مفتي الجمهورية: مؤتمر «التحديات الأسرية» يطرح رؤية لمواجهة التحولات المعاصرة
كتب : محمد قادوس
-
عرض 3 صورة
-
عرض 3 صورة
-
عرض 3 صورة
الأسرة هي الحاضنة الأولى للقيم وصيانة الهوية
لا بد من التوازن بين استخدام التكنولوجيا والحفاظ على الروابط الأسرية
الفتاوى غير الموثوقة عبر المنصات الرقمية تهدد استقرار المجتمع
حماية الأطفال من النزاعات الأسرية أولوية إنسانية وشرعية
في زمنٍ لم تعد فيه الأسرة تعيش بمعزل عن العالم، بل أصبحت في قلب موجة متسارعة من التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتكنولوجية، تبرز تساؤلات ملحّة حول قدرتها على الصمود والحفاظ على تماسكها وهويتها. لم تعد التحديات التي تواجهها الأسرة قاصرة على خلافات داخلية أو ضغوط يومية، بل باتت نتاج منظومة معقدة من التغيرات التي تعيد تشكيل مفاهيم الزواج، وأدوار الآباء والأبناء، وأنماط التواصل والتنشئة.
وفي هذا السياق، يأتي انعقاد المؤتمر الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية تحت عنوان "التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى" ليطرح رؤية عميقة تتجاوز المعالجات الجزئية، نحو فهم شامل للسياقات التي تُنتج هذه التحديات، واستشراف ما يمكن أن تؤول إليه في المستقبل.
وفي هذا الحوار، نفتح مع فضيلة مفتي الجمهورية الدكتور نظير محمد عياد، ملفات شائكة تمس واقع الأسرة اليوم؛ من تأثير التحولات الرقمية ومواقع التواصل، إلى خطورة الفتاوى غير الموثوقة، مرورًا بملف الطلاق، وقضايا التربية، وصيانة الهوية، وصولًا إلى دور الفتوى في بناء وعي قادر على التمييز بين ما يُستوعَب من التغيير وما يُقوَّم أو يُرفض.
بداية ما الذي دفع دار الإفتاء إلى اختيار" التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى" عنوانًا للمؤتمر الحادي عشر؟ وما طبيعة هذه التحولات التي باتت تهدد استقرار الأسرة؟
لم يعد التحدي الذي تواجهه الأسرة اليوم مقصورًا على مشكلات داخلية، وإنما أصبحت تتفاعل مع منظومة متشابكة من التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتكنولوجية والفكرية، التي أعادت تشكيل كثير من التصورات وأنماط السلوك والعلاقات، ومن هنا جاء اختيار هذا الموضوع تعبيرًا عن الحاجة إلى قراءة واقع الأسرة في سياقه الأوسع، وفهم التحولات التي تحيط بها قبل أن تتحول آثارها إلى أزمات يصعب احتواؤها.
فهذه التحولات تمس البنية العميقة للأسرة؛ فتؤثر في مفهوم المسؤولية، وتصورات الأجيال عن الزواج، وأدوار الآباء والأبناء، وأنماط التربية، والقدرة على الحوار وإدارة الاختلاف، فضلًا عن تداخل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية مع التحولات الثقافية والرقمية، بما ينتج تحديات مركَّبة لا تكفي معها المعالجات الجزئية. فالإسلام لا يقف من المستجدات موقف الرفض المطلق، وإنما يميز بين ما يمكن استيعابه وتوظيفه، وما يحتاج إلى تقويم، وما يتعارض مع المقاصد والقيم، ولذلك فإن السؤال الأهم ليس كيف نحمي الأسرة من كل تغيير وإنما كيف نحصِّنها بالوعي والقيم بحيث تتفاعل مع التغيير دون أن تفقد ثوابتها.
ومن هذا المنطلق، تأتي مقاربة دار الإفتاء لقضايا الأسرة؛ فالحماية لا تعني عزل الأسرة عن تطورات المجتمع، وإنما تمكينها من أدوات الوعي التي تجعلها قادرة على التكيف الرشيد مع المتغيرات. فالأسرة هي الحاضنة الأولى للإنسان، وفيها تتشكل شخصيته وقيمه ويتعلم معنى المسؤولية والمودة والرحمة، ولهذا يسعى المؤتمر إلى الانتقال من إدارة أزمات الأسرة إلى استشراف مستقبلها، ومن معالجة الوقائع المنفردة إلى فهم السياقات التي تنتجها؛ فالفتوى الرشيدة تستصحب أصول الشريعة ومقاصدها، وتفهم الواقع ومتغيراته، وتستشرف مآلاته، بما يعزز قدرة الأسرة على مواجهة تحدياتها ويحفظ تماسكها وهويتها..
* إلى أي مدًى أسهمت التحولات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل العلاقة بين الزوجين وبين الآباء والأبناء؟
لا شك أن التحولات الرقمية لم تعد مجرد تطور تقني، وإنما أصبحت تحولًا عميقًا في أنماط التفكير والتواصل وتكوين الوعي، ومن ثم امتد أثرها إلى بنية الأسرة والعلاقة بين الزوجين وبين الآباء والأبناء، فالتقنية في ذاتها أداة يتحدد أثرها بطريقة استخدامها والغايات التي تُوجَّه إليها والضوابط الأخلاقية الحاكمة لها.
وقد أفرز الفضاء الرقمي نمطًا جديدًا من العلاقات؛ فقد يجتمع أفراد الأسرة تحت سقف واحد، بينما ينصرف كل منهم إلى عالمه الافتراضي، فتتراجع مساحة الحوار والحضور الوجداني، كما لم تعد الأسرة المصدر الوحيد لتشكيل وعي الأبناء، إذ أصبحت المنصات الرقمية شريكًا مؤثرًا في التنشئة، وهو ما يجعل التحدي الحقيقي بناء قدرة داخلية لدى الأبناء على التمييز والاختيار، وتكوين مناعة قيمية تحميهم من فقدان بوصلتهم الأخلاقية.
ومن هنا، لا تقوم المعالجة الرشيدة على عزل الأسرة عن العالم الرقمي، ولا على إطلاق الاستخدام بلا ضابط، وإنما على بناء علاقة متوازنة مع التقنية، قوامها الوعي والمسؤولية، والانتقال من مجرد مراقبة السلوك إلى ترسيخ الوازع الأخلاقي.
وتتمثل مسؤولية الفتوى هنا في ترشيد السلوك، وحماية مقاصد الأسرة، واستشراف مآلات التحولات الرقمية؛ حتى تظل التكنولوجيا في خدمة الإنسان والأسرة، التي ينبغي أن تبقى المجال الأول للسكن والمودة والرحمة والأمان، لأن التقنية قد تغير أدوات التواصل، لكنها لا ينبغي أن تغير جوهر العلاقة الإنسانية التي تقوم عليها الأسرة.
* هل أصبحت بعض المنصات الرقمية مصدرًا جديدًا للفتوى الأسرية، وما خطورة لجوء الشباب إلى" المفتي الرقمي" أو المحتوى الديني غير الموثوق؟
التحدي في الفضاء الرقمي يرتبط بمدى موثوقية المحتوى الديني، وبالخلط بين المعلومة الدينية والفتوى، فقد أصبح البعض يتعامل مع كل إجابة تظهر في صيغة دينية باعتبارها فتوى، بصرف النظر عن مصدرها ومنهجها ومدى ملاءمتها لحال المستفتي، فالفتوى ليست استرجاعًا آليًّا لمعلومة، وإنما صناعة علمية تقوم على فهم النص والواقع، وإدراك ملابسات الواقعة وحال المستفتي ومآلات الحكم، ومن هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة مساعدة للمفتي، تيسر البحث والوصول إلى المعلومات وتوفر الوقت والجهد، لكنه لا يحل محل المفتي؛ لأن الإفتاء لا يقوم على المعرفة وحدها، وإنما على الفهم والتنزيل والموازنة واستحضار الأبعاد الإنسانية للواقعة.
ومن هذا المنطلق، تحرص دار الإفتاء المصرية على الاستفادة من التقنيات الحديثة في خدمة العمل الإفتائي والوصول إلى الأجيال الجديدة بلغتهم وأدواتهم، وبناء وعي لديهم بمعايير التحقق والتمييز بين المرجعية العلمية والمحتوى غير الموثوق.
والغاية في النهاية ليست المفاضلة بين الإنسان والآلة، وإنما بناء تكامل رشيد بين التقنية والخبرة العلمية؛ بحيث تبقى التكنولوجيا في خدمة الفتوى وتوسيع نطاق الوصول إليها، دون أن تتحول إلى بديل عن المفتي أو عن المرجعية العلمية التي تمنح الفتوى مشروعيتها وموثوقيتها.
* تشير معدلات الطلاق إلى تحديات متزايدة في عدد من المجتمعات العربية.. ما المنهجية التي تتبعها دار الإفتاء المصرية في فتاوى الطلاق للحد منه؟
الطلاق من أخطر المسائل التي تستدعي التثبت والتأني؛ لأن أثره لا يقف عند لحظة التلفظ، وإنما يمتد إلى الزوجين والأبناء والأسرة والمجتمع، ولهذا فإن التعامل مع فتاوى الطلاق داخل دار الإفتاء يقوم على التدقيق في الواقعة وفهم ظروفها وملابساتها، وعدم التعامل مع ألفاظ الطلاق بمعزل عن السياق الذي قيلت فيه، وهذا يفسر أهمية التحقق من حالات الغضب وأيمان الزجر والتهديد وغيرها من الملابسات التي تستوجب النظر الفقهي الدقيق.
وتضطلع دار الإفتاء بدور فاعل في مواجهة هذه الظاهرة من خلال عدة إدارات، منها مركز التدريب القائم على تأهيل أمناء الفتوى علميًّا ومهنيًّا، إلى جانب مركز الإرشاد الأسري الذي يعمل على تدريب المقبلين على الزواج والتواصل معهم بما يسهم في بناء وعي أسري رشيد قائم على الحوار والتفاهم.
* أصبحت الأسرة تواجه تحديات تتعلق بالإدمان الرقمي والألعاب الإلكترونية والمحتوى العنيف أو غير الملائم.. كيف يمكن للفتوى أن تتعامل مع هذه الظواهر؟
هذه القضايا لا يمكن التعامل معها بمعزل عن واقعها وآثارها؛ فالفتوى المعاصرة مطالبة أولًا بفهم الظاهرة، ثم بتحديد ما يترتب عليها من مصالح أو مفاسد، وبعد ذلك يأتي الحكم الشرعي في ضوء هذا الفهم.
ولهذا فإن دار الإفتاء تتعامل مع النوازل المستجدة من خلال التكييف الفقهي الدقيق والاستعانة بالمتخصصين في المجالات ذات الصلة، مع اعتبار المآلات وعدم النظر إلى الوسيلة بمعزل عن طريقة استخدامها والنتائج المترتبة عليها، فالتقنية قد تكون وسيلة نافعة للتعلم والتواصل، وقد تتحول في الوقت نفسه إلى مصدر للإدمان أو العزلة أو الإضرار بالعلاقات الأسرية. ولذلك لا يكون الموقف الصحيح هو رفض التقنية لذاتها، وإنما ضبط استخدامها بحيث تحقق منافعها دون أن تتحول إلى وسيلة للإضرار بالإنسان أو الأسرة، وهذا يقتضي كذلك أن تعمل الأسرة والمؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية معًا على بناء وعي يسبق المشكلة، لا أن ينتظر وقوع آثارها ثم يبحث عن علاجها.
* كيف يمكن حماية الأطفال من آثار الخلافات الزوجية، خاصة في ظل تصاعد قضايا الحضانة والرؤية والنفقة والنزاعات الأسرية؟
حين تقع الخلافات الزوجية، ينبغي ألا يغيب عن أطرافها وجود أبناء قد يكونون أكثر من يدفع ثمن النزاع، وأن الخلاف بين الزوجين مهما اشتد لا ينبغي أن يتحول إلى صراع على الأبناء أو وسيلة للضغط، فالطفل ليس طرفًا في الخصومة، ولا يجوز أن يُحمَّل ما لا يحتمل من تبعاتها النفسية والاجتماعية. والأخطر أن وقوع الشقاق بين الأبوين قد يضع الطفل في حالة من الحيرة والاضطراب، فيجد نفسه ممزقًا بين أب وأم يفترض أن يكون كل منهما مصدرًا للأمان، وقد يُدفع أحيانًا إلى إظهار ولاء لأحدهما على حساب الآخر، أو إلى إخفاء مشاعره حتى لا يخسر أحد والديه، ومثل هذا الوضع لا يهدد توازنه النفسي فحسب، وإنما قد يترك آثارًا أعمق في تكوينه الأخلاقي، فتُغرس في نفسه بذور الغش والتدليس، وتُنتزع من طفولته براءتها في الوقت الذي يكون أحوج ما يكون فيه إلى الصدق والأمان والقدوة.
وقد حرصت دار الإفتاء المصرية على تعزيز الجانب الوقائي حماية الأسر من التفكك من خلال مركز الإرشاد الزواجي، بما يجمع بين التأصيل الشرعي والاستعانة بالمتخصصين في الجوانب النفسية والاجتماعية؛ انطلاقًا من أن كثيرًا من النزاعات يمكن احتواؤها قبل أن تبلغ مرحلة الانفصال إذا أُحسن فهم أسبابها والتعامل معها في الوقت المناسب.
ومن هذا المنطلق، فإننا بحاجة إلى الانتقال من النظر إلى الطفل بوصفه «موضوعًا للنزاع» إلى النظر إليه باعتباره أمانةً مشتركة ومسؤوليةً أخلاقية وشرعية لا تنقضي بانتهاء العلاقة الزوجية.
* ما موقع المرأة في المقاربة الإفتائية الجديدة لقضايا الأسرة؟ وكيف يمكن ضمان أن تكون الفتوى سندًا للعدل والتوازن داخل الأسرة؟
المرأة جزء أصيل من بناء الأسرة والمجتمع، ولا يمكن الحديث عن استقرار أسري حقيقي مع إغفال حقوقها؛ فهي شريك أصيل في التكليف والعطاء وتحمل المسؤولية، وقد جاء الإسلام بتكريمها وصيانة حقوقها وإقرار إنسانيتها الكاملة، فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «النساء شقائق الرجال«.
ومن ثم فإن المقاربة الإفتائية لقضايا المرأة تنطلق من مبدأ التكامل الذي أقامت عليه الشريعة الحياة الأسرية؛ فلكل طرف حقوق وعليه واجبات، والغاية هي إقامة الأسرة على العدل والمودة والرحمة، ومن ثم فإن الفتوى الرشيدة تعتمد على بيان الحكم الشرعي بما يحقق العدل ويحفظ الحقوق ويمنع الضرر، والأسرة المستقرة هي التي يدرك فيها كل طرف مسؤوليته تجاه الآخر.
* كيف يمكن التعامل مع بعض الأفكار الوافدة التي تعيد تعريف مفاهيم الزواج والأسرة والأبوة والأمومة بصورة قد تتعارض مع الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمعات العربية؟
التعامل مع تلك الأفكار يكون بفهمها وتحليل منطلقاتها وآثارها، ثم وزنها بميزان العلم والقيم والمقاصد، فالانفتاح الواعي لا يعني التفريط في الثوابت، كما أن التمسك بالهوية لا يعني الانغلاق عن العالم.
والأسرة بناء شرعي وإنساني يقوم على الزواج، والسكن، والمودة، والرحمة، وحفظ النسب، ورعاية الأبناء، وأداء الحقوق والواجبات وهذه الأصول تمثل جزءًا من هوية المجتمع ومن منظومته القيمية التي لا ينبغي أن تكون محلًّا للعبث أو التفكيك، ومن هنا فإن دار الإفتاء تتعامل مع هذه التحولات بمنهج يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين التأصيل الشرعي والوعي بالواقع؛ فتعمل على دراسة المتغيرات الفكرية والاجتماعية، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتقديم خطاب قادر على محاورة الأفكار بالحجة لا بمجرد الرفض، مع التمييز بين ما يمكن الاستفادة منه من تجارب الآخرين، وما يتعارض مع ثوابت الدين وخصوصية المجتمع.
والرهان في النهاية ليس على إقامة جدار عازل بين مجتمعاتنا والعالم، وإنما على بناء إنسان يمتلك من الوعي ما يجعله قادرًا على الانفتاح دون ذوبان، وعلى الاستفادة دون تبعية، وعلى التفاعل مع الجديد دون أن يفقد بوصلته القيمية وهويته، وهذا هو جوهر الدور الذي نراه للفتوى اليوم، أن تحمي الثوابت، وتفهم المتغيرات، وتبني وعيًا قادرًا على التمييز.
* ماذا يعني" صيانة الهوية" في سياق الأسرة؟ وهل المقصود الحفاظ على الهوية الدينية فقط أم منظومة أوسع من القيم واللغة والثقافة والانتماء؟
صيانة الهوية في سياق الأسرة ليست حفظًا لمجموعة من المظاهر أو العادات فحسب، وإنما هي صيانة للمرجعية التي يتشكل في ضوئها وعي الإنسان، ويعرف بها معنى الانتماء، ويميز بها بين ما ينسجم مع منظومته القيمية وما يغايرها.
ومن المنظور الإسلامي، فإن حفظ الهوية يتصل بجملة من المقاصد والمعاني التي جاءت الشريعة بصيانتها؛ فالدين والعقل والنفس والنسل والمال ليست مجرد أحكام منفصلة، وإنما منظومة متكاملة تحفظ للإنسان إنسانيته، وللمجتمع تماسكه وقدرته على الاستمرار، وتعد الأسرة الحاضنة الأولى التي تنتقل من خلالها هذه المعاني من مستوى التجريد إلى مستوى الممارسة؛ ففيها يتعلم الطفل لغته، ويكتسب منظومة القيم، ويتعرف على معنى المسؤولية والرحمة والاحترام والانتماء، قبل أن يتلقى كثيرًا من ذلك عبر أي مؤسسة أخرى.
والفتوى الرشيدة لا تقتصر وظيفتها على بيان الحكم الشرعي، وإنما تسهم في حماية الدين والهوية وصيانة الأوطان من خلال بناء الوعي وتصحيح المفاهيم ومواجهة ما قد يطرأ على المجتمع من تحولات تؤثر في منظومته القيمية، ولذلك فإن الفتوى تخاطب الإنسان في واقعه، وتقدم له من الهداية الشرعية ما يعينه على التعامل مع المتغيرات دون أن يفقد مرجعيته.
* هل تتجه دار الإفتاء إلى تطوير قواعد بيانات أو مؤشرات لرصد التحولات في أسئلة المستفتين المتعلقة بالأسرة، والاستفادة منها في استشراف المشكلات المستقبلية؟
نعم، وهذا يندرج في صميم التطوير الذي تعمل عليه دار الإفتاء في بنيتها البحثية والإفتائية، فالدار لا تنظر إلى ما يرِد إليها من أسئلة باعتباره مجرد وقائع منفردة تحتاج إلى إجابات، وإنما يمثل تراكم هذه الأسئلة مادة مهمة لفهم الواقع ورصد القضايا المستجدة والتحولات التي تطرأ على حياة الناس.
ولهذا أولتِ الدار جانب البحث العلمي اهتمامًا مؤسسيًّا واضحًا، من خلال الإدارة العامة للأبحاث الشرعية والوحدات البحثية المختلفة التي تضطلع بدراسة القضايا المستجدة ووضع الخطط البحثية اللازمة لمعالجتها، بما يدعم عملية الإفتاء ويجعلها أكثر قدرة على مواكبة المتغيرات.
وفي قضايا الأسرة على وجه الخصوص، يمكن لتحليل الأسئلة المتكررة وأنماطها وتحولاتها أن يكشف عن مشكلات آخذة في التشكل، وأن يساعد على الانتقال من مجرد الاستجابة للحالة الفردية إلى فهم الظاهرة في سياقها الأوسع، وهذا هو معنى أن تكون الفتوى متصلة بالواقع؛ فهي لا تكتفي بأن تجيب عن السؤال، وإنما تسعى إلى فهم السياقات التي أنتجته واستشراف ما يمكن أن تؤول إليه، ومن هنا تأتي أهمية تطوير أدوات تحليل البيانات والاستفادة من التقنيات الحديثة في خدمة العمل الإفتائي، وهو ما يتسق مع توجه الدار الحالي نحو تطوير أدواتها والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في دعم منظومة الفتوى، مع بقاء القرار الإفتائي خاضعًا للضوابط العلمية والشرعية وللنظر البشري المتخصص.
والغاية في النهاية ليست جمع الأرقام لذاتها، وإنما تحويل المعرفة المتراكمة من واقع المستفتين إلى قدرة على قراءة المجتمع، وتحديد أولوياته، واستباق بعض مشكلاته؛ بحيث تصبح الفتوى أكثر قدرة على الوقاية والإرشاد.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News