أعاد ضعف الين الياباني وارتفاع عوائد السندات الحكومية في طوكيو فتح ملف الاستثمارات اليابانية الضخمة في الأصول الأمريكية، وسط مخاوف من أن يؤدي ارتفاع العائد المحلي إلى دفع المستثمرين اليابانيين لإعادة جزء من أموالهم إلى السوق المحلية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لسوق سندات الخزانة الأمريكية، في ظل امتلاك اليابان أكثر من تريليون دولار من السندات الحكومية الأمريكية، ما يجعل أي تحول كبير في اتجاه التدفقات اليابانية عاملًا مؤثرًا في أسعار السندات الأمريكية وتكاليف الاقتراض.
لماذا يهم ضعف الين سندات الخزانة الأمريكية؟
لا تكمن خطورة أزمة الين في العملة اليابانية وحدها، إذ يمكن أن تمتد تداعياتها إلى سوق سندات الخزانة الأمريكية إذا بدأت العوائد المرتفعة في اليابان تجعل الأصول المحلية أكثر جاذبية للمستثمرين اليابانيين مقارنة بالسندات والأصول الأمريكية.
وتتزامن هذه المخاوف مع ارتفاع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 3%، وهو مستوى لم يسجل منذ سبتمبر 1996، بينما تتوقع الأسواق استمرار بنك اليابان في رفع أسعار الفائدة إلى ما بعد مستوى 1%.
وعلى مدى سنوات، استفاد المستثمرون اليابانيون من انخفاض أسعار الفائدة المحلية لشراء أصول ذات عوائد أعلى في الخارج، وعلى رأسها السندات الأمريكية، لكن ارتفاع العوائد اليابانية قد يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة تقييم هذه الاستراتيجية.
وتعد اليابان أكبر حائز أجنبي للسندات الحكومية الأمريكية، بأكثر من تريليون دولار، وتتركز هذه الحيازات بشكل كبير لدى المؤسسات المالية، ما يجعل أي تحول في استراتيجيات صناديق التقاعد وشركات التأمين والبنوك اليابانية محل متابعة دقيقة في الأسواق العالمية.
هل يؤدي التخارج من السندات الأمريكية إلى إضعاف الدولار؟
إذا بدأ المستثمرون اليابانيون في بيع جزء من حيازاتهم من سندات الخزانة الأمريكية وإعادة الأموال إلى اليابان، فإن هذه العملية قد تضغط على الدولار، إذ يحتاج المستثمرون عند تحويل حصيلة بيع الأصول الأمريكية إلى الين إلى بيع الدولار وشراء العملة اليابانية.
وبالتالي، فإن زيادة التخارج من الأصول المقومة بالدولار يمكن أن تعني تراجع الطلب على العملة الأمريكية، خصوصًا إذا لم يقتصر الأمر على المستثمرين اليابانيين وتحول إلى اتجاه أوسع لإعادة توزيع المحافظ بعيدًا عن الأصول الأمريكية.
ولا يعني ذلك أن أي عمليات بيع محدودة للسندات الأمريكية ستؤدي تلقائيًا إلى هبوط حاد للدولار، لكن تحول اليابان من مستثمر رئيسي في الأصول الأمريكية إلى مصدر لتدفقات مالية عائدة إلى السوق المحلية قد يصبح عاملًا إضافيًا يضغط على العملة الأمريكية.
الذهب يترقب.. هل يفتح ضعف الدولار الباب أمام قفزة جديدة؟
عادة ما يستفيد الذهب من تراجع الدولار، لأن انخفاض قيمة العملة الأمريكية يجعل المعدن النفيس المقوم بها أقل تكلفة بالنسبة للمشترين الذين يستخدمون عملات أخرى، ما قد يزيد الطلب عليه ويدعم أسعاره.
وبالتالي، إذا أدى التخارج من السندات الأمريكية وإعادة توزيع الاستثمارات إلى الضغط على الدولار، فقد يحصل الذهب على دفعة جديدة، خاصة إذا تزامن ضعف العملة الأمريكية مع ارتفاع المخاوف بشأن الاستقرار المالي أو السياسة النقدية والمالية في الولايات المتحدة.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة بالنسبة للمستثمر المصري، إذ إن ارتفاع الذهب عالميًا يمكن أن ينعكس على الأسعار المحلية، إلى جانب تأثير حركة الدولار في السوق المصرية وعوامل العرض والطلب.
ومن هنا، فإن أزمة تبدأ من الين الياباني قد تمتد آثارها إلى سندات الخزانة الأمريكية، ثم الدولار، وصولًا إلى الذهب، لتتحول من أزمة في سوق الصرف الياباني إلى تطور تراقبه أسواق المال والمستثمرون في مصر.
الين يقترب من أدنى مستوياته
وفي تقرير، قال مورجان ستانلي إن الين الياباني يتداول بالقرب من أضعف مستوياته منذ أكثر من ثلاثة عقود، رغم التدخل النادر والمنسق بين الولايات المتحدة واليابان لدعم العملة.
وتراجع الين إلى نحو 163 ينًا مقابل الدولار في 29 يوليو، قبل أن يرتفع بنحو 5% إلى 155 ينًا بعد التدخل في 31 يوليو، لكنه عاد إلى التراجع ليصل إلى نحو 159 ينًا للدولار في 18 أغسطس.
وقال التقرير إن التدخل لم يغير العوامل الأساسية التي تقف وراء ضعف العملة، مشيرًا إلى أن تعزيز الين بشكل مستدام يتطلب إما خفض أسعار الفائدة الأمريكية أو تسريع وتيرة تشديد السياسة النقدية من جانب بنك اليابان.
وبحسب البنك، فإن بنك اليابان قد يرفع سعر الفائدة من 1% حاليًا إلى 1.25% في أكتوبر ثم إلى 1.5% في مارس، مع إمكانية تقديم موعد الزيادة إلى سبتمبر.
ارتفاع عوائد السندات اليابانية يغير المعادلة
تزامن ضعف الين مع ارتفاع حاد في عوائد السندات اليابانية، إذ تجاوز عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات 3%، وهو أعلى مستوى منذ عام 1996، بحسب فايننشال تايمز.
ويعني ارتفاع العائد على السندات اليابانية أن الأصول المحلية أصبحت أكثر جاذبية مقارنة بما كانت عليه خلال سنوات أسعار الفائدة شديدة الانخفاض، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم جدوى الاحتفاظ بأصول أجنبية، ومنها السندات الأمريكية.
وتشير فايننشال تايمز إلى أن هذا التحول قد يصبح أكثر أهمية بالنسبة لصناديق التقاعد وشركات التأمين على الحياة اليابانية، التي تملك استثمارات ضخمة في الخارج، مع ارتفاع العوائد المحلية وتغير حسابات المخاطر والعائد.
هل بدأ اليابانيون بالفعل التخارج من أمريكا؟
رغم المخاوف المتزايدة، لا تظهر البيانات المتاحة حتى الآن دليلًا على تخارج واسع من المستثمرين اليابانيين من الأصول الأمريكية.
ونقلت فايننشال تايمز عن جيمس لورد، الرئيس العالمي لاستراتيجية العملات الأجنبية في مورجان ستانلي، قوله إن المستثمرين اليابانيين ما زالوا يشترون "كميات كبيرة" من الأصول الأمريكية، وإن حجم هذه الاستثمارات لا يزال كبيرًا مقارنة بالمستويات التاريخية.
وقال لورد: "لم نشهد حتى الآن عودة كبيرة للأموال من قبل المستثمرين اليابانيين إلى الأصول المحلية".
كما نقلت الصحيفة عن كاماكشيا تريفيدي، كبير استراتيجيي العملات الأجنبية في جولدمان ساكس، أن التفكيك الهيكلي لتجارة الين الممولة سيأتي بالتزامن مع إعادة المستثمرين اليابانيين أموالهم من الأصول الأجنبية إلى الأصول المحلية، لكنه أشار إلى وجود القليل من الأدلة حتى الآن على تحول كبير في بيانات تدفقات المحافظ.
اليابان تبيع سنداتها المحلية.. وليس الأمريكية
وتقدم بيانات بلومبرج مؤشرًا مهمًا على اتجاه المستثمرين الأجانب، لكنها لا تعني تخارج اليابانيين من سندات الخزانة الأمريكية.
فقد أظهرت بيانات جمعية تجار الأوراق المالية اليابانية أن المستثمرين الأجانب سجلوا صافي مبيعات بقيمة 1.28 تريليون ين من السندات الحكومية اليابانية ذات آجال السنتين والخمس سنوات خلال يوليو، وهو أكبر صافي بيع منذ يوليو 2006.
وفي المقابل، سجل المستثمرون الأجانب صافي مشتريات بقيمة 889.8 مليار ين من السندات الحكومية اليابانية التي تتجاوز آجالها 10 سنوات.
وترى بلومبرج أن ضعف الين والتوقعات بتسريع بنك اليابان وتيرة رفع أسعار الفائدة لعبا دورًا رئيسيًا في تحركات سوق السندات اليابانية.
تجارة الين قد تكون قناة انتقال الأزمة
ترتبط أزمة الين أيضًا بما يعرف بـ"تجارة الين"، التي تعتمد على الاقتراض بالعملة اليابانية منخفضة التكلفة واستثمار الأموال في أصول ذات عوائد أعلى في دول أخرى.
ومع ارتفاع أسعار الفائدة اليابانية، تصبح هذه الاستراتيجية أقل جاذبية، وقد يبدأ المستثمرون في تقليص مراكزهم، ما قد يؤدي إلى عمليات بيع لأصول عالمية تم تمويلها بالين.
وقال مورجان ستانلي إن تجارة الين أصبحت أحد مصادر السيولة المهمة للأسواق العالمية، وإن تفكيكها قد يجبر المستثمرين الذين يستخدمون الرافعة المالية على خفض المخاطر، بما يزيد التقلبات في أسواق الأسهم والسندات والعملات.
وتشير فايننشال تايمز إلى أن مراكز المضاربة على فروق أسعار الفائدة في الين كبيرة، بينما لا تزال صفقة "بيع الين" واحدة من أفضل ثلاث صفقات مفضلة لدى مديري الصناديق العالميين، وفق أحدث استطلاع لبنك أوف أمريكا.
اقرأ أيضًا:
الفائدة الأمريكية على أعتاب زيادة جديدة.. ماذا ينتظر الدولار والذهب والأسواق؟
السندات الأمريكية تواجه ضغوطًا من أكثر من اتجاه
لا تأتي مخاطر ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية من اليابان وحدها، إذ أشارت فايننشال تايمز إلى أن أسواق السندات العالمية تتعرض لموجة بيع، بالتزامن مع ارتفاع توقعات التضخم وأسعار الطاقة وتزايد احتياجات الحكومات والشركات إلى الاقتراض.
وارتفع عائد السندات الأمريكية لأجل عامين إلى 4.5%، وهو أعلى مستوى منذ أوائل 2025، في الوقت الذي بلغ فيه عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات 3%.
كما أشارت الصحيفة إلى أن تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش المتشددة ساهمت في موجة بيع الديون العالمية، مع تسعير الأسواق لاحتمال يقارب الثلثين لرفع الفائدة الأمريكية في وقت لاحق من سبتمبر.
اقرأ أيضًا:
النفط يقترب من 100 دولار.. هل يدفع ارتفاع الخام أسعار الوقود في مصر؟
ارتفاع العوائد اليابانية قد يضغط على واشنطن
بحسب فايننشال تايمز، فإن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت حذر من أن اضطراب أسواق الين قد يؤدي إلى عمليات تصفية قسرية تزعزع استقرار الأسواق العالمية وترفع في النهاية تكاليف الاقتراض للأسر والشركات الأمريكية.
وتشير الصحيفة إلى أن اليابان هي أكبر حائز أجنبي لسندات الحكومة الأمريكية، بأكثر من تريليون دولار، معظمها مملوك لمؤسسات مالية.
وتتركز الأنظار على صناديق التقاعد وشركات التأمين اليابانية، إذ إن ارتفاع العوائد المحلية قد يجعل السندات اليابانية أكثر قدرة على منافسة السندات الأمريكية، خصوصًا إذا استمر بنك اليابان في رفع أسعار الفائدة.
هل نحن أمام تخارج ياباني من سندات الخزانة؟
حتى الآن، لا تشير التقارير إلى حدوث موجة تخارج واسعة من سندات الخزانة الأمريكية من جانب المستثمرين اليابانيين.
ويشير تقرير مورجان ستانلي إن المستثمرين اليابانيين ما زالوا يشترون كميات كبيرة من الأصول الأمريكية، بينما تشير فايننشال تايمز إلى عدم وجود أدلة واضحة حتى الآن على تحول كبير في تدفقات المحافظ من الخارج إلى الداخل.
لكن الخطر يكمن في المسار المستقبلي وليس في التخارج الذي حدث بالفعل؛ فكلما ارتفعت عوائد السندات اليابانية، واتسع الفارق لصالح الأصول المحلية، زادت احتمالات إعادة المستثمرين اليابانيين تقييم حيازاتهم الخارجية.
ومن ثم، فإن أزمة الين لا تمثل مجرد مشكلة للعملة اليابانية، وإنما قد تصبح قناة ضغط على سوق سندات الخزانة الأمريكية إذا تحولت إعادة توزيع المحافظ اليابانية من احتمال إلى تدفقات فعلية.
اقرأ أيضًا: