كشف الدكتور سمير غطاس، رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات السياسية والاستراتيجية، أسباب استمرار امتلاك جماعة الحوثيين قدرات عسكرية تمكّنها من تهديد السعودية واستهداف السفن في الممرات البحرية، متحدثًا عن طبيعة العلاقة بين الجماعة والولايات المتحدة، والدور الإيراني في تطوير ترسانتها العسكرية وتعزيز قدراتها القتالية.
وأوضح "غطاس" خلال الجزء الأول من حواره مع الإعلامية سماح السعيد، في بودكاست "صد رد" المذاع على منصات التواصل الاجتماعي لموقع "مصراوي"، أن إيران كثفت دعمها للحوثيين بعدما أدركت إمكانية تعرض الجماعة للهزيمة، مشيرًا إلى أن هذا الدعم لم يقتصر على إمدادها بالأسلحة والخبراء، بل امتد إلى تطوير قدرات التصنيع العسكري داخل اليمن.
وأضاف أن التساؤل بشأن أسباب جرأة الحوثيين في استهداف السعودية يرتبط، بحسب تحليله، بعاملين رئيسيين؛ أولهما ما وصفه بالاطمئنان إلى عدم تدخل الولايات المتحدة ضدهم بالشكل الكافي، والثاني امتلاك الجماعة أدوات ضغط استراتيجية، في مقدمتها قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق باب المندب.
كيف طوّر الحوثيون ترسانتهم العسكرية؟
أشار رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات السياسية والاستراتيجية إلى أن القدرات العسكرية للحوثيين شهدت تطورًا ملحوظًا، إذ انتقلت الجماعة، وفق حديثه، من الاعتماد على الأسلحة التي تحصل عليها من الخارج إلى مرحلة تصنيع الأسلحة داخل اليمن، بما يشمل الصواريخ والطائرات المسيرة.
وأوضح "غطاس" أن إيران عززت دعمها العسكري للحوثيين بعدما رأت إمكانية هزيمتهم، لافتًا إلى أن هذا الدعم شمل التسليح والخبرات والتدريب، إلى جانب المساهمة في تطوير قدرات التصنيع العسكري، على نحو اعتبره مشابهًا لبعض جوانب تطور القدرات العسكرية لدى حزب الله في لبنان وحركة حماس.
وأضاف أن تطور الصواريخ الحوثية إلى أسلحة أكثر دقة، إلى جانب استخدام الطائرات المسيرة، منح الجماعة قدرات أكبر على استهداف مواقع محددة، مشيرًا إلى أن الهجمات التي شهدتها المنطقة استهدفت، بحسب وصفه، منشآت اقتصادية ومواقع مدنية مهمة، من بينها المطارات.
وأكد "غطاس" أن الحوثيين أصبحوا يمتلكون خبرات تمكّنهم من استخدام الأسلحة بكفاءة، فضلًا عن مخزون من التسليح يتيح لهم مواصلة القتال لفترات طويلة، موضحًا أن تقييم قدراتهم الحالية لا ينبغي أن يقتصر على مسألة وجود خبراء إيرانيين داخل اليمن أو عدم وجودهم، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار ما اكتسبته الجماعة من خبرات عسكرية متراكمة.
الأنفاق والجبال.. كيف يحمي الحوثيون مخازن أسلحتهم؟
لفت "غطاس" إلى أن الاستراتيجية العسكرية الإيرانية تعتمد، بحسب تقديره، على إنشاء الأنفاق وتوفير مخازن محصنة للأسلحة، مشيرًا إلى أن الحوثيين استفادوا من هذا النهج في تأمين مخزونهم العسكري داخل اليمن.
وأوضح أن الطبيعة الجغرافية الوعرة لليمن، وما تضمه من مناطق جبلية، توفر للجماعة عوامل تساعدها على التحصن وإخفاء الأسلحة، إلى جانب إنشاء أنفاق تُستخدم في تخزين الذخائر والتجهيزات العسكرية واللجوء إليها عند الضرورة.
وأضاف أن هذه العوامل، إلى جانب امتلاك الجماعة قدرات تصنيع عسكري ومخزونًا من الأسلحة، تساعد في تفسير قدرتها على مواصلة العمليات القتالية لفترات طويلة، رغم الضغوط العسكرية التي تتعرض لها.
لماذا لم تتدخل أمريكا لمنع الحوثيين من تهديد السعودية؟
انتقل رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات السياسية والاستراتيجية إلى التساؤل بشأن الموقف الأمريكي من الحوثيين، قائلًا إن الولايات المتحدة، رغم علاقاتها الاستراتيجية الوثيقة بالسعودية، لم تتدخل، وفق تقديره، بالقدر الذي كان متوقعًا لوقف تهديدات الجماعة للمملكة.
واستشهد "غطاس" بما حدث في عام 2018، عندما كانت القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا تتقدم باتجاه مدينة الحديدة، موضحًا أن تدخلًا أمريكيًا وبريطانيًا أسهم في الدفع نحو اتفاق ستوكهولم، الذي تناول وقف إطلاق النار في الحديدة وتبادل الأسرى، إلى جانب ترتيبات أخرى.
واعتبر أن هذه التطورات أتاحت للحوثيين فرصة لتعزيز قدراتهم العسكرية، في الوقت الذي واصلت فيه الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا مسارها، بينما كثفت إيران دعمها للجماعة، سواء في مجال التسليح أو التدريب أو تطوير التصنيع العسكري.
وأشار "غطاس" إلى أن هذا المسار يثير تساؤلات بشأن طبيعة الحسابات الأمريكية تجاه الحوثيين، لا سيما في ظل المصالح الاستراتيجية التي تربط واشنطن بالرياض، ووجود مصالح اقتصادية وعسكرية أمريكية واسعة في السعودية.
اتفاق أمريكي مع الحوثيين.. ماذا حدث في البحر الأحمر؟
تطرق "غطاس" إلى المواجهات التي اندلعت بين الولايات المتحدة والحوثيين على خلفية استهداف السفن في البحر الأحمر، موضحًا أن واشنطن شنت ضربات عسكرية على الجماعة لعدة أيام، قبل التوصل إلى اتفاق ثنائي لوقف الهجمات المتبادلة.
وأضاف أن الاتفاق، وفق عرضه، تضمن التزام الولايات المتحدة بوقف استهداف الحوثيين، مقابل توقف الجماعة عن مهاجمة السفن الأمريكية، مشيرًا إلى أن إسرائيل لم تكن طرفًا في هذا التفاهم بحسب ما ذكره.
واعتبر أن إبرام اتفاق مباشر بين واشنطن والحوثيين، مع استبعاد إسرائيل منه، يمثل أحد المؤشرات التي يستند إليها في تفسير طبيعة العلاقة بين الطرفين، ومدى استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة العسكرية ضد الجماعة في ظل تهديداتها للملاحة البحرية.
وأشار إلى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، معتبرًا أن هذا القرار، إلى جانب التفاهمات الثنائية، يستدعي طرح تساؤلات بشأن طبيعة السياسة الأمريكية تجاه الجماعة.
لقاء في السفارة الأمريكية بعمان.. ماذا كشف غطاس؟
كشف "غطاس" عن لقاء قال إنه جمع قيادات من جماعة الحوثيين بمسؤولين أمريكيين في السفارة الأمريكية بالعاصمة الأردنية عمّان، خلال الفترة التي سبقت اندلاع الحرب التي تناولها الحوار، مشيرًا إلى أن اللقاء ضم، بحسب روايته، مسؤولين من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.
وربط رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات السياسية والاستراتيجية بين هذا اللقاء وتصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال فيه إن الحوثيين أبلغوه أنهم لا يريدون محاربته، معتبرًا أن هذا التصريح اكتسب دلالة مختلفة في ضوء ما ذكره عن اللقاء بين الجانبين.
ورأى "غطاس" أن هذه الوقائع، وفق قراءته، تفسر جانبًا من شعور الحوثيين بالاطمئنان إلى أن الولايات المتحدة لن تدخل في مواجهة مفتوحة معهم، حتى في ظل استمرار تهديداتهم للمصالح السعودية والملاحة البحرية.
سلاح الحوثيين للضغط على العالم
أوضح "غطاس" أن العامل الثاني الذي يمنح الحوثيين جرأة في تحركاتهم يتمثل في امتلاكهم القدرة على التأثير في المصالح الاستراتيجية الإقليمية والدولية، خصوصًا من خلال تهديد الملاحة في مضيق باب المندب.
وأشار إلى أن الجماعة تدرك أهمية المضيق لحركة التجارة العالمية، وأن التلويح بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه قد يحول المواجهة من نزاع إقليمي إلى أزمة دولية واسعة، نظرًا إلى ارتباط الممر البحري بحركة السفن والتجارة بين مناطق مختلفة من العالم.
وأضاف أن استخدام هذه الورقة قد يمنح الحوثيين قدرة على الضغط على السعودية وحلفائها، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن الإقدام على إغلاق المضيق فعليًا قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة، ويستفز أطرافًا دولية عديدة، بما يتجاوز حدود المواجهة مع الرياض.
واختتم الدكتور سمير غطاس، تحليله بالتأكيد على أن فهم سلوك الحوثيين يتطلب الجمع بين ثلاثة عوامل رئيسية، هي الدعم الإيراني وتطور القدرات العسكرية للجماعة، وحسابات الموقف الأمريكي، والأهمية الاستراتيجية لموقع اليمن المشرف على مضيق باب المندب، الذي يمنح الحوثيين أدوات تأثير تتجاوز حدود الساحة اليمنية.
اقرأ أيضًا:
السيسي يوجه بتوطين صناعات الرمال السوداء وخفض مديونية أجهزة الموازنة
رئيس الوزراء يشهد توقيع اتفاقيات شراكة لتوفير وحدات سكنية لمحدودي الدخل | بث مباشر
الحكومة: القضاء على 357 منطقة غير آمنة وتنفيذ 246 ألف وحدة سكنية بديلة –فيديو