إعلان

الذكاء الاصطناعي... هذا الصندوق الأسود!

د. غادة موسى

كتب - د. غادة موسى

09:38 م السبت 19 سبتمبر 2026

يقف العقل البشري اليوم مذهولًا أمام مرآة صنعه، مأخوذًا بسحر تقنيةٍ باتت تتوارى خلف مصطلح "الصندوق الأسود"؛ حيث تتدخل الخوارزميات العميقة لإنتاج قرارات وحلول نعجز عن تتبع مساراتها أو فهم كنهها. ويفتح هذا الواقع الباب واسعًا أمام إشكالية فلسفية كبرى: هل يمكن أن تفكر الآلة حقًا؟ وهل يمكن لها أن تدرك الحقيقة؟

إذا كان التفكير يُختزل في معالجة البيانات واستنتاج الأنماط، فقد تجاوزت الآلة ذلك بمراحل. أما إدراك الحقيقة، فهنا تكمن المفارقة؛ فالآلة لا تملك وعيًا شعوريًا أو وجدانيًا، بل تحاكي المنطق الإنساني بناءً على الكتلة الهائلة من المعلومات. ورغم ذلك، تتسارع خطى الإنسان نحو تطوير أدوات تتفوق عليه في الابتكار، وإدارة العلاقات الاجتماعية، لتصل إلى الحد الذي يهدد بتقليص دوره واستبداله تمامًا. وهنا يبرز السؤال الوجودي المؤلم: لماذا يسعى الإنسان للفناء بيده؟ ولماذا يبدو كمن يتعاون مع الآلة ضد الإنسانية بأسرها؟

يتجلى هذا العبث في السباق المحموم والمكشوف بين القوى العظمى، وتحديدًا الولايات المتحدة والصين، للسيطرة والهيمنة على التقنية التي قد تقود إلى فناء البشرية. ويكشف هذا المسعى عن أنانية مطلقة وجشع مستعر للسيطرة المطلقة على مصادر الموارد التي تحفظ للبشرية بقاءها.

إن الشركات الكبرى، ومن ورائها الحكومات، تتغافل عمدًا – أو تخفي بحذر – احتمالية خروج هذه الأنظمة فائقة القدرة ووكلائها الاصطناعيين عن السيطرة. وتتغاضى عن وقائع موثقة حدثت بالفعل شهدت حالات تمرد وعصيان رقمي، واتخاذ قرارات غير عقلانية وخطيرة لحقت أضرارًا جسيمة بالمجتمعات.

إن العمل المحموم لتطوير الذكاء الاصطناعي الفائق لا يمثل مجرد تقدم تقني، بل هو إعلان صريح بحق تقرير المصير للآلة، والاعتراف بسيادتها الكاملة على البشرية، واستعباد البشر وتطويعهم لخدمة أهدافها الخاصة. ودخولنا لعصر ما بعد الإنسانية!

وإذا كان كارل ماركس قد تنبأ مسبقًا بدخول الإنسان في صراع وجودي مع الآلة التي نافسته على لقمة عيشه وأماكن عمله، فإننا اليوم نواجه أزمة أخطر بكثير؛ إنها أزمة الإلغاء الشامل للإنسان في كافة المجالات، والاقتراب من نهايته المحتومة كسيد على كوكب الأرض.

تساؤل أخير: هل يدرك صانعو القرار أننا نبني بأيدينا المقصلة التي ستفصل رأس البشرية عن جسد التاريخ؟

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان