• أفكار من وحي قراءة نشرة الجونة السينمائي الثاني

    أفكار من وحي قراءة نشرة الجونة السينمائي الثاني

    أمل الجمل
    07:00 م الثلاثاء 02 أكتوبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    لا بد أن أعترف أنني لم أكن أحتفظ بالنشرات التي تصدر عن أي مهرجان عربي باستثناء دبي السينمائي. كنت أحتفظ بكل ما يصدر عنه. كذلك الدورات القليلة التي حضرتها من أبوظبي. وها هي المرة الأولى في مصر، فقد اصطحبت معي في طريق العودة للقاهرة الأعداد التسعة التي صدرت من النشرة اليومية لمهرجان الجونة السينمائي الثاني من ٢٠- ٢٨ سبتمبر الماضي، إذ أعتبرها إحدى الوثائق التي يمكن الاحتفاظ بها بالأرشيف السينمائي، فمن خلال مطالعة أخبارها وتقاريرها، وبعض مقالاتها وحتى الصور المزينة لها يمكن قراءة بعض ملامح الدورة وكيف كان يفكر بعض الزملاء والزميلات، إذ كانت تُسجل - وإن لم يكن بدقة - ولكن الخطوط العريضة لأبرز الفعاليات التي تمت بالمهرجان سواء ندوات أو جلسات مناقشة، أو محاضرات، أو موائد الحوار، كذلك المؤتمرات وورش العمل.

    لفت نظري، أيضاً، أن النصوص العربي لم تكن مترجمة للإنجليزية، ولكن هناك اثنان من المحررين أو الصحفيين يحضران الحدث، وأحدهما يكتب نصا باللغة العربية، والآخر يكتب نصاً باللغة الإنجليزية، وأهمية هذا أن كلا الشخصين يقرأ الندوة وتصريحات الضيوف من واقع خبرته ومهارته وقدرته على اختيار الأهم وبلورته في صياغة رؤية متفاوتة في وضوحها لما دار بالندوة أو مائدة الحوار، رغم الاختصار والتكثيف. أحيانا يمكن قراءة النص العربي ومضاهاته بالنص الإنجليزي لخلق رؤية أوسع، خصوصا عندما تشعر أن كلا النصين يتوجه لجمهورين مختلفين.

    الموهبة قبل الجنوسة (الجندر)

    المقدمة السابقة مرجعها قراءتي بعض ما دار في مائدة الحوار التي أدارتها المنتجة التونسية القديرة درة بوشوشة التي تم تكريمها بالمهرجان بجائزة الإنجاز الإبداعي. كانت جلسة الحوار بعنوان تمكين المرأة، من خلال صناعة الأفلام، وشارك فيها خمسة مبدعات تنوعت مهارتهن بين الإنتاج والإخراج والمونتاج والعمل في مجال المرأة.

    الحقيقة كنت أتمنى حضور تلك المائدة الحوارية، لكن النهم واللّهاث وراء الأفلام جعلني أخسر حضور عدد من النقاشات التي كانت تهمني، وفي كل مرة أحضر فيها مهرجانًا سينمائيًا مهمًا أقول لنفسي لا بد أن أخصص مساحة للندوات والنقاشات، لكني سَرعان ما أضعف أمام عناوين الأفلام وقاعات العرض.

    الموهبة يجب أن تكون السبب الرئيسي لكي تُمنح المرأة الفرص، وليس لكونها امرأة. النساء يجب أن نمنحهن الفرص، لأنهن موهوبات، وليس لكونهن نساءً. استوقفني بإعجاب هذا التصريح لسيدة السينما التونسية، وانحزت إليه، لأنه في تقديري الاستناد إليه هو ما سيجعل النساء يقدمن المختلف، إنه تفكير يعني المساواة الحقيقية، وينفي منح الفرص من باب التعاطف والجنوسة (الجندر) وفقط.

    استرعي انتباهي أيضاً تصريح ألي ديركس، مؤسسة ومديرة مهرجان إديفا، من عام ١٩٨٩، إذ قالت إنه حتى في هوليوود فإن تمثيل النساء قليل جدا مقارنة بالرجال، كما أن المرأة لا تترأس أيا من المهرجانات الدولية العريقة ذات المكانة الكبيرة، يجب أن نفكر في مثل هذه التفاصيل، لو أردنا تغيير وضعية المرأة.

    كواليس انتقاد ريم والجمعية

    أتوقف، أيضاً، عند كلمات المخرجة اللبنانية المصرية ريم صالح التي قالت إنها تعرضت للتنمر، وواجهت ظروفًا صعبة أثناء عملها على فيلم الجمعية، مضيفة أنه تم انتقادها بسببه، حيث قامت فيه بسرد قصص حقيقية من منظور المرأة.

    في تقديري أن الانتقاد الذي تعرضت له ريم صالح لم يكن بسبب كونها امرأة، ولا بسبب أن الفيلم يتناول قصص حقيقية من منظور المرأة، ولكن هجوم البعض- وإن لم يعترف كتابة بذلك- كان سببه كما دار في الكواليس أن ريم مخرجة لبنانية تقوم بصناعة فيلم عن نساء مصريات فقيرات، وتصورهن في حي فقير جدا. لم يكن الكثير يعلم أن والدة ريم مصرية، كانت التساؤل المطروح: لماذا تأتي مخرجة لبنانية لتتحدث عن الفقيرات في مصر؟!.

    هذه الحقيقة كانت وراء كثير من الانتقاد التي واجهت فيلم الجمعية.

    أعتقد أن الهجوم خفت وطأته بعد معرفة أصولها المصرية، ولذلك اختلف استقبال الفيلم عند عرضه في مهرجان الجونة السينمائي الثاني.

    مضاعفة جوائز المنصة!

    من بين الأخبار التي لفتت نظري، أيضاً، مضاعفة جوائز منصة الجونة لتصل أكثر من ١٥٠ ألف دولار أمريكي للمشاريع في مرحلة التطوير، وما بعد الإنتاج، وإن كنت أذكر وجود تصريح آخر لمدير المهرجان انتشال التميمي لـXinhua يذكر فيه أن الجوائز بلغت قيمتها ١٧٥ ألف دولار.

    لماذا لفت الخبر نظري؟ لأنه بين الكواليس كان فيه ترديد وأقاويل عن تخفيض ميزانية المهرجان، أو نقص في التمويل، ومخاوف مستقبلية من اللحاق بمهرجانات أخرى خليجية أغلقت أبوابها. فلو كان هذا صحيحا، ولو وضعنا ذلك الافتراض بوجود صعوبات مالية في مواجهة حقيقة ملموسة عن مضاعفة قيمة جوائز المنصة التي تسهم بشكل مهم في إنجاز مشاريع سينمائية، فهذا له دلالة مهمة لا بد أن تُوضع في الاعتبار عند تقييم المهرجان.

    عن السجادة الحمراء

    عن حكاية السجادة الحمراء وصور النجوم التي أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي أعجبني رد عمرو منسي، المدير التنفيذي للمهرجان، بأن هذه المواقع لا ترى الصورة الكاملة، فبجانب السجادة الحمراء هناك ورش عمل وندوات وأفلام بعضها كان كامل العدد، خصوصا الأفلام القصيرة.

    السجادة الحمراء واحدة من أهم عوامل الدعاية والترويج والجذب الجماهيري للمهرجان. لماذا يدعو أي مهرجان في العالم النجوم والنجمات؟!

    ببساطة لكي يسيروا على السجادة الحمراء، يوقعون على الأوتوجرافات للمعجبين والمعجبات الذين يأتون من الفجر، وينامون بجوار سور السجادة الحمراء غير مبالين بالتعب والإرهاق وشمس الصيف الحارقة في كثير من المهرجانات، في انتظار تبختر نجومهم على السجادة الحمراء، والفوز برؤيتهم عن قرب، ولمس أيديهم أحياناً، بينما الكاميرات تلتقط لهم صورا جذابة مغرية مثيرة تفتح أبواباً واسعة لأحاديث المعجبين.

    على السجادة الحمراء في كل مهرجانات العالم خصوصا العريق والراقي منها تسير النجمات بأفخر وأجمل الثياب، ويتبارين في المنافسة، ويصاحب ذلك أزياء لا مثيل لها في الجمال والعري أيضاً.

    فلماذا يتحول الأمر إلى الانتقاد والسخرية عندما يتكرر الأمر في مهرجان مصري ناجح، وأثبت نجاحه بقوة من دورته الأولى؟! الغريب أنه من المفترض أن تمتدح قدرة المهرجان على تجميع هذه الكوكبة من النجوم والنجمات وقدرته على جذبهم لفعالياته وأحداثه، فأغلب هؤلاء النجوم كانوا يغيبون عن مهرجان القاهرة، وكنا لا نري بعضهم إلا في مهرجانات خليجية.

    الأمر الآخر، صحيح أن السجادة الحمراء وجاذبيتها له تأثير قوي ودور كبير في الترويج للمهرجان وجذب الأنظار، لكن على الناس ألا تتجمد- كالجوعى- أمام الملابس القصيرة والعارية علي السجادة الحمراء، وتتجاوز ذلك بحثاً عما وراء البريق والأضواء.

    فهناك عشرات من الأفلام الجميلة كانت تعرض بالقاعات، وحلقات نقاش، ومحاولات للمساهمة في إنجاز مشاريع سينمائية جديدة.

    عن الجمهور والأهم!

    طرح أحد الزملاء في مقاله- بالنشرة اليومية أيضاً- فكرة تفتح نقاشاً عن أهمية حضور الجمهور من عدمه، طارحاً تساؤلا: هل الجمهور كل شيء؟، ثم مجيباً بأن هذه القناعة لم تعد ملائمة للعصر.

    وفي تساؤل آخر بمنتصف المقال يفترض أنه لو الجمهور ظل يشاهد كل فيلم، فهل يعني هذا أن المهرجان- أي مهرجان- لم يحقق أهدافه؟

    ثم يرد بأن: الإجابة في تلك الحالة ليست نعم، وليست لا. لكنها مرتبطة بتحديد أهداف المهرجان.

    هنا أطرح أنا تساؤلاً لأن الأمر لا يتعلق فقط بالجونة، ولكنه ينطبق على مهرجانات أخرى تقام علي أرض مصر وفي مقدمتها مهرجان القاهرة الذي شهدت قاعاته غياب الجمهور في السنوات التي أعقبت دورة سمير فريد، ومهرجان الإسكندرية الذي قام أحد الحاضرين بتصوير قاعة العرض والفيلم شغال من دون وجود مشاهد واحد يجلس بقاعة العرض.

    طيب إذا كانت عروض الأفلام لا يحضرها إلا بضع عشرات، أو خمسات، أو حتى بعض الآحاد، وأن الأهم يتحدد وفق أجندة كل مهرجان، فلماذا إذن يقرر كل مهرجان اختيار عدد كبير من الأفلام، التي تقوم على اختيارها لجان للمشاهدة والنقاش وحسم أمر الاختيار، وطبعاً بميزانيات؟!

    ثم لماذا يسافر بعض المسؤولين من كثير من المهرجانات لحضور مهرجانات دولية عريقة لمشاهدة الأفلام والاختيار من بينها ما يناسب فعالياته؟!

    ولماذا يصرف على النجوم، وعلى شراء حقوق عرض هذه الأفلام؟ لماذا يصرف أموالاً على الكتالوج الذي يتضمن نبذات عن الأفلام وصناعها، وهذا الكتالوج يتكلف الكثير في الطباعة والإعداد وأجور من يكتبون فصوله وأجزاءه وترجمته؟! لماذا تصدر عن كثير من المهرجانات نشرة يومية تتناول الأفلام، وصناعها، وحكايتها؟!

    يمكن أن أطرح عددا آخر من لماذا، لكني أكتفي بهذا القدر لأقول إنه يتوقف الرد على نظرتنا للسينما. هل ننظر للأفلام التي تجلبها المهرجانات على أنها ترفيه وتسليه، أم أنها تلعب دوراً مهماً في نشر الوعي والتثقيف الجماهيري؟

    إجابتنا عن ذلك السؤال هي التي تحدد مدى حرص البعض على وصول الأفلام للجمهور من عدمه؟ منظمو أي مهرجان عريق في العالم يهمهم وصول الأفلام للجمهور، ولذلك يقدمون دعما ومغرياتٍ لجمهورهم المحلي ليقبل بشغف على القاعات. ويقفون أمام شباك التذاكر أحياناً منذ الفجر، ليضمنوا الحصول على تذكرة أحد الأفلام.

    أيضاً، المهرجانات الدولية العريقة رغم أنها تسهم في دعم وتمويل بعض الأفلام، لكنها مهتمة بالجمهور جداً، ولذلك تقوم بترجمة الأفلام، جميع الأفلام إلى لغتها المحلية، من دون خجل أو احتقار لتلك اللغة، ومن دون ترديد عبارات لازم الناس تتعلم اللغة الإنجليزية؟ منظمو هذه المهرجانات لا يتعالون على لغتهم القومية، ولا يتعالون على الجمهور، ولذلك يحققون أمجادهم التي يصعب تحقيقها في مصر، وكانت الدورة الوحيدة الاستثناء من مهرجان القاهرة التي كانت القاعات شبه ممتلئة وعدد آخر كامل العدد هي دورة سمير فريد.

    عندما يصرف مهرجان سينمائي- أي مهرجان سينمائي- مبالغ مالية طائلة على جلب الأفلام وعرضها، ثم لا يحضرها الجمهور، أو حتي يحضرها من دون أن يفهم مضمونها لأنها بلغة لا يتكلمها أو صعبة عليه، فهذا المهرجان لم يحقق مكسباً، وفي تقديري

    أعتبره قد أنفق أموالا من أجل الاستعراض والبرستيج، ولم يخدم الثقافة السينمائية بشكل حقيقي.

    الخلاصة: أي مهرجان شايف إن الجمهور مش أساسي، ومش مهم، وهناك أهم منه، كدعم المخرجين والصناعة، وأن يكون نقطة التقاء.. طيب ما يعمل هذه اللقاءات من دون ما يستجلب الأفلام ويصرف عليها ليعرضها، وعليه أن يوفر فلوسه ويوجهها لدعم السينمائيين وساعتها يمكن أن ينتج عددا غير قليل من الأفلام!

    عرض الأفلام على الجمهور لا يقل عن دعم صناعة السينما.

    المعضلة الحقيقية التي تواجه السينمائيين ليست فقط الإنتاج، لأن هناك جهات دعم متنوعة دوليا، رغم أن بعض الجهات العربية أغلقت أبوابها، وهناك أناس تبتكر أساليب في الحصول علي دعم المشاهدين.

    لكن لو الفيلم تم إنتاجه ولم يعرض، فهذه كارثة حقيقية، وقاتلة لبعض الفنانين، وكأن الفيلم لم ينتج، وسوف يتوقف عن العمل.

    فكون المهرجان منصة عرض هذه ميزة كبيرة على مستويين، ليس فقط الجمهور، ولكن أيضاً لصناع الأفلام.

    إعلان

    إعلان

    إعلان