قد يبدو المنزل القديم مكانًا عاديًا للعيش، لكن الحفريات الأثرية تكشف أحيانًا أن ما يوجد أسفل أرضياته يحمل قصصًا أغرب بكثير مما يتوقعه الباحثون، فقد عثر علماء الآثار على بقايا بشرية، وجرار مدفونة، وحيوانات، وقطع رمزية، بل وكنوز من العملات أخفاها أصحابها قبل مئات أو آلاف السنين.
وتشير هذه الاكتشافات إلى أن دفن بعض الأشياء أسفل المنازل لم يكن دائمًا نتيجة الإهمال أو المصادفة، بل ارتبط في بعض المجتمعات بطقوس تأسيس المباني والحماية والدفن والمعتقدات الدينية وفق "journals uchicago".
أطفال دُفنوا أسفل أرضيات المنازل
من أكثر الاكتشافات إثارة للانتباه العثور على بقايا رضع وأطفال مدفونة داخل المنازل القديمة ففي موقع "تشادير هيوك" بوسط الأناضول، اكتشف الباحثون أكثر من عدد كبير من مدافن الأطفال التي وُضعت في زوايا الغرف أو أُدمجت في الجدران خلال بناء المنازل.
ويرى الباحثون أن بعض هذه المدافن ربما كانت مرتبطة بطقوس تأسيس المباني، ما يعني أن دفن الطفل لم يكن بالضرورة مجرد ممارسة جنائزية، وإنما قد يكون جزءًا من طقس مرتبط بالمنزل نفسه وفق "uchicago".
عشرات الأطفال داخل جرار تحت الأرض
في مواقع أثرية أخرى بالأناضول، عثر الباحثون على رفات رضع وأطفال داخل جرار كبيرة دُفنت تحت أرضيات المنازل وتشير الدراسات إلى أن بعض هذه المدافن وُجدت على عمق عشرات السنتيمترات تحت الأرضيات، وفي زوايا الغرف أو بالقرب من الجدران.
وتكشف هذه الممارسات عن علاقة معقدة بين المنزل والعائلة والدفن، إذ يبدو أن المنزل كان في بعض المجتمعات أكثر من مجرد مكان للسكن، بل كان مساحة ترتبط بذاكرة الأسرة ومعتقداتها.
حمير كاملة دُفنت أسفل المنازل
ومن الاكتشافات غير المعتادة العثور على حمير كاملة مدفونة أسفل أرضيات منازل في موقع تل الصافي/جت القديم وتوضح الدراسة الأثرية أن أربعة حمير كاملة اكتُشفت تحت أرضيات منزلية في حي يعود إلى العصر البرونزي المبكر.
ويرجح الباحثون أن هذه الحيوانات دُفنت بوصفها نوعًا من "قرابين التأسيس"، وهي ممارسة كان يُعتقد أنها تمنح المبنى طابعًا خاصًا أو تحميه، خاصة أن الحمير كانت مهمة في الحياة اليومية والنقل والتجارة آنذاك.
جرار مليئة بآلاف العملات الرومانية
وفي اكتشاف أكثر ارتباطًا بالثروة، عثر علماء الآثار في شمال شرقي فرنسا على ثلاث جرار مدفونة أسفل أرضيات مبانٍ رومانية، وكانت تحتوي على أكثر من 40 ألف عملة رومانية.
ويعود تاريخ العملات إلى نحو 1700 عام، وظلت مخفية طوال هذه الفترة قبل أن تظهر خلال أعمال أثرية مرتبطة بمشروع بناء ويُعد هذا النوع من الكنوز مهمًا للباحثين لأنه لا يكشف فقط عن الثروة التي كانت موجودة في المنطقة، بل يمكن أن يقدم أيضًا معلومات عن التجارة والحياة الاقتصادية في العصر الروماني وفق "futura-sciences".
أشياء صغيرة أخفيت عند تأسيس المنزل
لم تكن الاكتشافات المدفونة أسفل المباني تقتصر على العظام والكنوز فقد عثر علماء الآثار في مواقع مختلفة على ما يعرف باسم ودائع التأسيس، وهي مجموعات من الأشياء توضع أسفل المبنى أو بالقرب من أساساته أثناء البناء.
وفي مصر القديمة، تشير السجلات الأثرية إلى وجود مثل هذه الودائع في أماكن محددة من المباني، وغالبًا بالقرب من الزوايا، وقد تضمنت أواني وأدوات صغيرة وتمائم ومواد أخرى. وكانت هذه الممارسة مرتبطة بطقوس تهدف إلى حماية المبنى وضمان استمراره وفق "ucl".
طقوس خفية تحت الأرضيات
تكشف الدراسات الأثرية أن بعض الودائع لم تكن مصممة لكي يراها سكان المنزل بعد اكتمال البناء. فقد كانت الأشياء توضع تحت الأرضيات أو داخل الجدران ثم تُغطى بالكامل.
وفي دراسة عن موقع تشادير هيوك، أشار الباحثون إلى أن إخفاء هذه الأشياء داخل بنية المنزل كان جزءًا مهمًا من طبيعة الطقس، وربما كان مرتبطًا بفكرة إضفاء معنى خاص على المبنى وحمايته.
بقايا طعام وأدوات تحت المباني
في بعض الحالات، كشفت الحفريات عن بقايا مواد غذائية وأوانٍ وأدوات كانت موجودة أسفل أرضيات أقدم. وتساعد هذه البقايا علماء الآثار على فهم تفاصيل الحياة اليومية، مثل نوع الطعام الذي كان السكان يتناولونه والمواد التي استخدموها داخل منازلهم.
وفي مصر القديمة، تظهر سجلات ودائع التأسيس استخدام أواني الطعام والشراب وأدوات صغيرة وأحجار وأدوات أخرى ضمن طقوس مرتبطة ببناء المباني.
لماذا كانوا يدفنون الأشياء تحت المنزل؟
لا يوجد تفسير واحد لجميع هذه الاكتشافات، فالغرض يختلف باختلاف المكان والفترة التاريخية بعض المدافن ارتبط بالممارسات الجنائزية، بينما يبدو أن بعض الأشياء الأخرى كانت جزءًا من طقوس تأسيس المبنى.
ويرى الباحثون أن بعض هذه الممارسات ربما كانت تهدف إلى حماية المنزل أو إضفاء طابع رمزي عليه، بينما قد تعكس مدافن الأطفال والحيوانات معتقدات تتعلق بالأسرة والذاكرة والخصوبة وتجدد الحياة.