضحك، لكن الشريط الموقع باسم لانثيموس كان أقوى بسخريته العميقة جداً خصوصا حتى ما يقرب من الثلث الأخير منه. مازلنا في اليوم الرابع وعادة تحتفظ المهرجانات بالجواهر الفنية للأيام الأخيرة. أما الأفلام الأخرى بعضها نال تصفيقا فاترا، أو متباين، ومع ذلك لا يمكن وصف أي منها بالضعيفة، وإن كان لنا تحفظات فنية عليها خصوصا أعداء مقربين، ومولد نجمة، ووبيترلو، وروما، والجبل من المسابقة الرسمية. هي أعمال في أغلبها جيدة، وبعضها متقن الصنع جداً من الناحية التكنيكية والعقلية، لكن المقارنة تجعلها في مستوى متراجع، خصوصا إذ كنا نبحث عن تحفة فنية تلمس الروح وتهز الوجدان.

    بيترلو

    صحيح تماماً ما ذكره مدير المهرجان ألبيرتو بربرا بأنه: "من النادر جداً أن يكون لدينا هذا الكم من الأفلام الجيدة القادمة من بلدان مختلفة في نفس الوقت. صحيح لأن الأفلام بها متنوع واضح ليس فقط البلدان ولكن أيضاً الموضوعات ما بين التاريخي والملحمي، والجريمة، والعنف، والرومانسية الغنائية، وأخرى تبنى متنها من شخصيات مهووسة بفن الرقص والسحر، أو تأليف الرواية بسرقة حيوات الآخرين، إضافة إلى عوالم المهمشين ومعاناة النساء، والمثليين من النوعين نساء ورجالا، والأزمات النفسية والهلاوس التي قد تدمر الإنسان بصحبة أطباء غير أسوياء.

    ومع ذلك، فإن أغلبها أفلام جيدة فمثلاً فيلم Peterloo رغم أهمية المعركة التي استحضرها من عام ١٨١٩، والتي لعبت دوراً بالغ الأهمية ليس فقط في التاريخ البريطاني ولكن أيضاً كحدث أساسي في تاريخ الحريات بالعالم، وكانت سبباً في إصدار صحيفة الجارديان في عام ١٨٢١، وعلى أهمية إنتاج الفيلم في هذه الفترة التاريخية الصعبة التي تمر بها الإنسانية من الاستغلال والقهر، والأزمات الاقتصادية الطاحنة وتضاعف أعداد الفقراء، ورغم تناول الفيلم لقضايا الحريات والبرلمان والمساواة بين الناس والثورة ضد السلطة والفساد والجشع - والتي تتماس مع الحاضر بقوة - وذلك من خلال التمهيد للأسباب التي قادت إلى حشد نحو ستين ألفا من النساء والرجال والأطفال في تظاهرة سلمية، تحولت لمذبحة شهيرة تحمل اسم بيترلو- فقد كانت نقطة تجمع المتظاهرين في ميدان القديس بطرس في مانشستر، وكانت النية أن تكون مظاهرة سلمية مؤيدة للديمقراطية لكنها تحولت إلى واحدة من أكثر الأحداث دموية وأشدها شهرة في التاريخ البريطاني.

    خروج تدريجي

    الفيلم السابق شهد تجمعاً مدهشا وطوابير ممتدة أمام قاعة دارسينا، وبمجرد ظهور اسم المخرج مايك لي على الشاشة العريضة قام بتحيته البعض بالتصفيق له، لكن المدهش أنه بعد نحو ثلث ساعة بدأ عدد من الصحفيين والنقاد - ولو قليلاً - في الخروج من القاعة، وعلى مدار الفيلم حتى قرب نهايته تواصل خروج آخرين، مع ذلك صمد عدد كبير حتى النهاية، وصفق له البعض أيضاً، لكن ليس كما كان متوقعا له.

    شخصياً لا أعتبر خروج الصحفيين دليلا على عدم جودة الفيلم، فهناك ظروف عديدة قد تلعب دوراً في عدم تحمل مشاهدة فيلم طويل يتجاوز الساعتين والنصف، منها أنه عرض في السابعة مساء، وهذا الجمهور أغلبه بدأ مشاهدة العروض في الثامنة والنصف صباحاً، وشاهد على الأقل ثلاثة أو أربعة أفلام قبل أن يأتي لحضور ذلك الفيلم، هذا كله يلعب دوراً في التلقي، فالإنسان عندما تكون طاقته مسلوبة، ومستنفدة فلن يحتمل سوى فيلم خفيف، أو كوميدي، أو ربما تحفة فنية. فمشاهدة السينما لها طقوس مقدسة كالصلاة، يجب أن نذهب إليها مستريحين، ويقظين، منتعشين، تاركين كافة متاعبنا ومشاغلنا على باب قاعة العرض.

    الملحمية الغائبة

    هذا ليس دفاعاً عن الفيلم، لأنه رغم إعجابي بالموضوع واختيار الحادثة والأفكار، فلا يمكن إنكار أن السيناريو شابته عيوب في مقدمتها الخُطب الحماسية الطويلة التي كان بالإمكان اختصارها لإنقاذ الإيقاع من الترهل والملل أحياناً. ربما كان المخرج يحاول أن يرسم صورة تاريخية صادقة للموقعة، لكن هنا يثور التساؤل: وهل السينما تعني محاكاة الواقع والتاريخ بكل تفاصيله وبدقة تسحب من الإبداع فنيته؟ أين رؤية الفنان والمؤلف؟ أليس من الممكن أن يقدم قراءته بشكل جذاب ولو قام بالاختزال المتقن الذي يفيد العمل ويضيف لرصيده؟ كيف نجح كين لوتش في تقديم وقائع تاريخية مذهلة في أفلامه موظفاً النقاشات بين الفلاحين والعمال بشكل ناجح جداً من دون أن يخل بالإيقاع. إنها القدرة على صنع المواقف الدرامية، ورغم أهمية فيلم مايك لي عن بيترلو، ورغم نجاحه في رسم كثير من المواقف الإنسانية شديدة التعبير والتأثير- فلم تكن كافية، واعتمد على الخطابة أكثر وأقوى من صنع الدراما بها.

    كذلك مشهد المعركة التي ظل السيناريو يمهد لها على مدار ساعتين ليجسدها لم تكن موفقة، لم تكن مؤثرة في أجزاء عديدة منها، لم تكن ملحمية على الإطلاق كما وصفها صناع الفيلم. كان من الأفضل التخلص من عدد من اللقطات التي أظهرت المعركة وكأن الفرسان والحراس خائفون من إصابة أفراد الشعب بالسيوف، أو بالبنادق. حتى اللقطات للميدان بعد المعركة كانت ضعيفاً أيضاً، ولا تشي بأن هنا في هذا الميدان دارت واحدة من أكثر الأحداث دموية وأشدها شهرة في التاريخ البريطاني.

    مولد نجمة متوسطة

    أما فيلم مولد نجمة في أول تجربة إخراج للممثل برادلي كوبر الذي يقوم ببطولة الفيلم مع المطربة وكاتبة الأغاني الأمريكية ليدي جاجا، وهو الفيلم الذي تم إنتاجه ثلاث مرات؛ كان أولها عام ١٩٣٧. لكن المشكلة ليست في تكرار إنتاج الفيلم أو إعادة إخراجه، وإن كان من حقنا أن نسأل: ما هي الرؤية الجديدة التي رغب في تقديمها، أم أنها غواية تقديم عمل غنائي يجذب الجماهير؟

    في تقديري أن الأغاني ذاتها لم تنقذ الفيلم من الملل، فالمشكلة الأساسية تكمن في عدم قدرة كاتب السيناريو "إريك روث" والمخرج ذاته على خلق التطور المقنع الجذاب للعلاقة بين البطلين، والتدهور الذي عانى منه جاك إثر لإدمانه، وأحاسيس الغيرة من نجاح شريكته في الحياة التي اكتشفها في بار صغير، حيث كانت تغني هناك- والتي كانت في الأصل تعمل في المطبخ - وكيف صنع منها نجمة يلهث وراءها الجميع. فالشخصيات كان ينقصها الكثير من الشغل عليها، على نفسيتها، وإضافة تفاصيل تجعلنا نتعاطف مع ملامحها وهويتها، لكن المخرج اكتفى بتكرار مشاهد التصفيق له ولنجمته بقوة تتفوق على ما قدماه من غناء أو من عزف سواء في التمثيل أو في الغناء.

    غضب نقاد فينيسيا

    بقي أن نشير إلى تلك الحالة من الغضب الشديد التي اجتاحت عشرات من الصحفيين والنقاد القادمين لحضور فعاليات الدورة الخامسة والسبعين من مهرجان فينيسيا العريق، والمقيمين بعيدا عن نطاق المهرجان ويضطرون للتجمع في محطة سانت زكريا لركوب الباص المائي الذي يقلهم لموقع العروض في ليدو كازينو.

    على مدار اليومين الثاني والثالث كاد الأتوبيس المائي الذي ينقل هذه الجموع يتم إلغاء أحد مواعيده، فيتم ترحيله للموعد التالي دون أن نعرف سبباً لذلك. مع نقص واضح في عدد الباصات، فتضطر الجموع لانتظار الموعد التالي، مما يعني تزايد أعداد المنتظرين أضعافا مضاعفة، خصوصا لو تخيلنا الجمهور والصحفيين الإيطاليين القادمين من بقاع مختلفة بإيطاليا، مما يؤدي للتأخر عن موعد الفيلم الصباحي.

    وفي اليوم الثالث كان الأمر أشد سوءا؛ إذ فقد الكثيرون العرض الصباحي تماماً، ولم ينقذهم التدافع، فطالب البعض بتصوير ذلك الحشد ووضعه على صفحات التواصل الاجتماعي فيسبوك ليرى المسؤولون بالمهرجان ذلك الوضع غير اللائق.

    إعلان

    إعلان

    إعلان