ربع مليون جنيه في ليلة.. كيف تحول قراء المآتم إلى نجوم شباك؟
كتب : إبراهيم الهادي عيسى
سرادق عزاء
في شارعٍ يتسع بالكاد لمرور السيارات، تمتد أعمدة الخشب على الجانبين يعلوها القماش وتنتظم تحتها صفوف الكراسي. في المقدمة مقعد مختلف أكثر فخامة ينتظر صاحبه، وعلى الجانبين مكبرات الصوت وأسلاك متشابكة ومراوح تكافح لتبدد حرارة الصيف. رائحة القهوة تتصاعد من ناحية البوفيه، بينما يقف رجال عند مدخل السرادق لاستقبال القادمين.
تتوقف سيارة أمام الصوان، ويتغير إيقاع المكان فجأة. يفسح الناس الطريق، يتقدم إلى مقعده في صدر السرادق، يحيط به المرافقون، وتبدأ الميكروفونات في اختبار صوتها. لحظات قليلة، يكتمل المشهد صوتًا وصورة عندما يبدأ تلاوته بمقام البياتي: "بسم الله الرحمن الرحيم...".
تتفاوت أجور قراء المآتم وفقًا للشهرة والطلب والمنطقة، بينما تتسع الفجوة بين الأجر وبين مستوى الأداء والإتقان، حسبما تكشف رواية القائمين والعاملين والمطلعين على الأمر الذين تحدثوا لـ "مصراوي".
تبدأ أجور أسماء القراء المشاهير في 2026 من عشرات الآلاف من الجنيهات وقد تتجاوز 100 ألف جنيه، حسب تأكيد أحمد حرب، وهو على دراسة واسعة بأجور القراء.
يصل أجر القارئ غير الإذاعي محمود الشحات أنور إلى 150 ألف جنيه، وقد ترتفع في بعض المناسبات والمناطق إلى 200 أو 250 ألف جنيه، ويقول "حرب"، إن القارئ الإذاعي عبد الفتاح الطاروطي يتقاضى أجر الليلة 100 "مقفولة" وفق وصفه.
القارئ الإذاعي طه النعماني يتقاضى بين 70 و80 ألف جنيه لليلة، كما يكشف "حرب"، أما القارئ غير الإذاعي ممدوح عامر فإنه ضمن الشريحة مرتفعة الأجر إذ يتقاضى 150 ألف جنيه لليلة. يقول حرب إن بعض منظمي المناسبات يدفعون لـ "عامر" أكثر من قراء آخرين في الإذاعة والتلفزيون لأسباب تتعلق بالشهرة و"الكاراكتر"، حسب وصفه.
من القراء المعروفين الإذاعيين عبد الناصر حرك، ويجزم "حرب" أنه يتقاضى أجرًا يتراوح بين 80 و90 ألف جنيه لليلة، بينما يقدّر أجر القارئ الإذاعي ياسر محمود الشرقاوي بنحو 40 ألف جنيه كحد أقصى، مشيدًا بإتقانه الشديد رغم قلة أجره.
الشهرة تسبق الإتقان
ارتفاع أجر القارئ لا يرتبط بمستوى إتقانه، كما يقرر "حرب"، معتبرًا أن عامل الشهرة والانتشار والطلب الجماهيري أصبح أكثر تأثيرًا في تحديد سعر القراء.
محمود العلمي الذي يصف نفسه بأنه حبيب للقراء ومتعهد لهم، يتفق مع "حرب" قائلًا إن أسماء من أجيال أصغر أو أقل شهرة تمتلك مستوى مرتفعًا من الإتقان، لكنها لا تحصل على أرقام قريبة من أجور الأسماء الأكثر رواجًا.
"يوسف حلاوة ومحمد فتح الله بيبرس وعزت السيد راشد ومحمود عبد الباسط الحسيني وأسامة الهواري وصابر عيد لا يحصلون على مقابل يتناسب مع مستواهم الفني والعلمي"، حسب تقييم "العلمي" و"حرب".
أجور هؤلاء القراء قد تدور حول 20 و30 ألف جنيه لليلة، وقد يحصل بعضهم على مبالغ أقل، وفق تقدير "حرب"، الذي يروي عن القارئ صابر عيد أنه صاحبه حينما حصل في إحدى العزاءات على 10 آلاف جنيه فقط، معتبرًا أن هذا يعكس الفارق الكبير بين أسعار القراء المشاهير والأسماء الأقل انتشارًا.
وعلى خلاف غيره، لا يطلب القارئ الإذاعي محمود الخشت "تسعيرة" معينة، وحسب "حرب"، قد يقبل بأي أجر كبيرًا أو صغيرًا، ويصف ذلك بأنها "حالة نادرة".
الفراشة والصوت.. فاتورة مستقلة
أجر القارئ مجرد بند واحد في فاتورة العزاء، كما يقول عامل الفراشة على الوزيري لـ "مصراوي"، مشيرًا إلى أن إقامة مأتم كبير يتطلب تجهيزات الفراشة والصوت والكراسي والمراوح والإضاءة بجانب البوفيه والخدمات الأخرى.
"إقامة ليلة عزاء ضخمة بالتجهيزات الكبيرة تتجاوز 300 ألف جنيه"، حسبما يقول "الوزيري"، قبل إضافة بعض البنود الأخرى التي تتحدد حسب مستوى التجهيز وعدد الحضور.
والفراشة والصوت ليسا خدمة واحدة دائمًا، حسب "الوزيري"، فقد يكونان تابعين لمقدم خدمة واحد أو منفصلين، بينما يظل البوفيه بندًا مستقلًا له تكلفته الخاصة.
المآتم الكبيرة الحالية تهتم بنوعية التجهيزات، كما يقرر "الوزيري"، فبعض المآتم تستخدم الكراسي الجلدية والمراوح أو التكييف وأنظمة الإضاءة ومعدات الصوت الفائقة فضلًا عن تجهيزات تجعل المكان أقرب إلى مسرح متكامل.
من 300 ألف إلى مليون جنيه
في مشهد سينمائي من فيلم البدرون (إنتاج 1987)، يفتتح المخرج عاطف الطيب مشاهده الأولى بحوار بين مصطفى دندراوي (أحمد عبد العزيز) ووالدته وخالته، اللتين تصران على إحياء الشيخ قيسون (حسن حسني) لليلة ذكر بمناسبة رجوع دندراوي (جلال الشرقاوي) من رحلة الحج.
لا يقبل قيسون بأقل من 3 بواكٍ (3000 جنيه) لإحياء الليلة، بينما يطرح مصطفى وجهة نظره على أمه وخالته: "شريط للنقشبندي بـ 3 جنيه هيبقى أفضل من قيسون 100 مرة"، إلا أن السيدتين تعتبران ذلك أمرا معيبا.
يتكرر المشهد، ولكن في تلك المرة مع "سايس" يلحق بالشيخ أثناء خروجه من ماسبيرو، ويصرّ على أن يحيي "قيسون" سبوع حفيده، وأكد للشيخ أنه اقترض الآلاف الثلاثة لإعطائه أجره.
تقترب بعض العزاءات في تجهيزاتها واختيار قارئ شديد الشهرة وإعداد الطعام وخدمات الحضور، من المليون جنيه، حسبما يقول "حرب" من خلال اطلاعه مختلف الليالي.
التنافس الاجتماعي يضخّم تكلفة العزاءات، في تقدير "حرب"، وقال: إذا أقام أحد الأشخاص عزاء كبيرًا بقارئ مشهور، يشعر آخرون أحيانًا بضرورة إقامة مناسبة مشابهة حتى لا يبدو عزاؤهم أقل مستوى، في سباق غير معلن.
بعض العائلات تحاول تقليد عزاءات سابقة حتى لو فاق ذلك قدرتها المالية، وهو ما قد يدفع بعض الأشخاص للاستدانة من أجل إقامة عزاء يوازي عزاء شخص أكثر قدرة منهم ماليًا، وفق "حرب".
"مصراوي" تواصل مع أشخاص أقاموا عزاءات شهيرة بقرى ريفية، وأقر عدد منهم أنهم اقترضوا بعض مصروفات إقامة العزاء، لاعتبارات الوجاهة الاجتماعية.
"الاستهلاك التفاخري"، هكذا يلخص الخبير الاقتصادي الدكتور حازم حسانين تلك الظاهرة، لا سيما في القرى الريفية، وقال إن الإسراف في الأشياء غير الضرورية كإقامة عزاء فاخر، يهدف للتنافس والتفاخر على الآخرين. وهو من أسوأ أنواع الاستهلاك، لأن من يمارسونه ليسوا أثرياء، حسبما يقول "حسانين" لـ "مصراوي"، ويضيف أن شغف الناس لإظهار تميز اجتماعي زائف قد يورطهم في إنفاق استهلاكي يتجاوز إمكانياتهم المالية.
عرض وطلب.. أجر القارئ
"هل يحق للقارئ الحصول على المقابل الذي يطلبه ولو كان مبالغًا فيه؟" سؤال طرحه "مصراوي" على أحمد السيد وهو أحد محبي القراء والمرافقين لهم، ليجيب بأن الأمر سوق مفتوحة تحكمها قاعدة العرض والطلب، شارحًا أن القارئ الشهير يستطيع نظريًا تحديد سعره، تمامًا كما يفعل المطربون والفنانون ولاعبو الكرة وغيرهم.
لكن "حرب" يرفض اختزال المسألة في "العرض والطلب"، معتبرًا أن طبيعة المناسبة نفسها تجعل المقارنة مع الفنانين أو غيرهم غير مكتملة، شارحًا أن الإنفاق ليس مبررًا لمجرد القدرة عليه وإنما "احترام المناسبة وعدم المتاجرة"، حسب وصفه.
عندما يتحول العزاء إلى تريند
تغيرت مشاهد العزاءات الحديثة مع ظهور التصوير المكثف والفرق المصاحبة لبعض القراء للتشجيع واستخدام الكاميرات والطائرات المسيّرة، ليتحول بعض المآتم إلى مناسبات يجري توثيقها ونشرها عبر السوشيال ميديا.
يعتبر بعض القراء، المأتم، مساحة للظهور والاستعراض لا لتلاوة القرآن، كما يقول "حرب" ويربط ذلك بما يسميه "منطق التريند"، إذ أصبح حجم الحضور وشهرة القارئ وطريقة التصوير وتفاعل الجمهور عناصر تدخل في تشكيل صورة المأتم على منصات التواصل.
المسؤولية لا تقع على القراء وحدهم، من وجهة نظر "حرب" إذ ينتقد أيضًا بعض سلوكيات الجمهور داخل المآتم والمساجد، معتبرًا أن التفاعل مع القارئ أصبح ترديدًا وصياحًا ومبالغة في التفاعل مع القارئ، حتى قبل أن يبدأ فعليًا في التلاوة، معتبرًا ذلك "عرضًا"، حسب وصفه.
ومن أبرز المفارقات التي يرويها "حرب"، عندما طُلب أحد القراء المشاهير لإحياء ليلة عزاء بمقابل 60 ألف جنيه إضافة إلى 100 وجبة للأشخاص المصاحبين له لـ "التهليل له" حسب وصف "حرب".
اقتصاد كامل خلف المأتم
تكشف مناسبات العزاء اقتصادًا صغيرًا متعدد الأطراف، تتحرك فيه الأموال بين القارئ ومقدم خدمة الفراشة ومهندس أو مقدم خدمات الصوت وموردي الكراسي والتجهيزات ومقدمي خدمات البوفيه والمصورين وغيرهم، حسب شهادات حصل عليها "مصراوي" من عاملين في هذا المجال.
ليس للمآتم "فاتورة موحدة"، إذ تعتمد على حجم المناسبة ومكانها وعدد المدعوين ومستوى التجهيز وشهرة القارئ والخدمات المصاحبة، وهو ما يدفع لتساؤل لا إجابة له: متى تحولت مواساة أهل المتوفى إلى سباق اجتماعي وفاتورة مفتوحة باسم العُرف؟ بينما يصبح القارئ الأشهر والفراشة الأكبر والتجهيز الأكثر فخامة جزءًا من "اقتصاد العزاء".
في رحلة "مصراوي" بين سرادقات العزاء، تم التواصل مع 3 من قراء المآتم للتعليق على الأسعار وما وصفه البعض بـ"المغالاة"، إلا أننا لم نتلقَ إجابات مباشرة من القراء أنفسهم (الذين أحالونا إلى مساعديهم) حتى النشر.
تُطفأ الأنوار بعد "صدق الله العظيم - الفاتحة" وتُفك أعمدة الصوان وتُجمع الكراسي ويعود الشارع إلى شكله المعتاد إثر انصراف المعزين، بينما تبقى على أهل البيت فاتورة الليلة التي يقتسمونها.. كم دفعنا في ليلتنا هذه؟
لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا
لمعرفة أسعار الذهب لحظة بلحظة اضغط هنا
حاسبة الذهب الإلكترونية.. اعرف كيف تدير مدخراتك وتوزعها لشراء الذهب بطريقة آمنة
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News