إعلان

من الوديعة إلى القرض.. كيف تصنع البنوك أرباحها؟

كتب : إبراهيم الهادي عيسى

04:36 م 27/09/2026

البنك المركزي المصري

تابعنا على

قال خبراء اقتصاديون ومصرفيون، إن النشاط المصرفي في جوهره عملية مستمرة لإدارة الأموال والمخاطر والتسعير، تبدأ بجذب الودائع ومصادر التمويل، ثم توظيفها في القروض والأوراق المالية والاستثمارات.

وأشاروا لـ"مصراوي" إلى أن تحصيل العمولات والرسوم وتقديم الخدمات المالية تمثل جانبًا من أرباح البنوك، قبل أن تُخصم تكلفة الأموال والمصروفات التشغيلية ومخصصات خسائر الائتمان والضرائب للوصول في النهاية إلى صافي الربح.

توضح بيانات البنك المركزي المصري أن حجم النشاط المصرفي في مصر أصبح كبيرًا بما يكفي لجعل الفروق الصغيرة في أسعار العائد وتكلفة الأموال ذات أثر بمئات المليارات؛ إذ سجل صافي ربح البنوك العاملة في مصر نحو 601.6 مليار جنيه خلال 2025، مقابل نحو 534.8 مليار جنيه في 2024، بينما بلغ صافي الدخل من العائد نحو 1.05 تريليون جنيه خلال 2025، وفق قائمة المركز المالي والدخل للقطاع المصرفي.

كما قفزت أرباح البنوك العاملة في السوق المصرية باستثناء البنك المركزي المصري بنسبة 36% خلال النصف الأول من عام 2026 على أساس سنوي، لتصل إلى نحو 373.1 مليار جنيه، مقارنة بنحو 274.93 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

الفائدة.. ماكينة الربح الأساسية

قال هاني أبو الفتوح الخبير المصرفي، إن أرباح البنوك تأتي من العائد الذي يحصل عليه البنك من الأصول المدرة للدخل، وفي مقدمتها القروض والأوراق المالية مطروحًا منه تكلفة الأموال التي يستخدمها، وأبرزها الفوائد المدفوعة على الودائع والاقتراض.

وأضاف لـ"مصراوي" أن الناتج يعرف باسم صافي دخل العائد، وهو أحد أهم المؤشرات التي تكشف قدرة البنك على تحويل ميزانيته إلى دخل.

ويوضح صندوق النقد الدولي، في مادة تعريفية له، أن طبيعة النشاط المصرفي تتمثل في أن البنوك تعمل وسيطًا بين أصحاب المدخرات والمقترضين، فتدفع للمودعين عائدًا وتحصل من المقترضين على عائد أعلى، ويشكل الفرق بينهما الجزء الأكبر من دخل البنوك في معظم الدول.

يتابع أبو الفتوح أن كل جنيه يدخل البنك في صورة وديعة لا يُعاد إقراضه مباشرة، إذ إن البنوك مطالبة بإدارة السيولة والاحتياطيات ورأس المال والمخاطر، كما تمول نفسها من مصادر متعددة، بينها الودائع والاقتراض من الأسواق المالية وإصدار أدوات تمويلية.

في مصر، تمثل ودائع القطاع العائلي مصدرًا أساسيًا ومستقرًا لتمويل البنوك، حسب تقرير الاستقرار المالي الصادر عن البنك المركزي المصري، بينما بلغ إجمالي ودائع العملاء نحو 17.12 تريليون جنيه بنهاية 2026، وفق بيانات قائمة المركز المالي للقطاع المصرفي.

القرض ليس واحدًا.. والعائد كذلك

قالت سهر الدماطي الخبيرة المصرفية، إن كل القروض ليست متساوية للبنك، فالقرض العقاري طويل الأجل يختلف في سعره ومخاطره عن تمويل الشركات، وتمويل رأس المال العامل يختلف عن بطاقات الائتمان أو القروض الشخصية.

وأوضحت لـ"مصراوي" أن البنوك توازن بين العائد والمخاطر والسيولة عند توزيع أصولها، فالأصل الأعلى عائدًا قد يحمل في المقابل مخاطر ائتمانية أكبر، بينما توفر الأصول الأكثر سيولة درجة أعلى من الأمان لكنها قد تحقق عائدًا أقل.

ولهذا فإن ارتفاع سعر الفائدة على قرض ما لا يعني تلقائيًا أن البنك يحقق منه ربحًا أكبر، حسب "الدماطي، إذ يجب أن يُطرح من العائد تكلفة التمويل ثم تُحسب تكلفة المخاطر والمخصصات والمصروفات المرتبطة بإدارة هذا النشاط.

أين تذهب الودائع إذا لم تكن كلها قروضًا؟

قالت شيماء فتحي الخبيرة المصرفية والاقتصادية، إن البنك لا يعتمد على القروض وحدها لتوظيف أمواله، إذ يمكنه الاستثمار في أذون وسندات وأدوات مالية أخرى، وفق إستراتيجية إدارة السيولة والمخاطر والقواعد الرقابية.

وأضافت لـ"مصراوي" أن ميزانية البنك أشبه بمحفظة ضخمة، جزء منها قروض، وجزء أوراق مالية واستثمارات، وجزء أصول سائلة، وكل جزء يحقق عائدًا مختلفًا ويحمل درجة مختلفة من المخاطر.

يشير البنك المركزي المصري في تقرير الاستقرار المالي إلى أن القطاع المصرفي يحتفظ بتعرض مهم للأوراق المالية الحكومية، مع انخفاض نصيب هذه الأوراق كنسبة من إجمالي أصول القطاع خلال الفترة محل التقرير، بالتزامن مع تنوع قاعدة المستثمرين في سوق أدوات الدين الحكومية.

البنك يكسب أيضًا من "الخدمات"

وقالت سهر الدماطي إن دخل غير العائد يأتي من العمولات والرسوم والخدمات، مثل رسوم التحويلات والخدمات المصرفية وعمولات البطاقات والمدفوعات ورسوم إدارة بعض الحسابات والخدمات إضافة إلى عمولات منح وترتيب بعض التسهيلات وخدمات الاستثمار وإدارة الأصول والحفظ، وغيرها حسب طبيعة كل بنك ونموذج أعماله.

وأوضحت أن البنوك التجارية والاستثمارية يمكنها تحقيق إيرادات من خدمات متعددة تشمل ترتيب إصدارات الأسهم والسندات، والاستشارات المالية وعمليات الاندماج والاستحواذ وإدارة الثروات والأصول بجانب الخدمات المصرفية اليومية.

وذكرت أن البنوك تختلف في تركيبة إيراداتها، فالبنك الذي يعتمد بصورة أكبر على الخدمات الاستثمارية وإدارة الأصول قد تكون مساهمة العمولات لديه أكبر، بينما يظل البنك الذي يركز على الإقراض التقليدي أكثر ارتباطًا بهامش العائد بين أصوله وخصومه.

العملات والتداول.. مصدر آخر للإيراد

وقال هاني أبو الفتوح إن للبنوك إيرادات مرتبطة بالتعامل في العملات الأجنبية والأوراق المالية والأسواق المالية، وقد تظهر في صورة أرباح أو خسائر وفقًا لحركة الأسواق ومراكز البنك وإستراتيجيته.

وأضاف أن دخل البنك لا يتحرك في خط مستقيم، فقد ترتفع إيرادات نشاط معين في فترة، بينما تنخفض إيرادات نشاط آخر، كما يمكن أن تتأثر نتائج التداول بتغيرات أسعار الفائدة وأسعار الصرف وأسواق الأوراق المالية.

وذكر أن قراءة صافي الربح وحده لا تكفي لمعرفة كيف حققه البنك، إذ يختلف بنك زادت أرباحه بسبب نمو نشاطه الأساسي وآخر استفاد مؤقتًا من مكاسب استثمارية أو فروق تقييم.

البنك يدفع قبل أن يربح

وقالت سهر الدماطي، إن البنك يدفع فوائد على الودائع ومصادر التمويل، ويتحمل في الوقت نفسه تكلفة الموظفين والفروع والتكنولوجيا والأنظمة الرقمية والأمن السيبراني والامتثال والرقابة، فضلًا عن تكاليف التسويق والإدارة.

وأوضحت أن المصروفات التشغيلية تمثل عنصرًا رئيسيًا في تحديد الكفاءة والربحية، ولذلك تستخدم البنوك مؤشرات مثل نسبة التكلفة إلى الدخل لقياس مقدار ما تنفقه المؤسسة لتوليد إيراداتها.

كما ارتفع صافي الدخل من العائد بنسبة 12.7% على أساس سنوي، ليبلغ نحو 567.9 مليار جنيه، ما يعكس استمرار قوة أنشطة الإقراض والاستفادة من مستويات العائد المرتفعة.

وأشارت "الدماطي" إلى أن نمو الإيرادات لا يعني بالضرورة نمو الأرباح بنفس النسبة، لأن جزءًا من الإيرادات يُستهلك في تمويل النشاط نفسه وتشغيله وإدارته.

الطرف الآخر.. مخاطر الائتمان

قال هاني أبو الفتوح، إن البنك إذا منح قرضًا فإنه لا يعرف يقينًا أن العميل سيسدد كامل أصل الدين والعائد في مواعيدهما، ولذلك يضع البنك مخصصات لمواجهة الخسائر الائتمانية المتوقعة وتؤثر هذه المخصصات مباشرة في أرباحه.

تذكر دراسة منشورة في "Future Business Journal" تناولت ربحية 15 بنكًا خاصًا في مصر خلال الفترة 2013–2022 أن مخاطر الائتمان والقروض غير المنتظمة ارتبطت سلبًا بربحية البنوك، بينما ارتبطت كفاية رأس المال وحجم البنك والنمو الاقتصادي بصورة إيجابية بالربحية.

وأضاف أبو الفتوح أن القرض المتعثر لا يهدد أصل الأموال فقط، وإنما قد يحرم البنك من العائد المتوقع عليه ويفرض عليه تكوين مخصصات ويستهلك موارد إضافية للتحصيل وإدارة المخاطر.

وتُظهر أحدث مؤشرات السلامة المالية للبنك المركزي المصري أن نسبة القروض غير المنتظمة إلى إجمالي القروض تراجعت إلى 1.9% بنهاية الربع الرابع من 2025، مع وصول نسبة تغطية المخصصات لهذه القروض إلى 90.2%.

رأس المال.. ليس مالًا خاملاً

يبدو رأس المال في الميزانية كأنه أموال لا تحقق عائدًا مباشرًا، لكنه عنصر أساسي في قدرة البنك على تحمل الخسائر ومواصلة الإقراض، ويظهر ذلك في مؤشرات القطاع المصري، إذ بلغت نسبة كفاية رأس المال 19.6% بنهاية 2025، مقابل حد رقابي يبلغ 12.5%، وفق البنك المركزي المصري، كما بلغت نسبة القروض إلى الودائع 66.4%.

وتصل الدراسة الخاصة بالبنوك الخاصة المصرية خلال 2013-2022 إلى نتيجة تتسق مع هذه الفكرة، إذ وجدت أثرًا إيجابيًا لكفاية رأس المال على الربحية؛ فالبنك الأكثر قدرة على امتصاص الخسائر يتمتع بقدرة أكبر على مواصلة النشاط دون أن تتحول الصدمات الائتمانية إلى أزمة في رأس المال.

لماذا تكسب البنوك أكثر عندما ترتفع الفائدة أحيانًا؟

قالت شيماء وجيه، إن رفع أسعار الفائدة تحرك أسعار العائد على الأصول والخصوم بسرعات مختلفة، وتختلف النتيجة من بنك إلى آخر حسب هيكل ودائعه وقروضه واستثماراته وآجالها.

وأضافت "وجيه" أن ارتفاع أسعار الفائدة لا يعني تلقائيًا ارتفاع أرباح جميع البنوك بالقدر نفسه، فالجانب الآخر من الميزانية يتحرك أيضًا، إذ قد ترتفع تكلفة الودائع إذا احتاج البنك إلى دفع عائد أكبر للحفاظ على أمواله.

من الإيراد إلى الربح.. الرحلة كاملة

قال هاني أبو الفتوح، إن اقتصاديات البنك تمر بسلسلة من أربع مراحل هي: جذب البنك الودائع ومصادر التمويل، وتوظيف الأموال في القروض والأوراق المالية والاستثمارات والأصول السائلة، والحصول على عوائد من هذه الأصول بجانب العمولات والرسوم وإيرادات الخدمات والتداول والعملات وغيرها، وخصم تكلفة الأموال والمصروفات التشغيلية ومخصصات خسائر الائتمان والضرائب ليصل إلى صافي الربح.

خلال النصف الأول من 2026 ارتفعت إيرادات النشاط بنسبة 20.2% على أساس سنوي لتسجل نحو 795 مليار جنيه، مقابل زيادة أقل في إجمالي المصروفات بنسبة 9.2% لتصل إلى 421.9 مليار جنيه، وفق تقرير المركز المالي للجهاز المصرفي الصادر للبنك المركزي المصري اليوم.

وأشار أبو الفتوح إلى أن البنك الذي يوسع الإقراض دون إدارة مخاطر قد يرفع دخله اليوم ويدفع ثمن التعثر غدًا، والبنك الذي يحتفظ بسيولة ضخمة قد يكون أكثر أمانًا لكنه قد يفوّت جزءًا من فرص تحقيق العائد، بينما البنك الذي يرفع تكلفة الودائع لجذب الأموال قد يضغط على هامش أرباحه إذا لم يستطع توظيف هذه الأموال بعائد مناسب.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان