كشف الدكتور محمد معيط، رئيس المجموعة العربية في صندوق النقد الدولي ووزير المالية السابق ، كواليس الضغوط التي تعرضت لها مصر خلال الفترة التي سبقت إتمام صفقة رأس الحكمة، مشيرًا إلى أن تطورات الأحداث عقب اندلاع الحرب في غزة كشفت له جوانب لم تكن واضحة في البداية، من بينها طرح مسألة استقبال الفلسطينيين في سيناء خلال لقاء جمعه بأحد وزراء مالية الدول الأوروبية الكبرى.
جاء ذلك خلال لقائه مع الإعلامي والكاتب الصحفي مجدي الجلاد، رئيس تحرير مؤسسة "أونا" للصحافة والإعلام، التي تضم مواقع: ("مصراوي" و"يلا كورة" و"الكونسلتو" و"شيفت")، في بودكاست "أسئلة حرجة" المذاع على "مصراوي".
محمد معيط: رأس الحكمة كانت مهمة في ظروف صعبة
قال وزير المالية السابق، إن صفقة رأس الحكمة كانت مهمة بالنسبة إلى مصر في الظروف التي كانت تمر بها، موضحًا أنها وفرت سيولة دولارية في وقت كانت البلاد تواجه فيه ضغوطًا اقتصادية ومالية كبيرة.
وأضاف محمد معيط، أن الضغوط التي تعرضت لها مصر، إلى جانب ما وصفه بالمبالغة في حجم التقارير السلبية التي كانت تصدر يوميًا عن الاقتصاد المصري، بدأت تثير تساؤلات لديه، قبل أن تتطور الأحداث وتظهر له مؤشرات أخرى مرتبطة بما كان يجري في المنطقة.
وأوضح أنه في البداية لم يكن يعرف تفسيرًا واضحًا للكم الكبير من التقارير السلبية التي كانت تتناول مصر واقتصادها، قائلًا إن تطورات الأحداث لاحقًا جعلت الصورة أكثر وضوحًا، وبدأ يسمع ويرى أمورًا تدفعه إلى الربط بين تلك الضغوط وما كان يجري سياسيًا في المنطقة.
لقاء في مراكش يكشف جانبًا من الضغوط
تحدث الدكتور محمد معيط عن واقعة قال إنها ظلت عالقة في ذهنه، مشيرًا إلى أنه كان وزيرًا للمالية في أكتوبر 2023، عندما شارك في الاجتماعات السنوية لصندوق البنك الدولي التي انعقد في مدينة مراكش المغربية، بعد اندلاع الحرب في غزة في السابع من أكتوبر.
وأوضح أنه التقى خلال تلك الاجتماعات أحد وزراء مالية دولة أوروبية كبرى، وكان يتوقع أن يدور النقاش بينهما بشأن الملفات المالية والاقتصادية، لكنه فوجئ بأن الوزير الأوروبي سأله عن موعد استقبال مصر للفلسطينيين من غزة في سيناء.
وقال معيط إن هذا السؤال كان مفاجئًا بالنسبة إليه، فرد بأن مصر أعلنت موقفها بوضوح، وأن الرئيس عبدالفتاح السيسي أكد أن الأمر يمثل خطًا أحمر وهو ظلم بين لن نشارك فيه، وأن موقف القاهرة من هذه القضية محسوم ولا يقبل النقاش.
لماذا يتحدث وزير مالية عن الفلسطينيين؟
أضاف "معيط" أن الوزير الأوروبي حاول الإشارة إلى أن الأحداث والتطورات المتعلقة بالأوضاع في المنطقة قد تشهد تغيرات لاحقة، إلا أنه أكد له مجددًا أن موقف مصر واضح ومعلن، وأن هذا الأمر منتهٍ بالنسبة إلى القاهرة.
وأشار إلى أن المفاجأة بالنسبة إليه لم تكن فقط في مضمون السؤال، وإنما في أن وزير مالية لدولة أوروبية لم يتحدث معه عن الأوضاع المالية والاقتصادية العالمية، وإنما ركز على مسألة مرتبطة بمصير الفلسطينيين في قطاع غزة وإمكانية نقلهم إلى سيناء، مؤكدًا أن ما جرى جعله يدرك لاحقًا أن حجم الضغوط على مصر كان كبيرًا.
محمد معيط: الأحداث كشفت حجم الضغوط على مصر
قال وزير المالية السابق إن تطورات الأحداث بعد ذلك، وما جرى الإعلان عنه والتصريحات التي ظهرت على شاشات التلفزيون، جعلت الصورة أكثر وضوحًا، مضيفًا أن المصريين شعروا بالفخر تجاه موقف القيادة السياسية الرافض لأي مخططات تستهدف تهجير الفلسطينيين.
وتابع أن هذه التطورات جعلته يعيد النظر في بعض التساؤلات التي كانت قائمة لديه، خاصة بشأن حجم التقارير السلبية التي كانت تصدر بصورة متكررة عن مصر والاقتصاد المصري، وما إذا كانت تلك التقارير مرتبطة بضغوط أخرى تتجاوز الجانب الاقتصادي.
12 مليار دولار من رأس الحكمة.. أين ذهبت؟
تطرق الحوار إلى الحديث عن الـ12 مليار دولار التي دخلت خزينة الدولة في أبريل 2024 ضمن صفقة رأس الحكمة، وما إذا كانت هذه الأموال استخدمت في سداد الديون أو دعم الاحتياطي النقدي أو تمويل احتياجات أخرى.
وأوضح "معيط" أن فهم كيفية استخدام هذه الأموال يتطلب النظر أولًا إلى طبيعة الموازنة العامة للدولة، مشيرًا إلى أن قانون ربط الموازنة يحدد سنويًا الإيرادات والمصروفات، وفي حالة زيادة المصروفات على الإيرادات ينشأ عجز يتعين تمويله.
محمد معيط: الإيرادات الإضافية تقلل حجم الاقتراض
قال الدكتور محمد معيط، إن قانون الموازنة يمنح وزير المالية صلاحية تمويل العجز، سواء من خلال الاقتراض المحلي أو الخارجي، موضحًا أن العجز هو الفارق بين إجمالي المصروفات وإجمالي الإيرادات.
وضرب "معيط" مثالًا مبسطًا لتوضيح الفكرة، قائلًا إنه إذا كان دخل شخص 10 آلاف جنيه بينما تصل مصروفاته إلى 15 ألف جنيه، فإن الفارق البالغ 5 آلاف جنيه يمثل العجز الذي يحتاج إلى تمويل.
وأضاف أنه إذا حصلت الدولة خلال العام على إيراد إضافي لم يكن محسوبًا عند إعداد الموازنة، مثل الـ12 مليار دولار التي جاءت من صفقة رأس الحكمة، فإن هذا الإيراد يقلل المبلغ الذي كانت الدولة ستحتاج إلى اقتراضه لتمويل العجز.
رأس الحكمة أنقذت الموازنة
أكد محمد معيط أن الأموال التي دخلت الموازنة ساهمت في خفض العجز، وبالتالي خفض الزيادة التي كانت ستطرأ على حجم الدين، موضحًا أن الأمر لا يعني أن الأموال اختفت، وإنما إنها قللت الحاجة إلى الاقتراض.
وأشار إلى أن أهمية صفقة رأس الحكمة لم تقتصر على تأثيرها المباشر على الموازنة، وإنما جاءت في وقت كانت مصر في حاجة شديدة إلى العملة الأجنبية، بينما كانت أسواق التمويل الدولية مغلقة أو محدودة أمامها خلال الفترة من 2022 إلى 2024.
معيط: الأسواق الدولية لم تكن مفتوحة أمام مصر
أوضح أن عددًا من المؤسسات المالية الدولية كانت متحفظة على إتاحة التمويلات لمصر خلال تلك الفترة، كما أن اتفاقات التمويل الثنائية مع عدد من الدول كانت مرتبطة بإحراز تقدم في الاتفاق مع صندوق النقد الدولي.
وأشار إلى أن من بين المطالب التي كانت مطروحة ضرورة معالجة عدد من الاختلالات المتعلقة بالسياسات المالية والنقدية، وعلى رأسها مرونة سعر الصرف وتحريره.
وأضاف أن دخول العملة الأجنبية وتحسن السيولة الدولارية ساعدا على تحرك الاقتصاد واستعادة الثقة، ما أدى إلى بدء تدفقات نقدية من جهات مختلفة، وتحسن وضع الاحتياطي النقدي، وبدء تراجع معدلات التضخم، إلى جانب توفير مساحة أكبر أمام المنتجين للتعامل مع تحركات سعر الصرف.
الأموال الإضافية خفضت الدين والعجز
أكد الدكتور محمد معيط، أن الجزء الذي دخل الموازنة من موارد رأس الحكمة ساهم في خفض العجز، وبالتالي خفض الدين الذي كان سيتم اللجوء إلى الاقتراض لتمويله.
وأوضح أنه إذا كان العجز يمثل 5 مليارات مثلًا، فإن الدولة كانت ستحتاج إلى اقتراض هذا المبلغ، وهو ما يضاف إلى الدين العام، أما إذا حصلت على إيراد إضافي قدره 3 مليارات، فإن احتياجات الاقتراض تنخفض إلى ملياري دولار فقط، وبالتالي تكون الزيادة في الدين أقل.
اقرأ أيضًا:
مجدي الجلاد يسأل محمد معيط: الاقتصاد مؤشرات ولا جيب المواطن؟ - (فيديو)
مجدي الجلاد يواجه محمد معيط: الحكومة غرقت في الديون.. فما ردك؟ - (فيديو)