إعلان

التضخم يلتهم الرواتب.. كيف تعالج الأسر المصرية "عجز الدخل الشهري"؟

كتب : إبراهيم الهادي عيسى

12:36 م 22/10/2026

التضخم

تابعنا على

في نهاية الشهر، لا تبدأ المشكلة عند محل الخضراوات أو فاتورة الكهرباء، بل عند الراتب الذي يدخل المنزل ثم يتوزع سريعًا على التزامات لا يمكن تأجيل معظمها.

في الوراق، تعيش يبلغ أسرة سعد الخولي ورباب مصطفى التي يبلغ دخلها 16200 جنيه شهريًا، لكن ميزانيتها تسجل نفقات تقترب من 21900 جنيه.

وفي شبرا الخيمة، يتجاوز إنفاق أسرة طارق عبد المجيد وزوجته نهى دخلها بنحو 2400 جنيه، رغم إقامتها في منزل عائلي دون إيجار.

وفي حلوان، يستحوذ التعليم وحده على 5200 جنيه من دخل أسرة عصام المحمدي البالغ 13000 جنيه.

تكشف الميزانيات الشهرية التي راجع مصراوي بنودها مع الأسر الثلاث عن فجوة تتراوح بين 2400 و5700 جنيه، بما يعادل نحو 21% إلى 35% من دخل كل أسرة.

يقول الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي، إن رد هذه الفجوة لا يمكن أن يكون التضخم وحده، إذ إن عدد أفراد الأسرة ومستوى الدخل وتكلفة السكن والإنفاق على التعليم ورعاية الأطفال، كلها عوامل تؤثر في الميزانية، لكن استمرار ارتفاع المستوى العام للأسعار بجانب زيادة بعض تكاليف السكن والخدمات يجعل تدبير الاحتياجات المعتادة أكثر صعوبة خصوصًا عندما تكون النفقات الأساسية قد استحوذت بالفعل على معظم الدخل.

لماذا ارتفع التضخم رغم محدودية الزيادة السنوية؟ 3 ضغوط ترفع الأسعار

الإيجار يستقطع ربع الدخل قبل بدء الشهر

في الوراق، يحصل سعد على 9200 جنيه من عمله في التربية والتعليم، بينما تتقاضى زوجته رباب 7 آلاف جنيه من عملها في مصنع خاص لإنتاج الكرتون.

ويذهب 4 آلاف جنيه من الدخل المشترك إلى إيجار الشقة، أي نحو ربع الموارد الشهرية، ليتبقى 12200 جنيه لتغطية الطعام والتعليم والفواتير والمواصلات والعلاج وبقية الاحتياجات.

ولا يقتصر ضغط السكن على قيمة الإيجار التي تدفعها هذه الأسرة. ففي تقرير نشره مصراوي في 4 أغسطس 2026، ارتفعت أسعار الإيجارات الجديدة للشقق السكنية غير المفروشة في الجيزة بنسبة 8% خلال النصف الأول من العام مقارنة بالفترة نفسها من 2025، وفق مؤشر مرصد العمران، بعد زيادة بلغت 11% في العام السابق.

في تقرير نشره مصراوي في 10 أكتوبر 2026، ارتفع معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية إلى 12.8% خلال سبتمبر، مقابل 12.7% في أغسطس، بالتزامن مع استمرار الزيادة الشهرية في الأسعار، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وتشير البيانات إلى تحركات متباينة بين مجموعات الطعام والسكن والملابس والخدمات، بما يعني أن عبء الأسعار لا يتوزع بالتساوي على جميع بنود الإنفاق.

تظهر آثار مستويات التضخم داخل ميزانية سعد ورباب، فشراء الأرز والسكر والمكرونة والزيت جزء من فاتورة الطعام، لكنه ليس كل الفاتورة، إذ تحتاج الأسرة اللحوم والدواجن والأسماك والخضراوات والفاكهة والألبان والبيض والخبز والبقوليات إلى جانب مستلزمات إعداد الطعام التي تتكرر مشترياتها طوال الشهر.

تقرير- الدقي الأعلى وبولاق الأقل.. إيجارات الجيزة ترتفع 8% بالنصف الأول 2026

من الطعام إلى الدروس.. أين يذهب دخل الأسرة؟

بعد الإيجار، يمثل الطعام أكبر بند في ميزانية سعد ورباب، بنحو 7 آلاف جنيه شهريًا، وفق الميزانية التي راجعها مصراوي مع الأسرة، ويشمل ذلك اللحوم البلدية التي تشتري منها الأسرة نحو 4 كيلوجرامات شهريًا بتكلفة تصل إلى 1600 جنيه إلى جانب الدواجن والأسماك والخضراوات والفاكهة والبيض والألبان والخبز والبقوليات ومستلزمات البقالة.

لكن الطعام ليس وحده ما يضغط على الميزانية، إذ تنفق الأسرة 2700 جنيه شهريًا على الدروس الخصوصية لطفليها في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، بينما تبلغ فواتير الكهرباء والمياه والغاز والإنترنت نحو 2000 جنيه، وتقترب تكلفة انتقال الزوجين إلى العمل من 1850 جنيهًا شهريًا، وتضاف إلى ذلك مصروفات النظافة والملابس والعلاج وشحن الهواتف واحتياجات الطفلين والمستلزمات المنزلية.

وبحسب توزيع المصروفات في الميزانية وفق تحليل مصراوي، يستحوذ الطعام على نحو 43% من الدخل والإيجار على قرابة 25% والدروس الخصوصية على نحو 17%، وتستهلك هذه البنود الثلاثة مجتمعة قرابة 85% من الموارد الشهرية، قبل سداد الفواتير أو الانتقال إلى العمل أو شراء الملابس والمنظفات أو مواجهة أي ظرف صحي طارئ.

وفي هذا السياق، يقول خالد الشافعي، لـ مصراوي، إن حالات الأسر رغم اختلاف مستويات الدخل والظروف السكنية والمراحل العمرية للأبناء، تتقاطع عند نقطة أساسية، هي تجاوز النفقات الشهرية الموارد المتاحة بما يدفع الأسر إلى البحث عن مصادر دخل إضافية أو تقليص احتياجاتها أو تأجيل سداد بعض الالتزامات.

تقشف إجباري.. لماذا خالف التضخم التوقعات وانخفض رغم استمرار ارتفاع الأسعار؟

أسرة بلا إيجار.. لكن احتياجات الطفل والأقساط تملأ الفجوة

في شبرا الخيمة، لا تدفع أسرة طارق عبد المجيد وزوجته نهى إيجارًا شهريًا، إذ تقيم في منزل عائلي مملوك، ومع ذلك، يبلغ دخلها نحو 11500 جنيه، مقابل إنفاق شهري يقدر بنحو 13900 جنيه، لتسجل فجوة تبلغ 2400 جنيه، أو نحو 21% من الدخل.

يعمل طارق محاسبًا براتب يبلغ 8500 جنيه، بينما توفر زوجته 3000 جنيه من أعمال يدوية منزلية، وتذهب 2800 جنيه شهريًا إلى الحفاضات والألبان الصناعية ومستلزمات الطفل الذي لم يكمل عامه الأول، وتضيف الأدوية والملابس الخاصة به 1500 جنيه إلى المصروفات.

ويصل الإنفاق على الطعام والبقالة إلى 4800 جنيه، بينما تخصص الأسرة 2200 جنيه لسداد أقساط مشتريات سابقة، إضافة إلى 1400 جنيه للفواتير وصيانة العقار و1200 جنيه للعلاج والمستلزمات الشخصية.

تختلف هذه الحالة عن أسرة سعد ورباب؛ فغياب الإيجار يوفر موردًا كان يقتطع جزءًا من الدخل، لكنه لا يلغي تكاليف رعاية الطفل أو الأقساط القائمة، كما أن بعض النفقات المرتبطة بمرحلة عمرية معينة قد يصعب خفضها بالسرعة نفسها التي يمكن بها تأجيل شراء الملابس أو تقليص الإنفاق الترفيهي.

يضيف الشافعي، لـ مصراوي، أن المقارنة بين الحالات توضح أن ارتفاع الدخل لا يضمن بالضرورة انخفاض الضغوط المعيشية، فالأسرة رغم حصولها على أعلى دخل بين الأسر الثلاث، تسجل أكبر عجز شهري، بينما تواجه أسرة طارق ونهى التزامات متراكمة رغم عدم تحملها تكلفة الإيجار.

سعر ثابت ووزن أقل.. “التضخم الخفي” يتسلل إلى سلع المصريين

التعليم يستهلك 40% من دخل عائل واحد

أما في حلوان، يعتمد دخل أسرة عصام المحمدي، البالغ من العمر 51 عامًا ويعمل مندوبًا في شركة أدوية، على راتبه الشهري البالغ 13000 جنيه، وتضم الأسرة 4 أفراد، بينهم طالبة في الثانوية العامة وابن يدرس في السنة الثانية بالجامعة، بينما لا تعمل الزوجة.

تدفع الأسرة 3500 جنيه إيجارًا، وتنفق نحو 5200 جنيه شهريًا على الدروس والملازم والمصروفات المرتبطة بالدراسة الجامعية، وبذلك يستحوذ السكن والتعليم معًا على 8700 جنيه، أي نحو 67% من الدخل، قبل شراء الطعام أو سداد الفواتير أو تغطية تكاليف الانتقال والعلاج.

وتصل نفقات الأسرة الإجمالية إلى نحو 16100 جنيه شهريًا، وفق الميزانية التي راجعها مصراوي مع أصحابها، بعجز يبلغ 3100 جنيه، أو نحو 24% من الدخل، وبعد دفع الإيجار والتعليم، لا يتبقى سوى 4300 جنيه لتغطية بقية الاحتياجات، بينما يبلغ الطعام وحده نحو 4200 جنيه، وتصل الفواتير والمواصلات إلى 2100 جنيه، ويبلغ الإنفاق على العلاج والأدوية 1100 جنيه.

يجعل اعتماد الأسرة على عائل واحد أي ضغط إضافي أكثر صعوبة في الامتصاص، خصوصًا مع وجود التزامات تعليمية متزامنة لابنين في مرحلتين مختلفتين، فخفض الإنفاق على التعليم ليس قرارًا بسيطًا عندما يتعلق الأمر بدروس الثانوية العامة ومستلزمات الدراسة الجامعية، مثلما لا يمكن إلغاء تكلفة السكن أو الطعام.

خفضت الأسرة الإنفاق على الطعام بالاستغناء عن اللحوم البلدية والأسماك الأعلى تكلفة، والاتجاه إلى اللحوم المجمدة والأسماك الشعبية، مثل البلطي والبسارية، كما بدأ الابن الجامعي العمل في توصيل الطلبات خلال ساعات المساء لتغطية مصروفاته الشخصية واحتياجاته الدراسية، في محاولة لتخفيف العبء عن والده.

محيي الدين يحذر من "وهم الصمود الاقتصادي": العالم يتجاهل فقر 1.2 مليار إنسان

العجز لا يظهر في رقم واحد.. بل في الخيارات التي تضيق

يقول الشافعي لـ مصراوي، إن الأسرة الأعلى دخلًا بين الحالات الثلاث هي صاحبة العجز الأكبر بالقيمة والنسبة، وإن الإقامة دون إيجار لا تمنع اختلال الميزانية، وإن التعليم قد يستحوذ على حصة كبيرة من الدخل عندما يتحمل عائل واحد احتياجات الأسرة.

ويضيف الشافعي أن أسرة عصام تواجه ضغطًا خاصًا لأن التعليم يستحوذ على نحو خمسي الدخل، بالتزامن مع تحمل عائل واحد مسئولية الإنفاق على الأسرة، مشيرًا إلى أن قياس حالات الأسر وضغطها المعيشي لا يعتمد على الراتب وحده، بل على ما يتبقى منه بعد سداد الالتزامات التي لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة.

في الوراق، يحاول سعد ورباب سد الفجوة بين راتبيهما ونفقاتهما بتقليص بعض المشتريات والبحث عن دخل إضافي، وفي شبرا الخيمة، لا يحول السكن دون إيجار دون تراكم التزامات رعاية الطفل والأقساط، بينما يعمل ابن عصام المحمدي في توصيل الطلبات مساءً لتغطية جزء من احتياجاته الدراسية والشخصية.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان