هل سبق أن بحثت عن شيء أمامك، ثم اكتشفت بعد لحظات أنه كان موجودًا في المكان نفسه طوال الوقت؟ أو كنت تتحدث مع شخص، وفجأة مرّ شيء واضح أمامك دون أن تلاحظه؟
هذه المواقف قد تبدو غريبة، لكنها ترتبط بظاهرة نفسية وبصرية معروفة باسم "عمى الانتباه" أوInattentional Blindness، وهي لا تعني وجود مشكلة في العين، وإنما تحدث عندما ينشغل الانتباه بمهمة أو شيء معين، فلا يصل بعض ما تراه العين إلى مستوى الوعي بشكل واضح.
وتشير أبحاث علم النفس إلى أن الإنسان لا يستطيع معالجة كل التفاصيل الموجودة في المشهد المحيط به في اللحظة نفسها، لذلك يعمل الانتباه كنوع من المرشح الذي يحدد ما يستحق التركيز وفق "Nature Reviews Psychology"
ما المقصود بظاهرة عمى الانتباه؟
عمى الانتباه هو عدم ملاحظة شيء يكون موجودًا بالفعل أمام العين، وأحيانًا يكون واضحًا وبارزًا، لأن العقل يكون منشغلًا بالتركيز على مهمة أخرى.
بمعنى آخر، المشكلة ليست بالضرورة في قدرة العين على استقبال الصورة، وإنما في عدم توجيه الانتباه إلى هذا الجزء من المشهد بالشكل الكافي ليصبح واعيًا به.
وتوضح مراجعات علمية أن الانتباه والوعي ليسا الشيء نفسه تمامًا؛ فقد تصل معلومات بصرية إلى الجهاز العصبي، لكن عدم توجيه الانتباه إليها قد يجعل الشخص غير مدرك لها بصورة واعية.
تجربة "الغوريلا الخفية" الشهيرة
من أشهر التجارب التي كشفت هذه الظاهرة تجربة أجراها عالما النفس دانيال سايمونز وكريستوفر تشابريس عام 1999.
طُلب من المشاركين مشاهدة مقطع يظهر فيه فريقان يتبادلان كرة السلة، مع مطالبتهم بالتركيز على عدد التمريرات التي يجريها أحد الفريقين.
أثناء المقطع، ظهر شخص يرتدي زي غوريلا ومشى وسط اللاعبين، بل وتوقف لفترة قبل أن يغادر المشهد.
والمفاجأة أن عددًا كبيرًا من المشاركين لم يلاحظ ظهوره، رغم أنه كان موجودًا أمامهم بوضوح.
لماذا لم نرَ الشيء الموجود أمامنا؟
عندما يطلب من الإنسان التركيز على مهمة محددة، يبدأ العقل في إعطاء الأولوية للمعلومات المرتبطة بهذه المهمة.
فإذا كنت تبحث عن مفتاح مثلًا، فمن المرجح أن يركز انتباهك على الأشياء التي تتوقع أن يكون المفتاح بينها، بينما قد تتجاهل تفاصيل أخرى موجودة في المكان نفسه.
وتشير أبحاث الانتباه البصري إلى أن موارد المعالجة لدينا محدودة، ولذلك لا يستطيع الدماغ التعامل مع كل المعلومات البصرية بأقصى درجة من التركيز في الوقت نفسه.
وهنا يصبح توجيه الانتباه ضروريًا لاختيار الأشياء الأكثر أهمية للمهمة التي نقوم بها.
العين ترى.. لكن العقل قد لا ينتبه
من المهم التفريق بين الرؤية والانتباه فوجود شيء داخل مجال رؤيتك لا يعني بالضرورة أنك ستدركه بوعي كامل.
يمكن للعين أن تستقبل معلومات من البيئة المحيطة، لكن العقل يحتاج إلى توجيه موارده الانتباهية نحو بعض هذه المعلومات حتى تصبح جزءًا واضحًا من تجربتك الواعية.
ولهذا قد تقول بعد اكتشاف شيء كنت تبحث عنه: "كان أمامي طوال الوقت"، وهي عبارة تلخص الفكرة الأساسية لظاهرة عمى الانتباه؛ فالشيء لم يختفِ فعليًا، وإنما لم يكن حاضرًا في بؤرة انتباهك بالشكل الذي يجعلك تدركه.
هل يزداد الأمر عندما ننشغل بأكثر من مهمة؟
كلما أصبح الانتباه مشغولًا بمهمة تتطلب تركيزًا، قد تقل قدرتنا على ملاحظة بعض الأحداث غير المتوقعة.
وتشير أبحاث الانتباه إلى أن الموارد الذهنية ليست بلا حدود، ولذلك فإن محاولة متابعة عدة عناصر في الوقت نفسه قد تجعل بعض التفاصيل خارج نطاق التركيز.
وهذا يفسر بعض المواقف اليومية، مثل شخص يقود السيارة ويركز على حركة المرور وإشارات الطريق، فيفشل في ملاحظة شيء آخر في المشهد قد يراه الراكب بجواره بسهولة.
هل يعني ذلك أن المخ لا يرى كل شيء؟
ليس من الدقيق القول إن الدماغ لا يعالج أي معلومات خارج نطاق الانتباه.
تشير الأبحاث إلى وجود عمليات بصرية يمكن أن تحدث بدرجات مختلفة من الوعي، لكن المشكلة أن ليس كل ما يدخل النظام البصري يصل إلى مستوى الوعي الذي يسمح لنا بتحديده والإبلاغ عنه.
ولهذا يصف الباحثون الانتباه بأنه آلية مهمة لاختيار المعلومات من البيئة المحيطة، بدلًا من محاولة التعامل مع كل التفاصيل الموجودة في اللحظة نفسها بحسب "apa".