انخفاض المعروض النقدي في مصر.. هل هو انكماش حقيقي أم تأثير لسعر الصرف؟
كتب : إبراهيم الهادي عيسى
الجنيه المصري
لا يعني تراجع المعروض النقدي الواسع للسيولة المحلية المعروفة باسم "M2" خلال شهر واحد أن الاقتصاد دخل مرحلة انكماش، إذ انخفض "M2" بنحو 70 مليار جنيه خلال يونيو 2026، ليسجل أول تراجع شهري منذ نحو 9 سنوات، وفق تحليل تقرير صادر عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية.
لكن المفارقة، وفق التقرير، أن الانخفاض جاء في وقت زادت فيه الودائع الفعلية بالعملات الأجنبية بنحو 0.8 مليار دولار، وهو ما يعني أن جزءًا كبيرًا من الأموال لم يختفِ من الاقتصاد، وإنما انخفضت قيمته عند تحويله إلى الجنيه بفعل تحسن سعر الصرف.
وتكشف قراءة مكونات المعروض النقدي أن الصورة أكثر تعقيدًا؛ فبينما ارتفعت الودائع بالعملة المحلية بنحو 179 مليار جنيه، وزادت أرصدة الودائع الأجنبية الفعلية بما يعادل 41 مليار جنيه، أدى ارتفاع قيمة الجنيه إلى خفض القيمة المقومة بالجنيه للودائع الأجنبية بنحو 202 مليار جنيه.
وبالتزامن مع ذلك، تراجع النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي بنحو 88 مليار جنيه، وبذلك، لم يكن انخفاض "M2" البالغ نحو 70 مليار جنيه نتيجة عامل واحد، وإنما حصيلة تشديد نقدي فعلي من ناحية، وتأثير محاسبي لسعر الصرف من ناحية أخرى. فقد ساهم تراجع النقد خارج البنوك بنحو 88 مليار جنيه في خفض السيولة، في حين كان أثر إعادة تقييم الودائع الأجنبية أكبر، إذ خصم نحو 202 مليار جنيه من قيمة المعروض النقدي المقومة بالجنيه.
لكن ما هو "M2" أصلًا؟
المعروض النقدي الواسع "M2" أحد أهم المؤشرات التي تستخدم لقياس حجم السيولة المتاحة داخل الاقتصاد، ويشمل في الحالة المصرية النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي، والودائع بالعملة المحلية، والودائع بالعملات الأجنبية بعد تحويل قيمتها إلى الجنيه المصري.
وتنبع أهمية المؤشر من ارتباطه بحركة الإنفاق والادخار والاستثمار، بجانب التضخم والائتمان وأسعار الفائدة؛ إذ إن نمو السيولة بصورة أسرع من قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات قد يزيد الضغوط التضخمية، بينما يمكن أن يؤدي انكماشها لفترة ممتدة إلى إضعاف الطلب والنشاط الاقتصادي.
يونيو.. أول تراجع منذ 2017
وفق بيانات البنك المركزي المصري، انخفض المعروض النقدي الواسع من 15.33 تريليون جنيه في مايو إلى 15.26 تريليون جنيه في يونيو، بتراجع يقارب 0.46%ن وهو أول انخفاض شهري للمعروض النقدي الواسع منذ نحو تسع سنوات.
وارتفع رصيد الودائع بالعملات الأجنبية من 65.45 مليار دولار إلى 66.24 مليار دولار، بزيادة تقارب 0.8 مليار دولار، ورغم ذلك، تراجعت قيمتها عند تحويلها إلى الجنيه بنحو 202 مليار جنيه، بسبب ارتفاع قيمة الجنيه أمام الدولار، مع انخفاض سعر الدولار من 52.33 جنيه إلى 49.28 جنيه.
وفي المقابل، فإن جزءًا آخر من التراجع يعكس تغيرًا حقيقيًا في السيولة المتداولة خارج الجهاز المصرفي؛ إذ انخفض النقد المتداول لدى الجمهور من 1.737 تريليون جنيه إلى 1.649 تريليون جنيه، بتراجع قدره 88 مليار جنيه.
ويشير هذا الانخفاض إلى تراجع حيازة النقد خارج البنوك، وهو ما يمكن أن يعكس نجاحًا جزئيًا لسياسة نقدية تستهدف امتصاص فائض السيولة والحد من الضغوط التضخمية، فضلًا عن إعادة الأموال إلى الجهاز المصرفي.
هل يتحول التراجع إلى خطر على الاقتصاد؟
تكشف هذه الواقعة عن تحول مهم في هيكل السيولة المصرية؛ فمع زيادة أهمية الودائع الأجنبية، أصبح "M2" أكثر حساسية لتحركات سعر الصرف.
وفي السابق، كانت انخفاضات قيمة الجنيه تؤدي إلى نتيجة محاسبية معاكسة؛ فعندما ترتفع قيمة الدولار أمام الجنيه، ترتفع القيمة المقومة بالجنيه للودائع الأجنبية، ما يدفع المعروض النقدي إلى الزيادة حتى من دون تغير مماثل في الأرصدة الدولارية نفسها.
أما في يونيو 2026، فقد حدث العكس؛ ارتفاع قيمة الجنيه خفض القيمة المحاسبية للودائع الأجنبية، فدفع "M2" إلى الانخفاض.
وهذه ليست المرة الأولى التي يؤثر فيها سعر الصرف في المجاميع النقدية، فقد ظهرت تأثيرات مماثلة خلال تحركات سعر الصرف في 2016 و2022 و2024، لكن اتجاه التأثير في يونيو كان معاكسًا بسبب ارتفاع قيمة الجنيه بدلًا من انخفاضه.
فالتراجع الشهري وحده لا يكفي للقول إن الاقتصاد دخل مرحلة انكماش، كما أن البنك المركزي المصري لا يعتمد على "M2" منفردًا في تقييم أوضاع السيولة أو اتخاذ قرارات السياسة النقدية، وإنما ينظر إلى مجموعة واسعة من المتغيرات، تشمل التضخم وسعر الصرف والطلب المحلي والائتمان والمخاطر الخارجية.
لكن استمرار انكماش السيولة لفترة أطول قد يصبح أكثر أهمية، لأنه يمكن أن يفرض ضغوطًا على الاستهلاك والاستثمار والنشاط الاقتصادي بوجه عام.
لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا
لمعرفة أسعار الذهب لحظة بلحظة اضغط هنا
حاسبة الذهب الإلكترونية.. اعرف كيف تدير مدخراتك وتوزعها لشراء الذهب بطريقة آمنة
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News