أوضح خبراء اقتصاديون لـ"مصراوي" أن تراجع معدلات التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، مشيرين إلى أن ضعف الطلب الاستهلاكي وتراجع قدرة المواطنين على الإنفاق من العوامل التي تحد من قدرة الشركات والتجار على تمرير ارتفاعات التكلفة إلى المستهلك.
وكان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء قد أصدر بيانًا بانخفاض معدل التضخم الشهري 12.7% في أغسطس 2026، مقابل 13.0% في يوليو.
ولكن على جهة أخرى، فقد أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع معدل التضخم الأساسي إلى 14.9% في أغسطس 2026، مقابل 14.7% في الشهر السابق.
كان استطلاع أجرته رويترز خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر، أظهر أن معدل التضخم السنوي في المدن المصرية من المتوقع أن يكون قد ارتفع إلى 15.5% خلال أغسطس، مقابل 14.9% في يوليو، بدعم من تأثير سنة الأساس وارتفاع أسعار الكهرباء.
وتراجع المعدل السنوي للتضخم على مستوى المدن- المستهدف من البنك المركزي المصري- إلى 14.5% خلال أغسطس مقابل 14.9% خلال يوليو وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
لماذا خالف التضخم التوقعات وانخفض؟
قالت الدكتورة عالية المهدي أستاذة الاقتصاد والعلوم السياسية، إن تراجع معدلات التضخم الطفيف لا يرتبط بانخفاض أسعار بعض السلع، ولكن يلعب "ضعف الطلب الاستهلاكي" دوره في الحد من الزيادات السعرية ومن ثم تراجع التضخم.
وأضافت لـ"مصراوي" أن تراجع قدرة المواطنين على الإنفاق وانخفاض حركة المبيعات، إنما تقلل قدرة التجار والشركات على تمرير الزيادات في تكاليف النقل والطاقة إلى المستهلك بالكامل، ما يدفع إلى تثبيت بعض الأسعار أو إبطاء وتيرة زيادتها.
وتشير دراسة للبنك الدولي بعنوان "ما الذي يفسر التضخم العالمي؟"، إلى أن تراجع الطلب من أبرز المحركات لانخفاض التضخم، إذ أسهمت بنحو 28% من التغير في التضخم العالمي منذ 1970، لتأتي في المرتبة الثانية بعد صدمات أسعار النفط، موضحة أن انهيار الطلب في المراحل الأولى من جائحة كورونا أدى إلى دفع إلى الانخفاض، قبل أن يؤدي تعافي الطلب إلى موجة ارتفاع لاحقة.
من ناحيته، يرى أحمد خطاب الباحث الاقتصادي، أن الارتفاعات المحدودة في أسعار بعض السلع لا تعني بالضرورة ركودًا اقتصاديًا، وإنما تمثل جزءًا من ظاهرة التضخم، في ظل تأثر الاقتصاد المصري، شأنه شأن اقتصادات أخرى، بالتوترات الجيوسياسية والسياسية العالمية.
ويضيف خطاب لـ"مصراوي" إلى أن الدولة اتخذت عددًا من الإجراءات للتخفيف من الضغوط المعيشية، من بينها رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة معاشات "تكافل وكرامة" وتوسيع برامج "حياة كريمة"، بجانب دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتوفير فرص عمل للشباب وتعزيز الإنفاق على البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وتشير دراسة لصندوق النقد الدولي بعنوان "الدول العربية في مرحلة التحول – الآفاق الاقتصادية والتحديات الرئيسية"، إلى أن ضعف الطلب المحلي وانخفاض أسعار السلع كانا من العوامل المتوقعة لإبقاء التضخم منخفضًا في معظم الدول العربية مثل مصر والأردن والمغرب وتونس.
المواطن لا يملك سيولة
يلفت الدكتور حسن الصادي الخبير الاقتصادي وأستاذ اقتصاديات التمويل، إلى أن تراجع السيولة المتاحة لدى المواطنين قد يعني أن جزءًا من تباطؤ التضخم يعكس ضعفًا في الطلب وليس بالضرورة تحسنًا واسعًا في القدرة الشرائية.
ويضيف لـ"مصراوي" أن انخفاض التضخم لا يكفي وحده للحكم على تحسن الأوضاع المعيشية، ما لم يتزامن مع تحسن في الدخول الحقيقية ونمو الاستهلاك والنشاط الاقتصادي.
وتدعم ورقة بحثية لصندوق النقد الدولي بعنوان "تفكيك التضخم إلى عوامل الطلب والعرض: أدلة عبر الدول وتطبيقات"، فرضية أن ضعف الطلب يحد من الضغوط التضخمية، ودرست الورقة بيانات 32 دولة وميزت بين التضخم المدفوع بالطلب والتضخم الناتج عن صدمات العرض، وتوضح أن تباطؤ الطلب وحركة النشاط الاقتصادي يساهم في تهدئة الضغوط السعرية، خاصة عندما لا يكون ارتفاع الأسعار ناتجًا بالأساس عن صدمات في جانب العرض.
وأضافت "عالية" أن تقييم أي تحسن في معدل التضخم لا ينبغي أن ينفصل عن حركة الأسعار التي يواجهها المواطن يوميًا، خاصة أسعار السلع الأساسية وتكاليف النقل والمواصلات، لما لها من تأثير مباشر على نفقات الأسر ومستوى المعيشة.
وترى "المهدي" أن الوصول بمعدل التضخم إلى مستويات أقل بكثير هو المؤشر الذي يمكن معه الحديث عن تحسن ملموس، مشيرة إلى أن وصوله إلى نحو 10% سيكون أكثر دلالة على إحراز تقدم، بينما تعتبر أن الوصول إلى معدل يبلغ 3% يمثل، من وجهة نظرها، مستوى يمكن عنده الحديث عن نجاح واضح في السيطرة على التضخم.
وتقدم دراسة حديثة منشورة في يونيو 2026 بمجلة "Cogent Economics & Finance" تفسيرًا لكيفية انتقال صدمات التكلفة إلى الأسعار في مصر، وباستخدام بيانات ربع سنوية خلال الفترة 2015-2024، خلصت الدراسة إلى وجود انتقال قوي لسعر الصرف إلى التضخم، مع اختلاف قوة وسرعة هذا الانتقال بين الفترات، وتشير الدراسة إلى أن انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار لم يكن كاملًا خلال بعض الفترات، وأن عوامل من بينها "ضعف الطلب" تحد من هذا الانتقال.
تراجع التضخم لا يعني تحسنًا
تقول "عالية" إن التراجع المحدود في معدل التضخم لا يعكس أي تحسن، من وجهة نظرها، خاصة أن المعدل لا يزال عند مستويات مرتفعة رغم التحسن الطفيف المسجل وفق البيانات الرسمية.
ووصفت التضخم بـ"الضريبة غير الرسمية" التي يتحملها المواطن نتيجة السياسات الحكومية الهادفة إلى التعامل مع الأزمات الاقتصادية، معتبرة أن بعض هذه الإجراءات تتم دون العودة إلى البرلمان.
وتقدم دراسة لصندوق النقد الدولي بعنوان "دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان المستوردة للنفط: مواجهة التحديات المالية وسط الضغوط الاجتماعية"، دليلًا مباشرًا على العلاقة بين ضعف الطلب والتضخم؛ إذ خلص الصندوق إلى أن الضغوط التضخمية في معظم الدول المستوردة للنفط بالمنطقة ظلت محدودة إلى حد كبير بفعل ضعف الطلب المحلي والخارجي، وأشار التقرير إلى أن مصر كانت من الاستثناءات في بعض الفترات، بعدما ساهمت انخفاضات سعر الصرف في زيادة التضخم.
لا تتفاءلوا فتصيبكم الصدمات
يقول الصادي إن المواطنين يمتلكون فهمًا شائعًا غير دقيق تجاه انخفاض معدلات التضخم، موضحًا أن تراجع التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، وإنما يشير إلى تباطؤ وتيرة ارتفاعها.
ويوضح أن السلعة التي يبلغ سعرها 100 جنيه وترتفع الأسعار بمعدل تضخم قدره 30%، سيصل سعرها إلى نحو 130 جنيهًا، بينما إذا تراجع معدل التضخم إلى 20%، فإن السعر سيصل إلى 120 جنيهًا، أي أن الأسعار تواصل الارتفاع ولكن بوتيرة أبطأ.
يشير صندوق النقد الدولي في مراجعته السابعة للاقتصاد المصري، الصادرة في يوليو 2026، إلى أن استمرار السياسة النقدية الملائمة والمتشددة بجانب الانضباط المالي واحتواء الإنفاق يظل ضروريًا للحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي، وفي الوقت نفسه، تراجع التضخم السنوي من 15.2% في مارس إلى 14.3% في يونيو، بعدما ارتفعت ضغوط الأسعار في مارس بفعل انخفاض سعر الصرف وزيادة أسعار الطاقة.
ويبيّن الصادي أن معدلات التضخم التي تتراوح بين 5% و7% يمكن اعتبارها في نطاق لا يضغط بصورة كبيرة على مستوى المعيشة، خاصة مع الزيادات السنوية في الأجور التي تبلغ نحو 7%.
ويذكر أن تجاوز التضخم هذه المستويات، وصولًا إلى معدلات تبلغ نحو 15%، يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين، ويضغط على دخول الأسر ومستويات المعيشة.