قال خبراء اقتصاديون لـ مصراوي إن استمرار مستويات الفائدة المرتفعة عالميًا يعيد الضغوط على الاقتصادات الناشئة، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض وخدمة الدين وتراجع شهية المستثمرين للمخاطر.
وأشاروا إلى أن مصر دخلت مرحلة مختلفة مع تحول أسعار الفائدة من مستويات أقل من التضخم إلى عائد حقيقي موجب، بما يرفع تكلفة التمويل على القطاع الخاص رغم بدء دورة خفض الفائدة.
ويرى الخبراء أن المعادلة الجديدة تضع الاقتصاد أمام اختبار مزدوج بين احتواء التضخم والحفاظ على الاستثمار والنمو في ظل بيئة تمويل عالمية أكثر تكلفة.
لم تعد معركة البنوك المركزية العالمية مع التضخم محسومة باتجاه خفض الفائدة، بعدما حذرت كريستالينا جورجيفا مديرة صندوق النقد الدولي، من أن التضخم ما زال "مستعصيًا" وأن استمرار ضغوط الأسعار قد يدفع العديد من البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية.
وربطت جورجيفا المخاطر بارتفاع تكاليف الطاقة والتوترات الجيوسياسية، في وقت أصبحت فيه خدمة الدين أكثر صعوبة مع ارتفاع تكاليف الاقتراض.
الأسواق الناشئة.. الحلقة الأكثر حساسية
قال الدكتور أحمد معطي الخبير الاقتصادي، إن التشديد النقدي ليس مجرد معركة للبنوك المركزية ضد التضخم، بل تحول إلى ضغط ممتد على الاقتصاد العالمي عبر الديون وأسواق السندات وتدفقات رؤوس الأموال والاستثمار.
وأضاف لـ مصراوي، أن مع ارتفاع عوائد الاقتصادات الكبرى تنتقل تكلفة الأموال إلى بقية العالم، خصوصًا الأسواق الناشئة والدول النامية، إذ يرفع صعود العوائد العالمية منحنيات الفائدة في معظم الاقتصادات، ويزيد تكلفة إعادة تمويل الديون وخدمة الدين.
حذر صندوق النقد الدولي في سبتمبر 2026 من أن ارتفاع عوائد الاقتصادات المتقدمة إلى مستويات مرتفعة لعدة سنوات يرفع عوائد معظم دول العالم، بينما تؤدي احتياجات إعادة التمويل المرتفعة وتزايد أعباء خدمة الدين إلى تقليص قدرة كثير من الاقتصادات النامية على تمويل البنية التحتية والصحة والتعليم، بما يضغط بدوره على النمو والاستدامة المالية.
وذكر معطي أن الضربة لا تتوقف عند الحكومات، فالفائدة المرتفعة تعني ائتمانًا أكثر تكلفة للشركات والأسر، وتقلص الطلب على القروض والاستثمار والإسكان والاستهلاك، ومع ارتفاع عوائد السندات تنخفض أسعارها، وهو ما قد يسبب خسائر للمؤسسات المالية والمستثمرين ويضعف قدرتهم على تحمل المخاطر، بينما يمكن أن تتسع علاوات المخاطر ويزداد تشدد شروط الائتمان.
وتابع معطي أن الآثار أكثر حدة في الأسواق الناشئة، فارتفاع العائد على الأصول في الاقتصادات الكبرى يجعل التمويل الخارجي أكثر تكلفة ويعيد توجيه جزء من رؤوس الأموال نحو الأسواق ذات العائد الأعلى والأقل مخاطرة نسبيًا.
تظهر دراسة حديثة لصندوق النقد أن الصدمات المالية المرتبطة بأسواق الصرف يمكن أن ترتبط بانكماشات ملموسة في النشاط الاقتصادي بالأسواق الناشئة والنامية.
وبيّن أن التشديد النقدي يعمل مثل مكابح عالمية متعددة المراحل: الفائدة الأعلى ترفع تكلفة الاقتراض، والائتمان الأكثر تكلفة يقلل الاستثمار والاستهلاك، وتراجع الطلب يضغط على أرباح الشركات والتوظيف، بينما تؤدي خدمة الدين المرتفعة إلى تقليص المساحة المالية أمام الحكومات للإنفاق على الاستثمار والخدمات العامة.
وماذا عن مصر؟
تأتي هذه الرسالة العالمية في توقيت شديد الحساسية؛ فالبنك المركزي المصري أبقى أسعار العائد الأساسية عند 19% للإيداع، و20% للإقراض، و19.5% للعملية الرئيسية منذ خفضها 100 نقطة أساس في فبراير 2026، بينما بلغ التضخم الحضري 14.5% في أغسطس، وسجل التضخم الأساسي 14.9%، وبذلك أصبح العائد الاسمي على أداة السياسة النقدية أعلى من التضخم بنحو 4.5 نقطة مئوية، في إشارة إلى تحول كبير في الموقف النقدي الحقيقي.
قال الدكتور رشاد عبده رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، إن المفارقة الأساسية في المشهد المصري أن انخفاض التضخم أسرع من خفض سعر الفائدة خلق اتساعًا تلقائيًا في العائد الحقيقي.
وأضاف لـ مصراوي أن البنك المركزي عندما خفّض أسعار الفائدة 100 نقطة أساس في فبراير الماضي، كان التضخم العام قد هبط إلى 11.9% في يناير، قبل أن تعود معدلات التضخم للارتفاع خلال الأشهر التالية تحت تأثير الصدمات الإقليمية والعوامل المرتبطة بالعرض، وفي أغسطس، بلغ التضخم 14.5% مقابل فائدة إيداع عند 19%.
ويعني ذلك، حسب عبده، أن تقييم السياسة النقدية لا يمكن أن يتوقف عند السؤال: "هل رفع البنك المركزي الفائدة أم خفضها؟"، وإنما يمتد إلى السؤال الأهم: ما مقدار العائد المتبقي بعد احتساب التضخم؟ وبحساب بسيط بين فائدة الإيداع والتضخم الحالي يصل الفارق إلى نحو 4.5 نقطة مئوية، وهو ما يجعل البيئة النقدية أكثر تقييدًا من الفترة التي كانت فيها معدلات التضخم أعلى من أسعار الفائدة الاسمية.
وتتسق هذه القراءة، وفق عبده، مع تقييم البنك المركزي نفسه، في أحدث بياناته إن الضغوط التضخمية من جانب الطلب ستظل محدودة على المدى القصير، مدعومة بـ"الموقف النقدي المتشدد"، في الوقت الذي أشار فيه إلى أن الناتج لا يزال دون طاقته المحتملة.
من السالب إلى الموجب
قال الدكتور أحمد شوقي الخبير الاقتصادي، إن المقارنة التاريخية تكشف حجم التحول الذي طرأ على البيئة النقدية المصرية، ففي ديسمبر 2023، وصل التضخم الحضري السنوي إلى 33.7%، بينما كانت فائدة الإيداع عند مستويات أدنى بكثير من ذلك، ما يعني أن العائد الحقيقي كان سالبًا بشدة.
وأضاف لـ مصراوي أن أسعار الفائدة الرسمية وصلت إلى مستويات مرتفعة للغاية في 2024، لكنها ظلت في مواجهة تضخم مرتفع، إذ بلغ التضخم الحضري 24.1% في ديسمبر 2024، فيما كانت أسعار الفائدة الأساسية عند 27.25% للإيداع و28.25% للإقراض بنهاية العام.
ومع تراجع التضخم خلال 2025 ثم وصول الفائدة الرسمية إلى 19% في 2026، تغيرت المعادلة تدريجيًا، حسب شوقي، إذ أصبحت الفائدة الاسمية أعلى بوضوح من التضخم الجاري، ولذلك انتقلت مصر من مرحلة كان فيها التضخم يلتهم جزءًا كبيرًا من العائد النقدي إلى مرحلة أصبح فيها العائد الحقيقي موجبًا، حتى مع بدء دورة خفض الفائدة.
وهنا يظهر "التشديد الصامت"، حسبما يرى شوقي، فالبنك المركزي لا يحتاج رفع سعر الفائدة كي تصبح الأوضاع النقدية أكثر تقييدًا إذا كان التضخم ينخفض أسرع من الفائدة الاسمية.
القطاع الخاص أمام معادلة أكثر صعوبة
قال رشاد عبده إن الاقتصاد الحقيقي يواجه معادلة مختلفة، فارتفاع العائد الحقيقي يعني أن قرار الاقتراض لتمويل توسع جديد أو شراء أصول إنتاجية يصبح أكثر تكلفة، خصوصًا بالنسبة للمشروعات التي لا تستطيع رفع أسعار منتجاتها بالسرعة نفسها التي ترتفع بها تكلفة التمويل.
وهنا تصبح الفائدة الحقيقية الموجبة سلاحًا ذا حدين، حسب عبده، إذ تساعد على كبح الطلب والتضخم، لكنها في الوقت نفسه تزيد تكلفة التمويل الحقيقي مقارنة بفترة التضخم المرتفع التي كانت فيها الفائدة الاسمية لا تعوض تآكل القوة الشرائية.