• باقى.."ذكى".. وبارليف.. "الغبى"!

    باقى.."ذكى".. وبارليف.. "الغبى"!

    خيري حسن
    09:00 م السبت 26 مايو 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    وصلت حيَّ مصر الجديدة الصاخب في تلك الليلة من عام 2016. الساعة الآن الثامنة مساء. والشوارع إلى حد ما يغلب عليها طعم البهجة. الكل في انتظار رؤية هلال رمضان. اقتربت من بواب يجلس أمام عمارة عتيقة، وفي يده راديو قديم صغير الحجم. ويهز دماغه على أغنية "وحوي .. يا وحوي".

    بعد لحظات كنت بجواره أسأله عن منزل "المقدم باقي ذكى". وقف ينظر لي، دون أن يغلق الراديو، ويقول: "تقصد المقدم البطل "باقي يوسف ذكي" الذي ضحك على الصهاينة وهدم فوق دماغهم خط بارليف؟ قالها بفخر واعتزاز، وهو يضحك ويعدل جلبابه في زهو، ويسبقني بخطوات في طريقنا إليه وهو يدندن "رحت يا شعبان/ جيت يا رمضان/ هل هلالك والبدر أهو بان/ شهر مبارك وبقاله زمان/ محلا نهارك بالخير مليان"، ثم التفت لي قائلاً: "عارف يا أستاذ.. نحن قضينا سنوات بعد النكسة والأرض محتلة؛ لا نشعر بطعم الفرحة في أي شيء.. كانت الليالي كلها طعمها مر. لكن بعد العبور الدنيا اتغيرت. بعد دقائق وصلنا إلى مدخل العمارة. عندها ودعني وهو يواصل سماع أغاني رمضان. ثم قال: "السلام أمانة للرجل العظيم عمنا باقي بيه".. ثم عاد من حيث جاء.

    صعدت على السلالم للدور الأول. باب الشقة مكتوب عليه اسمه فقط "باقي يوسف ذكي" بدون ألقاب. بعد ثوانٍ فتح لي بنفسه. على وجهه ابتسامة صافية. وفي عينيه حالة رضا واضحة. بعد دقائق جاءت زوجته قائلة: "كل سنة وأنتم وإحنا طيبين، رمضان غداً إن شاء الله". ثم جاءت بطبق به حلويات رمضانية، وقالت: هذه حلويات رمضان نستعد بها معكم- كإخوة أقباط- ونشارك بها فرحتكم بالشهر الكريم.

    ابتسمتُ وأنا أتجول بنظري في تلك الشقة الصغيرة، التي يعيش فيها هذا الرجل الذي قهر العدو بعقله وإخلاصه ووطنيته وحبه لبلده، حتى وقعت عيني- وتوقفت- على صورة قديمة له، معلقة على الحائط، بزيه العسكري وهو على الجبهة. وتوقفت معها عقارب الزمن قليلاً.

    الساعة الآن الواحدة بعد منتصف ليلة من ليالي شهر مايو 1969. الفرقة 19 المكلفة دفاعياً غرب القناة، تستعد- طبقاً لتعليمات القيادة العامة للقوات المسلحة وقتهاـ لاتخاذ مواقعها الهجومية، وفتح ثغرات في جسم خط بارليف المنيع والعبور للضفة الشرقية من القناة. حالة من الصمت انتابت الجميع، الضوء في الخندق ضعيف جداً. والعدو في المواجهة يترقب. الاجتماع سرى للغاية. والتعليمات واضحة وصريحة. وبعض فناجين القهوة والشاي مازالت أمامهم، وما إن يفرغوا منها حتى توضع غيرها ممتلئة. ودخان السجائر يصعد حول الضوء الخافت، ليبتلع معه أمل العبور، في ظل تحصينات العدو بخط بارليف الذي خطط له، وأشرف على تحصيناته "حاييم بارليف" ( 1924 ـ 1994)، نائب رئيس أركان حرب الجيش الإسرائيلي، منذ مايو 1967 .

    وكان الضابط - برتبة مقدم وقتها- "باقى ذكي" المولود في 1931، ودرس في كلية الهندسة جامعة عين شمس قسم ميكانيكا سنة 1954. هو أحد قادة الفرقة وكان مسئولاً عن المركبات فيها.. في الاجتماع تحدث قائد الفرقة وشرح طبيعة المهمة، ثم تحدث القادة. كل قائد في تخصصه. الاستطلاع والعمليات وسلاح المهندسين. ثم رفع الضابط «باقي ذكي» يده ليتكلم- بعد الاستئذان- بصفته قائد سلاح المركبات في الفرقة، وهو المنوط به أن يوفر المركبات التي ستنقل المعدات لتنفيذ المهمة.

    لكن أي مهمة؟ والخسائر ستكون نسبتهاـ طبقاً للدراسات الإستراتيجية والعسكريةـ على الأقل خسائر بشرية تقدر بـ20٪ من القوات. وكل ثغرة طبقاً لما تحدث به قادة أفرع الفرقة ستكون في حاجة لـ12 ساعة على الأقل. ثم كيف سيتم ذلك وقائد الاستطلاع يؤكد في الاجتماع أن للعدو قوات متمركزة في أكثر من موقع، وستواجه أي محاولة للعبور مدعومة بالدبابات والطائرات، في ظل المدة الزمنية التي سيستغرقها فتح الثغرات بالطرق العادية وهى القنابل والصواريخ.

    أعقاب السجائر وفناجين القهوة الفارغة والوجوه يعلوها الحزن. الجو في الاجتماع بشكل عام أصبح مصحوباً بالضباب. أنا مازلت في منزل اللواء باقى ذكى بجواره، أنظر للصورة وهو أمامي. وهو ينظر لي بترقب ودهشة، ثم مد يده للطبق الذي أمامي ويقول: اتفضل بكرة صيام.. يقولها وهو يضحك. ثم يكمل: رمضان كريم علينا كلنا. قلت: هل تذكر تلك الليلة في الجبهة التي مر عليها اليوم ما يقرب من 50 عاماً. رد: طبعا.. يومها بعدما تحدث أغلب القادة قلت للقائد:

    هل تسمح لي يا أفندم بالكلام؟ نظر لي بضجر وهو يشعل سيجارته الخامسة قائلاً: لم يأتِ دورك بعد.. انتظر؟ بعد دقائق.. قلت: يا أفندم أريد أن أتحدث، فأنا عندي ما أقوله؟ رد: حاضر يا باقي.. ولكن عليك أن تنتظر. وبالفعل نفذت الأوامر حتى قال: اتفضل.. اتفضل. القائد ينادي. ثم يطفئ سيجارته ويقول بصوت قوي: "يا باقى إنت نمت ولّا إيه"؟ رديت: يا أفندم.. أنا لم أنم ملء جفوني منذ احتل العدو سيناء. ثم قلت: بعد إذن سيادتك أنا لدىّ ما أقوله.

    رد قائد الفرقة: عندك إيه باقي؟ اتفضل. قلت: يا أفندم أنا استمعت لشرح ومهام العملية من السادة قادة الاستطلاع والعمليات والمهندسين، وأنا أتحدث بصفتي قائد المركبات في الفرقة التي سيكون دورها في العملية نقل المعدات ورفع المخلفات التي ستحدثها عمليات الفتحات في جسم خط بارليف.
    رد القائد: تمام.. لذلك قلت لك انتظر حتى نهاية الاجتماع .

    هنا التقط المقدم باقي ذكي خط الكلام، وأعاد في جمل مختصرة رؤية كل قائد سلاح في الفرقة، من حيث الوقت الزمني والخسائر المتوقعة وكل التفاصيل المشابهة.. وأثناء ذلك الشرح وجد نفسه بدون ترتيب ولا تفكير ولا إنذار مسبق يقول: لكن يا أفندم لدينا حل آخر؟ نظر القائد والقادة إليه.. وهو يواصل كلام.."أيوه يا أفندم.. فيه حل تانى.. الميه تحتنا" نظر الجميع في دهشة وهز القائد رأسه ليواصل "باقى" كلامه.. قال الحل الثانى هو: طلمبات ماسة كابسة تثبت على زوارق خفيفة قوية، تسحب المية من القناة، وتضخها بقوة اندفاع كبيرة عن طريق "بشابير" على الساتر الترابى فينهار. والمياه تجرف الرمل أمامها، بمساعدة درجة الميل في الساتر، فتسقط الرمال بقوة إلى قاع القناة.
    هنا سكت، ولم ينطق- حسبما قال لي- عند هذه النقطة. الصمت خيّم على المكان. القائد مذهول من الفكرة. والقادة ذهبت عقولهم معه إلى "سكة" أخرى. الساعة اقتربت من الثالثة صباحاً.
    في المخبأ الذى يستقبل هذا الاجتماع التاريخى. والضابط "باقي" مازال صامتاً.
    قائد الفرقة يبتسم- ربماـ للمرة الأولى منذ عام 67 والأمل بدأ يحول ملامح وجهه من الكآبة إلى الفرح. ثم قال: "واحدة.. واحدة.. علينا كده.. وياريت تعيد من الأول".
    بالفعل أعاد مرة أخرى فكرته، وانتهى الاجتماع، وعاد قادة الفرقة إلى مخابئهم تحت الأرض. على الفور اتصل قائد الفرقة بالقيادة الأعلى. والقيادة الأعلى اتصلت بالقيادة العامة. ومع أول ضوء من ذلك الصباح توجه الضابط "باقي" في مهمة سرية في طريقه للقاهرة، لقيادة الأركان في العمليات. بعد دقائق انتقل لقيادة سلاح المهندسين. بعدها عاد إلى قيادة العمليات، وفي كل ذلك يتم الاستماع لما طرحه في اجتماع الفرقة، ليلة أمس، ثم بعد 48 ساعة عاد للجبهة مرة ثانية. وما هي إلا ساعات حتى تلقى اتصالاً من قائد الفرقة، يطلب منه وفي سرية تامة كتابة الفكرة باختصار، لتكون جاهزة بعد ساعات، لأن قيادة الجيش ستجتمع مع الرئيس عبدالناصر لعرضها عليه. يبتسم وهو يسترجع بحذر شديد تلك اللحظات أمامي، ويقول: شهور بعد شهور، تحولت الفكرة إلى واقع، وبدأ سلاح المهندسين يعمل على تحقيق الهدف من الفكرة. وجاء يوم السادس من أكتوبر لتتحقق فكرتي التي جاءتني من عند الله، حتى ننتصر، ويتحقق الحلم، ونهزم العدو هزيمة لن ينساها عبر الزمن.

    هنا ودعته وأنا أقدم له التحية العسكرية. وهو يحتضنني بقوة وسعادة شديدة. ومن باب المطبخ خرجت السيدة زوجته تقول بود شديد: "على فين؟ أنا الآن أعد لك وجبة سحور طازجة". شكرتها بشدة، ثم ودعتهما، وترجلت على سلالم العمارة التي بلا أسانسير، حتى خرجت إلى أول الشارع.
    من بعيد سمعت صوتا من خلفي ينادينى. التفت فوجدته بواب العمارة عم محمد أبو عيسى الذي اصطحبنى إليه قبل قليل وهو يقول: "بلغته سلامى يا أستاذ". قلت وأنا ابتسم:" بيسلم عليك".

    ثم عاد الرجل ليجلس على كرسيه القديم مرة أخرى وهو يدندن بصوت مسموع: "رمضان جانا/ قولوا معانا/ أهلا رمضان/ يوم رؤيتك/ لما تجينا زى العرسان/ نفرح، وننصب لك زينة/ أشكال والوان".
    كان يغنى ويهز عمامته في سعادة واضحة. وأنا أنظر لوجوه المارة العابثة التى تلهث في الشارع بجوارى، وهى- ربماـ لا تعرف من هو"باقى .."ذكى" الذى هزم بارليف.." الغبى".

    إعلان

    إعلان

    إعلان