خطيب المسجد الحرام: من استحكمت الدنيا من قلبه ومشاعره انغمس في شهواتها
كتب : محمد قادوس
الشيخ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي
أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ فيصل بن جميل غزاوي المسلمين بتقوى الله، فمن اتقى ربه جعل له بين الحق والباطل فرقانا، ورزقه فيما يريد من الخير إمكانا.
وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالمسجد الحرام: فما أحقر شأنها! وما أهون قدرها! خطوبها تتجدد، وأشجانها تتعدد، صفوها ممزوج بكدرها، وحلوها متبوع بمرها، أولها عناء، وآخرها فناء، إقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية، حلالها حساب، وحرامها عقاب، إنها الدنيا سريعة الفناء، قريبة الانقضاء، يخرب عمرانها، ويموت سكانها، وتذهب بهجتها، ويتبدد مسرتها، وتبيد خضرتها، ومع هذا فما أكثر من يميل إليها ويهواها، ويبيع نفسه لرضاها، ويغرق في بحر هواها، ويعيش لها وحدها، ولا ينتظر ما بعدها؛ فهو في هم لازم، وتعب دائم.
حقيقة الدنيا الفانية
وأضاف: لقد بينت لنا نصوص الوحيين بيانا شافيا حقيقة هذه الدنيا الفانية، يقول تعالى تصغيرا لشأنها وتحقيرا لأمرها: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور).
من استحكمت الدنيا من قلبه هلك
وبين فضيلته أن من الناس من استحكمت الدنيا من قلبه، واستحوذت على مشاعره ولبه، فانغمس في شهواتها وهلك في أوديتها، أولئك الذين وصفهم الله بقوله: (وغرتهم الحياة الدنيا).
وأكد أن على المؤمن أن تكون نظرته للدنيا نظرة متوازنة متكاملة، فإدراكه لحقيقتها التي تزهد فيها لا يعني الرهبانية والانقطاع عن الحياة وترك العمل، أو تحريم ما أحل الله؛ فالمؤمن مأمور بإعمار الأرض، ومباح له التمتع بالطيبات من الرزق، ومطالب بالسعي في الكسب الحلال والانتفاع به في حدود الشرع، بلا إسراف ولا مخيلة.
زهد المؤمن فى الدنيا
وأشار إلى أن زهد المؤمن في الدنيا يدعوه إلى أن يقوم بالإصلاح فيها، بنشر التوحيد والإيمان والسنة، ومدافعة الشرك والشر والفتنة.
وأبان أن ما ورد في ذم الدنيا من النصوص ليس المقصود منه ذم الحياة أو الأرض أو الزمان، ولكن المقصود ذم العمل السيئ فيها والعصيان، والانشغال بما يصد عن طاعة الرحمن.
وقال ابن القيم رحمه الله: "الدنيا في الحقيقة لا تذم، وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها، وإلا فهي مبنى الآخرة ومزرعتها، وفيها اكتسبت النفوس الإيمان، ومعرفة الله ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته، وخير عيش ناله أهل الجنة في الجنة إنما كان بما زرعوه فيها، وكفى بها مدحا وفضلا".
واختتم فضيلته الخطبة قائلا: إن مرور الليالي والأيام، وانقضاء الشهور والأعوام، من أبلغ المواعظ لذوي الأفهام. وقال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره؟ كيف يفرح بالدنيا من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته؟.
اقرأ ايضًا